تتربع سيرة يسوع على قمة السير الإنسانية بهاءً ودهشة. أما الإنجيل، الكتاب الذي أعاد صياغة العالم، فقد تعثرت ثورته حين جردناه من فاعليته وألبسناه ثوباً من الرومانسية المفرطة. صرنا نرتل وصاياه كـ «تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ» و«أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ» بنشوة عاطفية متفاخرين بجمالها، ولكن عجزنا عن تحويل هذه الكلمات إلى أفعال ومسلكيات يومية. فوقع الطلاق بين الوصية والسلوك، بين الإيمان والمؤمن، بين المسيح وأتباعه، لأن الوصية صارت تخاطب القلوب برومانسية الشعر التي لا تصلح سوى للقراءة، ولشعارات حالمة تجعل المسيحية دين الملائكة والعصافير، كما صورها المفكر الفرنسي ارنست رينان.
هذا الطلاق يعود لفهم وصية المحبة بطريقة رومانسية بلهاء، وبالتالي تحولها لشعارات غير قابلة للتطبيق على أرض الواقع، الممتلئ بالألم والعداوة والشر والخير والظلم والخصومات والفساد والانتقام والعدالة والثورات.
فعندما يرى الإنسان إن الوصية تخرجه خاسراً مجرداً من كل حقوقه في صراع الحياة، تصبح له ثقلاً لا يطاق وعائقاً يجب التخلص منه، فكيف للمرء أن يفهم وصية «أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ» (متى 5: 44)، عندما تواجه عدواً يود أن يبيد أهلك وجيرانك، وليس داعش بمثال بعيد، فتظهر الوصية وكأنها لا فقط عبئاً، بل كلام عبثي لا معنى له، لأنها تنتهك كرامته، قبل أن ينتهكها عدوه.
إن وصايا المحبة، لا تُحتَمل بمعناها الرومنسي، «مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا» (متى 5: 39)، فمن يحتمل أن يتلقى صفعة على وجهه ويصمت؟ و«مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَكَ وَيَأْخُذَ ثَوْبَكَ فَاتْرُكْ لَهُ رِدَاءَكَ أَيْضًا» (متى 5: 40)، تجرد وصية المسيح الإنسان من حقوقه أيضا. لذلك تعجز الناس عن تحقيقها وتطبيقها، وستتخلى عنها، لا وبل ترفضها وتبحث لها عن مسيح آخر يدافع عنها.
أما التبرير: إن تطبيق الوصية يحتاج لنعمة الإلهية ليستطيع تحقيقها، يخلق جدار صلب حولها، عندها يُختم على أن الوصية لعالم الملائكة والقديسين.
والمفاجئ إن يسوع ذاته الـمُشرع والـمُوصي، لم يكن سلوكه في العالم سلوكاً رومانسياً لا مع تلاميذه ولا مع خصومه من السلطة السياسية والدينية، ولا مع الشعب الذي كان يتبعه، فمسيح الإنجيل مختلف عن مسيح منصور الرحباني في مسرحيته(وقام في اليوم الثالث) ذلك البطل المسرحي التراجيدي الذي يحيا في عالم الأرواح، أما مسيح الإنجيل كان إنساناً واقعياً وحازماً، بل وصدامياً في بعض الأحيان، واجه السلطة الدينية عندما طرد الباعة من الهيكل، واستعمل كلمات قاسية «يَا أَوْلاَدَ الأَفَاعِي» (متى 23: 33)، وأنب بطرس عندما حاول ثنيه عن الكلام عن آلامه، ونعته «اذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ» (متى 16: 23)، ولم يدر خده الأيمن عندما لطمه حارس رئيس الكهنة (يوحنا 18: 22- 23)، وقال لأحدهم «دَعِ الْمَوْتَى يَدْفِنُونَ مَوْتَاهُمْ» (متى 8: 22)، مجرداً العلاقة من البعد الرومنسي.
عندما ناقشه اليهود أجابهم، وعندما أرادوا إيقاعه في فخاخهم، كان مستيقظاً، وهزت أجوبته أركانهم، ولم يكن ليأتمنهم على نفسه، بل كان حذراً منهم، وعندما ضربه الجندي دافع عن نفسه ولم يحول له الخد الأيمن، لأنه طبق وصيته كما أرادها، لا برومانسيتها كما فهمناها، فجوابه في تلك اللحظة تطبيق عملي لوصيته، لمعنى حول له الخد الأيمن، أي لم ينفعل ولم ينتقم ولم يغضب، دافع عن نفسه، بدون أن يقوم بردة فعل، بل حول ردات فعله إلى فعل، فلم يبدي لحظة ما رغبة بالانتقام، وهذا ما تجلى على الصليب، عندما وصلت للحظة الأخيرة بدون أن يوجه لصالبيه كلمة ولم يرفع صوته مريداً الانتقام، فلم يقل : الله ينتقم منكم، أو الله سيجازيكم، كلماته كانت ختم على حياته أنه ظل يسوع ولم يخسر محبته ولم يتحول لمثال صالبيه، لذلك تحول صليبه إلى خلاص، لا لحظة انفعال.
عندما نقرأ عبارة «أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ» (متى 5: 44) بعقلية رومانسية، فإننا نفترض بشكل عفوي أن المطلوب منا هو التالي: أن يُحمل في القلب مشاعر جياشة وعاطفة إيجابية يبادل بها شخص مؤذي ويضمر الشر. ويتم تجاهل الأذى وأعماله الشرير، ونتصرف كأن العالم حضن أم، ونتحمل كل من يسيء إلينا، بابتسامة بلهاء. وأن يتم معاملة من يحمل العداوة والخصومة، كما يتم معاملة صديق مقرب، أو شريك حياة.
إذا ما هي المحبة: المحبة الإنجيلية لا تختزل بالعاطفية وليست، بل قرار خلاق بأن أرى احتياجات الآخر وحقوقه كرامته، كحقوقي وكرامتي أنا، «تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ» (متى 22: 39)، معناها الاعتراف بالآخر كإنسان مساوٍ لي في القيمة والكرامة فقط لأنه إنسان، اعترف باحتياجاته وحقوقه كرامته كما اعترف بها لنفسي،ـ أن يفهم الإنسان أنه قريبه يطلب العدالة كما يطلبها لنفسه، ويريد حقوقه، ويطلب أن يعيش بكرامة، المحبة لا تعني أن أعتبر حقوق الآخر أهم من حقوقي، بل أن أعترف بأن له بها كما أطلبها لي، قد يتنافس شخصان على ذات الوظيفة، وليس المطلوب أن تنازل أحدهما للآخر، بل أن يدرك كل منهما أن له للآخر حق الحصول عليها، وأن يدرك المؤمن أن هذا العالم يسع للجميع، والمحبة في سياق الوطني، أن تطالب بالمواطنة وتطبيق القانون له كما تطالب بها لنفسك، بدون أن تشعر بمشاعر الحب والود له.
عندما يقول «أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ» (متى 5: 44)، لم يقصد تنازل عن كرامتك واستقبل عدوك بالأحضان وإن جاء لقتلك، وتغزل به، فالمسيح لم يطلب أن تعطيه مشاعر قلبية وتبادل عداوته بالعاطفة، بل كان يجيب على السؤال: كيف أتعامل مع العدو دون أن أصبح نسخة منه؟ محبة العدو لا تعني أن تقدم له الورود وهو يحمل سكيناً، ولا أن تصير صغيراً أمامه، أو أن تلغي الحدود التي تحميك من أذاه. إنها تعني أن ترفض تحويل عداوته لك إلى عداوة له، وأن تصير صورة عن شره، وأن تمتنع عن الانتقام، فهذه الوصية لا تطلب أن يغير الإنسان مشاعره، ويرى العدو كصديق، وإنما تطلب أن يغيّر الإنسان طريقة استجابته للعداوة، عندما قال يسوع ” اِذْهَبُوا! هَا أَنَا أُرْسِلُكُمْ مِثْلَ حُمْلاَنٍ بَيْنَ ذِئَابٍ” (لو3:10)، لم يقل كونوا طعاماً للذئاب، بل كان يقصد بصراعكم مع الذئاب، لا تصيروا ذئاباً.
المشكلة في تفسير الوصية الرومانسي الذي جعل تطبيقها مستحيل، لـأنها شوهت عبارة المسيح نفسه، ولكن ما يعيد الوصية لمعناها الصحيح، هو الرؤية والتدقيق بسلوك يسوع وتصرفاته، فكلمات يسوع التي يراها البعض مناسبة لعالم الملائكة، طبقها يسوع كلها في عالمنا هذا، طبقها في الوقت الذي اجتمعت عليه كل القوى السياسية والدينية والمجتمعية، وأرادوا قتله، لكن المسيح بمحبته لم يتحول لصورة من أعدائه، بل بقي المسيح لذلك كان مُخلصاً.
Leave a Reply