تتناول الدراسة مصطلح “نصارى” في التراث المسيحي العربي، وتفنيد الحساسية الحديثة المرافقة له من قبل بعض المسيحيين، مؤكدةً أصالة واستمرارية استخدام الكلمة عبر التاريخ المخطوطي والليتورجي والتاريخي.
تتمحور أفكار البحث حول النقاط الرئيسية التالية:
دوافع التمييز اللغوي الحديث: محاولة بعض المسيحيين الابتتعاد عن المصطلحات العربية المشتركة هرباً من الهواجس الطائفية، مقابل منهج الرسول بولس القائم على التكيف وكسب الجميع للبشارة.
الجذر اللغوي لمصطلح “نصارى”: بيان أن الكلمة تحمل معنيين رئيسيين؛ الأول النسبة إلى مدينة “الناصرة” (كالناصريين)، والثاني مشتقة من “الأنصار” بمعنى أتباع المسيح وأنصاره.
الشهادات التاريخية والمخطوطية: تتبع استخدام المصطلح في:
مخطوطات العهد الجديد: مثل مخطوط دير جبل سيناء (رقم 151) المؤرخ في 867م.
الخطاب الإسلامي التاريخي: مثل العهدة العمرية وكتب التاريخ والسيّر.
التراث العربي المسيحي: حضور الكلمة في السنكسار، الأناشيد الروحية (مثل نشيد القديس لعازر)، والطلبة المارونية للعذراء، وأشعار ناصيف يازجي.
الخاتمة والدعوة اللاهوتية: التركيز على أن الهدف الأسمى هو البشارة بالمسيح وتجاوز العصبيات اللفظية والانغلاق الطائفي لمدّ جسور التواصل مع الآخر.
الكلمات المفتاحية: مصطلح النصارى، التراث العربي المسيحي، مخطوط جبل سيناء 151، ألقاب المؤمنين، لاهوت الحوار، التاريخ الأنطاكي.
ينفر بعض المسيحيين من استعمال مصطلحات عربية محاولاً التميز بالمصطلحات والتعابير وبكل شيء، وهذا يعود لأسباب كثيرة تاريخية ليس هنا مجال لذكرها، ولكن كما يقول بولس الرسول “فَصِرْتُ لِلْيَهُودِ كَيَهُودِيٍّ لأَرْبَحَ الْيَهُودَ. وَلِلَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ كَأَنِّي تَحْتَ النَّامُوسِ..وَلِلَّذِينَ بِلاَ نَامُوسٍ كَأَنِّي بِلاَ نَامُوسٍ …صِرْتُ لِلضُّعَفَاءِ كَضَعِيفٍ لأَرْبَحَ الضُّعَفَاءَ. صِرْتُ لِلْكُلِّ كُلَّ شَيْءٍ، لأُخَلِّصَ عَلَى كُلِّ حَال قَوْمًا.” (1 كو 9: 20-22).”، إذا كان هَمنا المسيح وبشارته فيجب أن نعود ونفهم عملنا ودورنا لنربح الكل للمسيح.
يرفض البعض استعمال مصطلح نصارى لدلالة علينا كمسيحيين، فتارة يقول البعض نحن مسيحيين ولسنا نصارى، وتارة يعيد نصارى لهرطقة انتشرت في شبه الجزيرة العربية ليحاول تجنب المصطلح، لكن كلمة نصراني تحمل معنيين الأول نسبة إلى الناصرة والثانية نسبة إلى أنصار أي أتباع.
ألقاب المؤمنين بالمسيح
كان المؤمنين بالمسيح معروفين بلقب أهل الطريق “أُنَاسًا مِنَ الطَّرِيقِ”(أع 9: 2)، وباسم الناصريين/ نصارى اللقب الذي أطلقه اليهود على أتباع يسوع قبل أن يصير لقب مسيحيين في سنة 42م وانتشر بداية هذا اللقب في أنطاكيا “وَدُعِيَ التَّلاَمِيذُ «مَسِيحِيِّينَ» فِي أَنْطَاكِيَةَ أَوَّلًا.” (أع 11: 26).
يشرح قاموس استرونغ كلمة Ναζωραῖος: ناصري من سكان الناصرة؛ وبالتالي مسيحي: – ناصري من الناصرة[1]، ويرى البعض أن كلمة النَّاصِرِيِّينَ أدق، لكن لافرق فناصري ونصراني ذات المعنى، النَّصْرَانِيُّ : من تعبَّد بدين النَّصرانية، وهي نصرانيَّةُ. والجمع : نَصَارَى، وترد بمعجم الغني بذات المعنى: ناصري / نَصْرَانِيٌّ: جمع: ـون، ـات، نَصَارَى. [ن ص ر]، وهو الْمَسِيحِيُّ، مَنْ يَدِينُ بِدِينِ السَّيِّدِ الْمَسِيحِ، ومَنْسُوبٌ إِلَى مَدِينَةِ النَّاصِرَةِ. ن. نَاصِرِيٌّ[2]، ويرد في كتاب الموجز في الأديان والمذاهب المعاصرة: (النصارى) نسبة إلى بلدة الناصرة في فلسطين، وهي التي ولد فيها المسيح[3]، وترد بمعجم الغني: نَاصِرِيٌّ : الْمُعْتَنِقُ لآرَاءِ وَأَفْكَارِ الرَّئِيسِ الْمِصْرِيِّ الرَّاحِلِ جَمَالِ عَبْدِ النَّاصِرِ، وهذا ما يفسر تغير جمال عبد الناصر اسم وادى النصارى إلى وادي النضارى أيام الوحدة بين سوريا ومصر، بالنسبة له ناصري ونصراني تحمل ذات المعنى.
وتأتي نصراني بمعنى أنصار: يقول أسد رستم: الأنصار في القرآن هم أنصار النبي “والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم”(سورة التوبة:99) والأنصار في القرآن هم الرسل أصحاب عيسى استنصر بهم من اليهود ” فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله وأشهد بأنا مسلمون”(سورة آل عمران: 51)، والنصارى عند العرب هم أنصار عيسى وأنصار أنصاره، ويكون أحدهم نصراني، ومن هنا جاءت الآية القرانية فقالت “لتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى” وتكون النصرانية بالتالي دين النصارى[4].
ورود كلمة نصارى
ترد كلمة نصارى مثلا في كل العبارة التي يتوجه فيها الخلفاء المسلمين نحو كل المسيحيين بقولهم نصارى: هذا كتاب عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نصارى مدينة كذا،[5]وترد بالعهدة العمرية الموجهة من الخليفة عمر ابن الخطاب إلى العائشين في دير مار جرجس الحميراء فيقول فيها : “ولا ينفى أسقف من أسقفيته ، ولا نصراني عن نصرانيته”[6]، وبوصف الفصح في القدس فيقال “فإذا كان فصح النصارى”[7] وبالحديث عن المسيحيين باختلاف الملل يقال نصارى، نصارى الشام وأرمينا ونجران وإلى أخره.
بالعودة للكتاب المقدس سنرى استعمال هذه الكلمة في موضوعين، الأول في وصف يسوع : يسوع الناصري: “وَأَتَى وَسَكَنَ فِي مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا نَاصِرَةُ ، لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِالأَنْبِيَاءِ: إِنَّهُ سَيُدْعَى نَاصِرِيّاً (ναζωραιος)”(متى23:2)، والموضع الثاني في وصف أتباع الناصري المصلوب: “وَجَدْنا هذا الرَّجُلَ آفةً مِنَ الآفات، يُثيرُ الفِتَنَ بَينَ اليَهودِ كافَّةً في العالَمِ أَجمَع، وأَحَدَ أَئِمَّةِ شِيعَةِ النَّصارى (ναζωραιων)” (أع 5:24)، وترد في الترجمة الكاثوليكية وترجمة المشتركة للكتاب المقدس نصارى، وترد في الترجمة البوليسية وفاندايك النَّاصِرِيِّينَ[8] .
| ترجمات لآية أعمال الرسل 5:24 | ||||
| كتاب الحياة | البولسية | الكاثوليكية | فاندايك | المشتركة دار الكتاب المقدس |
| وَجَدْنَا هَذَا الْمُتَّهَمَ مُخَرِّباً، يُثِيرُ الْفِتْنَةَ بَيْنَ جَمِيعِ الْيَهُودِ فِي الْبِلاَدِ كُلِّهَا، وَهُوَ يَتَزَعَّمُ مَذْهَبَ النَّصَارَى. | لَقَدْ تَبيَّنَ لنا أَنَّ هذا الرَّجلَ وَباءٌ: إِنَّهُ يُثيرُ الفِتَنَ بينَ يهودِ المَسْكونَةِ جميعًا، وَهُوَ إِمامٌ لِشِيعَةِ النَّاصريِّين. | وَجَدْنا هذا الرَّجُلَ آفةً مِنَ الآفات، يُثيرُ الفِتَنَ بَينَ اليَهودِ كافَّةً في العالَمِ أَجمَع، وأَحَدَ أَئِمَّةِ شِيعَةِ النَّصارى. | فَإِنَّنَا إِذْ وَجَدْنَا هَذَا الرَّجُلَ مُفْسِداً وَمُهَيِّجَ فِتْنَةٍ بَيْنَ جَمِيعِ الْيَهُودِ الَّذِينَ فِي الْمَسْكُونَةِ وَمِقْدَامَ شِيعَةِ النَّاصِرِيِّينَ | وجَدنا هذا الرَّجُلَ مُفسِدًا يُثيرُ الفِتنَ بَينَ اليَهودِ في العالَمِ كُلِّهِ، وزَعيمًا على شيعةِ النَّصارى. |
السنكسار
كتاب القديسيون الأنطاكيون المنسيون ترد دائما في سير القديسين كلمة نصراني فمثلاً : عندما طلب البطريرك(أنطاكيا) من هارون الرشيد قال له: أسالك سيدي ألا يؤخذ الخراج من النصارى (ص207)، وبوصية القديس تيموثاوس الكاخشتي(أرثوذكسي) يقول في نهايتها “لتكن رحمة الله وتحننه على هذا البلد وسائر سكانه وكل شعب النصارى”(ص208) وقال الشهيد أسد الحايك(أرثوذكسي): ما أنا إلا نصراني وعلى نصرانيتي أموت(ص224)، ويكتب في وصف القديس الشهيد عبد المسيح رئيس دير طور سيناء(ارثوذكسي)”..من خيرة العرب النصارى”، وعن القديس البار استفانوس “كان والداه نصرانيين” (ص311)، ويستعمل اسد رستم مصطلح نصارى بدل مسيحيين في كتاب تاريخ كنيسة أنطاكيا.
سيرة القديس يوسف الدمشقي
ترد في سيرة القديس يوسف الدمشقي الذي استشهد في عام 1860 وأعلن المجمع الأنطاكي قداسته في 8تشرين الأول 1993 ويعيد لذكراه في 10 تموز، التالي”..هناك عرفه أحد المهاجمين وكان من العلماء، وقد سبق ليوسف أن أفحمه في جدال فأضمر له الشرّ. هذا لمّا وقع نظره عليه صاح بمَن كانوا معه: “هذا إمام النصارى. إذا قتلناه قتلنا معه كل النصارى!”. وإذ صاح الرجل بهذا الكلام أدرك الخوري يوسف أنّ ساعته قد دنت”
مخطوطات الكتاب المقدس
مخطوط دير القديسة كاترينا السينائي ويعرف ب مخطوطة دير جبل سيناء Mt. Sinai Arabic codex 151) تحتوي على أقدم ترجمة إلى العربية وتعود إلى عام 867م ويبدو أنها أقدم ترجمة عربية للكتاب المقدس على قيد الوجود. وبالتأكيد، هذه المخطوطة هي أقدم ترجمة عربية مع شروحات وضعها المترجم. إنها تشتمل على نص الكتاب المقدس، مع تعليقات مكتوبة على الهامش، وملاحظات على كل أصحاح وحواشٍ في المخطوطة. ولقد تمّ اكتشافها في دير القديسة كاترين في سيناء بُعَيدَ عام 1800[9].
،

وتترجم آية أعمال الرسل 5:24 بــ”دعي التلاميذ نصارى(([10]χριστιανους في أنطاكيا” [11]
والملفت في هذه الترجمة، استعمال المترجم لعبارة: بسم الله الرحمن الرحيم،(سنقوم بدارسة لاستعمال هذه العبارة ببحث لاحق)
في الأناشيد الروحية
في نشيد للقديس لعازر ينتشر في لبنان وفلسطين ويقال في سبت القديس لعازر الذي يسبق أحد الشعانين:
| يا رب ارحمنا وارحم جماعتنـــا وارحم كهنتنا يا ارحم الراحمينـــا وارحم أيضا قارئها وسامعهـا وأجعل بطركنا على الاعداء منصورا ما أحلى أولاد النصارى في كنائسهم أما اليهود الحزانى ما لهم دينـــا |
في الليتورجيا المارونية
ونجدُ أيضًا في طلبة العذراء الشهيرة (طلبة العذراء المجيدة في الليتورجيا المارونية) في أبياتِها الأخيرة ذكرًا للمسيحيّين تحت عبارة النصارى: “يا مُعَزِّية الحَزانى، يا معونة النصارى، يا سلطانة الملائكة تضرّعي لأجلنا”[12]
في الأدب والشعر
يستعمل الشاعر ناصيف يازجي كلمة نصارى وعيسى في قصيدته[13]
نَحْنُ النَّصارَى آلُ عِيسَى المُنتَمي حَسَبَ التَّأَنُّسِ للبتولةِ مَريَمَ
وَهُوَ الإِلهُ ابنُ الإِلهِ وروحُهُ فثلاثهٌ فِي واحدٍ لم تُقَسمِ
للآبِ لاهوتُ ابنهِ وَكذا ابنُهُ وكذا هما والرُّوحُ تحتَ تَقنُّمِ
الخاتمة
ما يجب فهمه وإدراكه هو تماما أن نسلك حسب بولس الرسول أن نجد روابط مع الآخرين لنستطيع أن نتكلم معهم عن يسوع، فبولس عندما دخل أثينا بحث عن باب مفتوح ليبدأ نقاشه مع الوثنيين فعندما دخل معبد الآلهة وجد ” مَذْبَحًا مَكْتُوبًا عَلَيْهِ: «لإِلهٍ مَجْهُول»”(أع 17: 23) وقال جئت أبشركم بهذا الإله المجهول، واستعمل بولس عبارة لشاعر يوناني وثني ليوضح ليونانيين الوثنيين تعليمه ” كَمَا قَالَ بَعْضُ شُعَرَائِكُمْ أَيْضًا: لأَنَّنَا أَيْضًا ذُرِّيَّتُهُ.” (أع 17: 28).، يجب دائما أن نبحث عن أبواب مشتركة ندخل منها لنلتقي مع الآخر، همنا لا أن نتميز عن الآخرين، بل أن نخلصهم هذه رسوليتنا المدعوون إليها لنبشر كما بشر بولس الرسول، ألم يحن الوقت لنستيقظ وننزع عنا طائفيتنا وتعصبنا وتقوقعنا لنصير رسل للمسيح.
المراجع
[1] موقع البشارة، قاموس استرونغ، رقم 3480، الرابط https://albishara.net/strong/word/New/3480/
[2]موقع المعاني، شرح كلمة نصارى، الرابط: https://2u.pw/2gZ92yY9
[3]موقع الدرر السنية، مقالة موسوعة الأديان، النصرانية وما تفرع عنها، النصرانية: التعريف والنشأة والتاريخ، التعريف الرابط: https://dorar.net/adyan/337l
[4] أسد رستم، تاريخ إنطاكية مدينة الله العظمى، الجزء الثاني634-1453م، مجموعة الدكتور اسد رستم 21، منشورات المكتبة البوليسية، ص 10
[5] أسد رستم، ذات المرجع ص 43
[6] موقع نورسات، مقالة: بماذا توصي المخطوطة المعروفة بوثيقة عهد عمر بن الخطاب والموجودة في دير القديس جاورجيوس الحميراء البطريركي؟: https://2u.pw/LH0vdGlI
[7] في دلائل القبلة، تأليف أبي العباس أحمد بن أبي أحمد الطبري المعروف بابن القاص، دراسة وتحقيق أحمد محبس الحصناوي، منشورات المجمع العلمي العراق بغداد، ص 271
[8] موقع البشارة مقارنة بين الترجمات: https://2u.pw/KBPBVzTt
[9] موقع الخدمة العربية للكرازة بالإنجيل، https://www.arabicbible.com/arabic/codex-151.html
[10] قاموس استرونع رقم: 5546، https://albishara.net/strong/word/New/5546
[11]موقع library of gonergess الرابط: https://2u.pw/5Mvt24A9
[12] ناصيف يازجي، قصيدة نحن النصارى آل عيسى المنتمي، موقع ديوان: https://www.aldiwan.net/poem52748.html الأب (الراهب) يوحنا جيحا، مقالة النصارى ُ ِ أتباع المسيح اسم منذ نشأة الكنيسة(1)