الخدمة

اليوم، أصبح لي بيتٌ بينكم، وهذا يعني لي الكثير. يعني أن خدمتي معكم صار لها شكل آخر، وتحولت إلى التزامٍ وحياة مشتركة معكم. وفي المقابل، يضعنا هذا التغيير جميعاً أمام مسؤولية الخدمة في الكنيسة،  ماذا تعني الخدمة؟ وكيف نخدم معاً؟

الخدمة في الكنيسة وهنا لا أقصد الكنيسة كبناء، فأسهل الاهتمامات أن نهتم بحجر أصم أبكم، الكنيسة هي جماعة المؤمنين المجتمعة حول الكأس المقدسة،  أي أنتم الذين تسمعوني، أنتم الكنيسة، والخدمة يعني كيف نخدم هذه الجماعة واحتياجاتها، فالخدمة إذا هي أن نعمل معاً لنلبي احتياجات بعضنا البعض، ولنبني جماعة قوية مثمرة ومنتجة، تربي أجيال على محبة المسيح، وتربي أجيال جديدة يفكرون بحسب فكر المسيح، يسيرون بالإنجيل، يحملون قضية المسيح في هذا العالم الشقي، وأن نربي أنفسنا على أن يكون الإنجيل دفق حياتنا، ومحولين السلوك المسيحي إلى سلوك حي في أدمنتن. وأن تكون جماعتنا وكنيستنا، جماعة تحتضن الكل، تجذب أناس جدد إليها، أناس إن دخلو إلينا جعلناهم يشعرون أنهم وصلو إلى حضن يهتم بهم، يشعرون بفرح يدفعهم للعودة إلينا، يرون أننا نفرح لفرحهم ونحزن لآلامهم.

يرى البعض أن الخدمة تقتصر على الكاهن وحده، باعتباره خادم الرعية بأسرها، أو أنها تنحصر في مجلس الرعية مع الكاهن. ورغم أن الدور التنظيمي الكبير يقع على عاتق المجلس، وأن الكاهن يمثل محوراً أساسياً في هذه الخدمة، إلا أن رسالة بولس الرسول تعيد ترتيب الأدوار والمفاهيم بالكامل، وبل وتخلط كل شيء، وتمحو كل أفكارنا السابقة عن الخدمة وعن العمل والعيش معاً، وتجعلنا نعيد ترتيب أدورانا معاً

فمثلاً، «لو دخل ضيفٌ اليوم إلى كنيستنا، مَنْ الذي سيستقبله؟» في بيتنا الجديد هنا، المسؤولية ليست مسؤولية “الراعي” وحدَه، بل هي مسؤولية كل فرد يجتمع تحت هذا السقف. الكنيسة ليست فندقاً نأتي إليه لنأخذ خدمة ونمضي، بل هي بيتنا وعائلتنا. لذلك، لا تنتظروا أن يبادر الكاهن وحدَه بالترحيب أو السؤال؛ بل كونوا أنتم المبادرين. فدفء الكنيسة الحقيقي يُقاس بابتسامة أبنائها وبناتها لكل وجه جديد يدخل من الباب، كلما رأيتم شخص جديد قولوا له تعال وانظر يسوع بيننا.

يرى البعض أن على الكاهن وحده جذب الناس، وهذا مطلوب بلا شك؛ ولكن إذا انجذب الناس إلى الكنيسة لأجل شخص الكاهن، سيرحلون برحيله. أما إذا جذبهم الكاهن إلى الكنيسة، فيأتي دوركم أنتم لـتحتضنوهم وترحبوا بهم، ليحبوا وجودهم بينكم.  الناس لا تحب هذا البناء باعتبارها بيت لله، هذا البناء هو بيت الجماعة حيث نلتقي ونجتمع ونفرح معاً، لذلك تأتي الناس إلى هنا لتصلي وتستمر هنا بسببكم، لا شك على الكاهن أن يعمل، ولكن عليكم أنتم أيضاً أن تعملوا لتكملوا العمل؛ فلا يمكنني دعوة الناس فقط، بل عليكم أنتم أن تحتضنوا الكل.

كنيستنا في أدمونتون تعيش في مجتمع قد تكون ظروفه قاسية أو باردة أحياناً، وهنا يأتي دورنا الإنجيلي. دورنا بأن نحول الوصية إلى عمل، ولتصير حياة ومحبة ملموسة:

 كيف يمكن لمن سبقونا في هذا البلد أن يمدّوا يد العون للعائلات الجديدة، في معاملاتهم، أو سكنهم، أو تأقلمهم؟ أليس هذا ما قاله الرب: «كنتُ غريباً فآويتموني»؟

ونسأل كيف يمكن أن ندعم عائلاتنا وشبابنا؟ من خلال خلق مساحات لقاء، ومجموعات دعم، وأنشطة تحضن أطفالنا وشبابنا، وتحميهم من الوحدة، وتبقي قلوبهم مرتبطة بكنيستهم وهويتهم.

يذكّرنا بولس الرسول دائماً بأن الكنيسة هي “جسد المسيح”، والعين لا تستطيع أن تقول لليد لا أحتتاج إليكِ. يجب أن نتعلم كيف نشجع بعضنا البعض ونفرح بنجاحات بعضنا. نجاح الكنيسة لا يُقاس أبداً بنجاح الكاهن بمفرده، بل بمدى تكاملنا معاً. عندما ينجح أحدكم في تنظيم نشاط، أو ترتيل ترتيلة، أو التعليم، أو حتى في حسن الاستقبال، فهذا نجاحٌ للجسد كله، وعيدٌ للعائلة كلها. إننا نواجه اليوم في الاغتراب تحديات كبرى كالبُعد، وانشغال الحياة الدائم، وخطر ذوبان الهوية لدى أجيالنا الطالعة. من هنا تصبح الخدمة بالمواهب في هذه الكنيسة طريقة بقاء وحماية لإيماننا وأصالتنا. ليست الخدمة نشاطاً إضافياً نقوم به إن كان لدينا وقت، بل هي نبض حياتنا المسيحية، وضمانة لكي تبقى كنيستنا واحة راحة وسلام لأولادنا من بعدنا.

في الكنيسة اليوم وهنا لا تُوزَّع الأدوار بحسب المناصب أو المسميات، بل تتوزع بحسب المواهب التي وهبها الله لكل منا. فليس بالضرورة أن يمتلك الكاهن وحده كل المواهب التي تحتاجها الرعية، وقد لا تتوفر أيضاً جميع هذه المواهب في مجلس الرعية بل نعمل معاً لنكمل كل نقص وعليكم أن تكملوا ما نقص من عملي ومن عمل مجلس الرعية. لذلك بولس الرسول لا يفرض أدواراً مخصصة،  يدفع المسؤولية ليضعها على عاتق الجميع، ويفتح الآفاق لكل الكنيسة  قائلاً : من لديه موهبة الخدمة فليخدم، ومن لديه موهبة التعليم فليُعلّم، ومن لديه موهبة التدبير فليجتهد.

هذا دعوة بولس الرسول، وأنا ادعوكم مع بولس اليوم، فكل واحد منكم ليتقدم ويخدم بالموهبة التي لديه، إدارة، تسويق، إعلام، تجارة، موسيقا، فن ورسم، كتابة،  استقبال القادمين الجدد، التنظيم، الطبخ أي موهبة مهمة لنا لنمونا معا.ً