يحدثنا المعلم اليوم، عن الصليب، من أراد أن يخلص عليه أن يحمل صليبه ويتبعني، الخلاص مرتبط بهذا الصليب، والملفت أن الخلاص مرتبط بأن يحمل الإنسان صليبه الخاص، لا يقول يسوع، احمل صليبي واتبعني، إذا ما معنى الصليب الذي يود يسوع أن نحمله.
يأخذ الصليب معنى محرف عن حقيقته، فنفهمه بما ليس هو، لذلك عجزنا عند إدراك معناه، ويجعلنا نفرح فيه كرمز جميل خاص بالمعلم، لكن نخاف منه عندما يتعلق الأمر بنا، لأن الصليب ارتبط بمفهومنا الشعبي بالألم، فعندما تحل مصيبة بالإنسان، نقول: “تحمل هذا صليبك”، وعندما يمرض الإنسان نقول: “هذا صليب”، وعندما يموت له ابن أو شخص من عائلته، نقول: “هذا صليب”، تحول الصليب بالنسبة لنا لمصيبة، موت ومشكلة، مأزق وكارثة، تحل على الفرد أو على العائلة، وإذا كان الصليب مصيبة فكيف نخلص به؟
الأمر الآخر يكمن في مقولة: «تحمّل، هذا صليب أرسله الله لك»، بينما يسوع يقول: «من أراد أن يتبعني فليحمل صليبه». الله لا يرسل صلباناً ليعلّق عليها الناس أو يجعلهم يتألمون؛ فحمل الصليب مرتبط بإرادتنا وقرارنا الحر، وليس قدراً مفروضاً علينا من السماء. لقد حوّل الفكر الشعبي اللهَ في أذهاننا إلى مُعذِّب يرسل الأمراض والموت والكوارث تحت مسمّى الصليب، بينما رسالة الإنجيل هي رسالة حياة، والله مرسل النور لا العذاب. الألم الناتج عن المرض والموت هو جزء من طبيعة هذا العالم الفاسد وضعف الجسد البشري وهشاشته، وليس صليباً إلهياً أبداً.
إذا ما هو الصليب؟
الصليب هو القضية أو الرسالة أو المهمة التي يختار الإنسان أن يحملها بملء حريته، عندما نقول يسوع جاء ليصلب نظن أن هدفه أن يتألم ويموت، فيصبح الصليب غاية، وحين قال يسوع إنه ينبغي أن يُسلَم ابن الإنسان، لم يكن الصليب هو الهدف، بل كان الثمن الحتمة لرسالته: حرية الإنسان وكرامته، تحريره من القيود والظلم، الصليب كان ثمن أمانته لرسالته في وجه عالم يرفض الله، من هنا يصير معنى حمل الصليب: الأمانة للرسالة ولو كلفت دماً.
عندما يقول يسوع عن نفسه جاء ابن الانسان ليصلب، تصبح مفهومة تماماً عندما نستحضر تعبيرنا الشرقي: “هذا الإنسان يحمل دمه على كفه” هل معنى هذا القول: أن هذا الإنسان هدفه الموت؟ لا، بل يعني إنه مستعد ليتم رسالته ولو كلفته حياته، ومثل رجل يذهب ليواجه سلطة فاسدة نقول عنه: ذاهب إلى الموت، لكن بالحقيقة لا يود الموت، ولكن ثمن المواجهة التي ذهب إليها الموت أو السجن أو الألم، وهو مستعد أن يتمها مهما كلفت، الألم الذي عاناه يسوع كانت الأثر المرافق لهذه المواجهة، قضيته كانت حرية الإنسان، ولأجل هذه القضية دفع ثمنها حياته. =
“من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه(قضيته) ويتعبني”.
الكفر بالنفس الذي يقصد يسوع، ليس احتقاراً للنفس أو سحقا للكرامة، بل هي التحرر من الأنا الأنانية، فالنفس المطلوب الكفر بها، هي المصلحة، التملك، إشباع الرغبات، الاستغلال، السعي ليكون كل شيء لنا، وما يُطلب يسوع أن نحرر ذواتنا، حياتنا الحقيقة، ذاتي بدون رغبات، تلك النفس التي تود أن تحيا بكرامتها الكاملة.
الإنسان الذي يرسل ابنه للعمل ليربح المال على حساب ابنه، يربح المال ويخسر ذاته كأب، الإنسان الذي يستغل سلطته لقهر الضعفاء يخسر جوهره كإنسان، والأم التي تربح مصلحتها على حساب ابنتها، تخسر ذاتها كأم، ماذا ينفع الإنسان أن يربح مال العالم ويخسر ذاته كأب أو كرجل أو كإنسان، أو كأم، أو معلم أو طبيب؟
عندما اخترت أن تكون أب، أو أم، أو مسؤول، أو أستاذ، أو طبيب، أو اخترت أن تحمل قضية أكبر، الدفاع عن المظلومين، وتناضل من أجل كرامة الإنسان وحقوقه، وترفع الظلم عن المنسحقين، وتدافع عن حقوق المرأة والمساواة والعدالة في مجتمع قد يرفضها أو يحاربك لأجلها، فأنت هنا تحمل صليبك، تحمل قضيتك، الصليب هو تلك القضية الإنسانية التي تلتزم بها بوعي وحرية، وتتحمل ثمن الأمانة لها، تماماً كما فعل يسوع لأجل حرية الإنسان. وهكذا تصير عبارة يسوع واضحة ومشرقة، لنا، من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه(بمصلحته) ويحمل رسالته (صليبه) ويتبعني.
من هنا قضية الإنسان أن يؤدي رسالته، وبهذا الفهم يتحول الصليب من أداة للموت والعذاب إلى ينبوع للحياة. هذا معنى حمل الصليب.