.مسيح عاصي الرحباني، مسيح لا يحرر

الإبداع والحرية وجهان لعملة واحدة في مسرح الأخوين الرحباني، فإبداع لديهم لم يكن فقط ابتكار، بل القدرة على التحرير، تحرير الناس من القيود، وما دون ذلك يصير اجترار وتكرار للقديم، أو إعادة تدوير للقصة، فقوة مسرحياتهم لم تكن يوماً مجرد جماليات سمعية وبصرية، والتناسق الرهيب بين التمثيل والموسيقى، بين الكلمة واللحن، بل بأنها مشروع لتحرير وإعادة بناء الوعي للإنسان.

يتجلى هذا المشروع  في مسرحية آخر أيام سقراط (1998، لم يتعامل منصور مع سقراط كأنه نصب تذكاري في أثينا، ولا كشخصية تاريخية، بل استطاع أن يحرره من غربته التاريخية، ليجعله مواطن عربي في القرن العشرين، يحمل هموم ومشاكل المواطن اللبناني والعربي المعاصر، فسقراط الذي رفض الذهاب لمصر، أحضره منصور وجنسه، ونقل معركة سقراط من شوارع أثينا، إلى عمق جغرافيا الشرق العربية، دون أن يشكل هذا النقل عبئاً وثقلاً درامياً، فتحولت محاكمة سقراط من صراع تاريخي غابر في وجه ديمقراطييي اليونان، إلى صراع ضد الاستبداد وتدجين العقول في جغرافيا الشرق، وحُكِمَ على سقراط في لبنان ثانيةً.

أما الإبداع الثاني الأعمق، فبسط منصور الفيلسوف، أنسن الفلسفة وكسر تعاليها، وجعلها لغة يومية، يتكلمها الفلاح والعتال والسياسي، محررا إياها من النخبة لتصبح خبز يومي للعامة، بذلك استطاع أن يحرر الفلسفة والفيلسوف، فحرر بذلك الإنسان الذي يشاهد.تحول سقراط من شخصية تاريخية، إلى شخصية حية، سقراط منصور حي، حاضر الآن وهنا، لم يعد يوناني في أثينا، فسقراط الذي رفض الذهاب لمصر، أحضره منصور إلى لبنان، حرره من حدود أثينا ومجتمعها وتقاليدها، سقراط على مسرح منصور كان حراً، رقص على المسرح وشرب الخمر، وتصارع مع زوجته، وأطلق معزة برية، لأن قلم منصور كان حراً، لم تقيده لا سطوة التاريخ، ولا رهبة الفلسفة.

على النقيض، جاءت مسرحية “وقام في اليوم الثالث”(2000)، لتجسد انكسار لهذه الحرية، ففي حكايته للأيام الأخيرة من حياة السيد المسيح، ، أختنق قلم منصور، أظن إن منصور مزق أوراقاً كثيراً قبل إتمام عمله، لأنه ارتبك أمام الــمُقدس، وقيدت الهيبة اللاهوتية إبداع الكاتب، فواجه شخصية يسوع باعتبارها شخصية مقدسة ومحمية لا تمس، وأي محاولة من الاقتراب منها تُهدَد بإدانة أو حرم لاهوتية، لذلك العمل رغم كل جمالياته السمعية والبصرية، ظل جافاً وتكراراً لنص كُتب من ألفي عام بقالب استعراضي غنائي راقص. لكن في غياب المعنى يتحول الإخراج السمعي والبصري إلى جزء شكلي جاف.

فظلت شخصية يسوع شخصية مقدسة مسجونة بين وريقات الكتب والوعظ، لا تلامس الواقع، فتعامل معها حكاية المسيح باعتبارها حكاية جاهزة ضمن قالب غير قابل للتبدل، وهذا القالب بنى سجناً يقيد قلم منصور، يقول باشا عبيدو” بقيت أسيرة قوة السيرة، التي اختزلت هنا، حتى بدت سيرة محض أخلاقية، تعيد إنتاج السائد والدارج عن السيد المسيح، بطرق مبسطة وليس ببساطة”[1] فلم يستطع أن يعيد إبداع الحكاية بل بقيت حكاية لطفل يغفو، لا شك أنه قلمه حاول أن يعود إلى طبيعته عدة مرات بالنص، كما في قول يسوع “أنا أموت من أجل ناس لا أعرفهم. ليس المهم الموت، المهم القيامة. فالإيمان يحرر، ويوصل إلى الحرية” ولكن ظل هذا الانفجار مخنوق ومسجون في وعظة، وظهر المسيح كأنه واعظ حتى في ذروة ثورته عندما طرد الباعة من الهيكل.

المفارقة إن ما الأبداع المكبوت في شخصية يسوع، أطلق شخصيات أخرى وحررها إلى حد كبير، وخاصة شخصية يهوذا، الذي وجه أسئلة كثيرة، أسئلة يهوذا العميقة، لم يقابلها أي جواب شافي من قبل الشخصيات المسيح أو تلاميذه، في مشهد حوار يهوذا مع المسيح، حول الثورة والتحرير، عندما يسأله يهوذا “من ضربك على خدك الأيمن، وباركوا يلي بيلعنكم، وأحبوا أعدائكم، كأنك مرسل من روما لتنفس الثورة، هاد حكي ما بيتحقق، يجيب يسوع: إذا النعمة دخلت فيك بيتحقق.”  يجيب يهوذا هاد ذل أنا ما فيني ما رد الضربة، يلي عم تطلبوا يا معلم فوق القدرة البشرية، يجيب يسوع: لما تجسد ابن الإنسان أعطاكن منو وأخد منكم، صار فيك تقدر.” ثم كلمات يهوذا، تصطدم بجدار ضخم، عندما يقول له يسوع يهوذا اهتم بيلي بدك تعملو” ثم يكرر اعمل يلي بتشعر بدك تعملو” ويظهر المسيح هنا وكأنه يدفع يهوذا لتسلميه لإتمام النبوءة. مسيح منصور آتي ليموت وفق سيناريو مرسم، فسقط يهوذا ضحية لسيناريو مسبق إعداده، ولقدر إلهي، ليعود القلم فيقيد الشخصية التي كاد أن يحررها.

الإبداع الرحباني حرر سقراط من أثينا، ولكنه تقيد أمام الهيكل، ففي سقراط أبدع منصور بإعادة حكاية سقراط، بينما في مسرحية المسيح، اصطدمت حرية الكاتب بالمقدس والهيبة، فضحى بالإبداع لحساب النص، فبقي العرض مجرد صدى فخم لنص لم يجرأ على إعادة كتابته،  حيث كان من الممكن لحكاية الآلام على خشبة المسرح أن تكون ذروة التحرر الإنساني

السؤال الكبير لماذا اصطدم الإبداع الرحباني بجدار الهيبة، ولم يستطع تمزيقه؟ هذا السؤال يضع أي مشروع تحرير أمام مواجهة صادمة، فمهما كان كبيراً يصطدم بقوة بجدار الهيبة، فكيف يُمزَق هذا الجدار، الذي إن انهار تحرر العقل؟

المراجع

زغيب، هنري. “146: … وقام في اليوم الثالث”. موقع الشاعر هنري زغيب. 5 أيار/ مايو 2000. شوهد في 25 أيلول/ سبتمبر 2026. في: https://www.henrizoghaib.com/146-%D9%88%D9%82%D8%A7%D9%85-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%88%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%84%D8%AB/

[1] باشا عبيدو، مقالة »وقام في اليوم الثالث« أوبريت رحبانية على مسرح كازينو لبنان ضخامة مشهدية على أفكار كاريكاتورية.. والنص أضعف الحلقات، موقع جريدة السفير،  التاريخ: 2000-05-22 | رقم العدد:8604، الرابط للاتطلاع: https://archive.assafir.com/ssr/1045429.html


Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *