الجهل المقدس
يسود في الكنيسة اليوم تيار ديني شعبوي (يضم علمانيين وإكليريكين ورهبان)، تيار غيور على الإيمان، أقولها بصدق هناك غيرة على المسيح، فلسنا أكثر غيرة منهم ولا أكثر إيمان، ولكن كما يقول بولس الرسول “أَشْهَدُ لَهُمْ أَنَّ لَهُمْ غَيْرَةً للهِ، وَلكِنْ لَيْسَ حَسَبَ الْمَعْرِفَةِ.” (رو 10: 2)، هذا التيار، تيار منغلق على نفسه، لا يقرأ إلا لذاته وما يكتبه هو، وانتقائي بقرائته للقديسين والآباء فيقرأ ما يرتاح لقرائته وما يبقيه مرتاحاً لأوضاعه، ويفتقد هذا التيار الرحابة الإلهية.
يقرأ وينشر دائماً دفاع عن الإيمان هددته هرطقات في التاريخ وانتصرت الكنيسة عليها بواقع الحال ويعكسها على قضايانا جديدة، ويهمل ما قاله الآباء عن الدفاع عن الإنسان وكرامته ورفع الظلم عنه، الإنسان الذي ما زالت كرامته تمتهن في الشرق، فالدفاع عن الإيمان سهل، بينما الدفاع عن حقوق الإنسان في سوريا ولبنان والأردن ومصر ثمنه دم، صليب.
أدواته:
يستعمل هذا التيار أدوات الطائفية السياسية، فالآخر دائما عدو وهرطوقي، أما الخطاب الديني لديه خطاب حزبي أيضاً، بعيد تماماً عن خطاب الإنجيل وأخلاقيات يسوع، ومن صفات هذا التيار إنه إقصائي حيث يعتبر أن كل آخر مختلف: بربري وهرطوقي وكافر، وهو وحده يمتلك لا فقط الحقيقة بل وأشكالها، أما وكل محاولة من خارج هذا الفكر لتقرب من الآخر المختلف ومحاولة سكب فكر إنجيلي يسوعي، يواجه مباشرة بتهم (هرطوقي، زنديق، كافر، مُخرب، شاذ ..والخ)، لأن النهج الإقصاء سهل ومريح جداً ولا يكلف جهد وعناء، الإقصاء باسم الدين مريح للضمير ويُشعر الإنسان بنشوة الجهاد الديني.
لكن أسأل ماذا قدمنا لمجتمعنا من جديد بروح المسيح، إذا كنا نقصي الآخر ونخرجه خارج كل خلاص، بينما هذا الإقصاء موجود في الفكر المتشدد في الدينين الإسلامي واليهودي ونذوق نتائجه، ونختبره بقوة مع الإسلامي السياسي المتشدد واليمين اليهودي؟
وأحد إشكاليات هذا التيار إنه متناقض، فمثلاً يعتبر أن المعجزة التي تحدث عند الطوائف الأخرى لا تدل على صحة الإيمان ويقول حتى الشياطين تصنع معجزات ويحذر المؤمنين منها، بينما المعجزة التي تَحدُث في قبيلتنا تدل على الأكيد بصحة إيماننا وتفوقنا على باقي القبائل المسيحية، وبينما ينادي بأهمية التواضع وكل إنسان يخطأ وأعوزنا مجد الله، لا يرى أي خطأ في تاريخ قبيلتنا، فهي معصومة عن كل خطأ وذلل وسوء تقدير، وكل آخر يتحمل وحده مسؤولية فساد التاريخ والانشقاقات، أما نحن فلم نكون سوى هؤلاء المظلومين والمضطهدين الذين دافعنا عن الأيام، والمؤلم أنه يطالب الآخر بالتوبة والعودة لكن لا إلى المسيح بل إليه إلى قبيلتنا، يجب أن يعود الكل ويتماهى مع هذا التيار ليصير مُخلصاً.
منهجه:
ويستعمل بمنهجه الدفاعي منهج الإعلام السياسي لا نهج الآباء القديسين، فدفاع الآباء عن الإيمان كان من خلال توضيحه وشرحه وتبسيطه، بينما هذا التيار يواجه كل المواضيع برمي الاتهامات تارة وتسخيف الآخر تارة الآخر وتشويهه، وأحد أبشع الأدوات التي يستعملها هي خلط المواضيع، ونظرية المؤامرة التي ابتدعتها الأنظمة السياسية
فمثلا: الإعلام السياسي يواجه الثورة والمطالبة بالإصلاح بخلط العناوين، فمثلاً يضع الكلمات التالية معاً: ثورة وإصلاح وإرهاب وتخريب، أو توضع الحرية والجنس والعري معاً، وهكذا يجعل المواضيع تلتبس على الناس، وبالتالي يصير من يطالب بالحرية كأنه يطالب بالدعارة والجنس، والثائر على الفساد هو المخرب والإرهابي، وأيضاً الخطاب الديني لا يناقش الزواج المدني بمنطق إنجيلي، لكن ليحاربه يضعه بقائمة مع الزنى والمسكونية والإباحية، ويضع مثلا الانفتاح والمسكونية والمسيح الدجال بقائمة واحدة، ولأنه لا يستطيع أن يناقش كهنوت المرأة بمفرده ولا يملك حجج لاهوتية للدفاع عن أفكاره، يضعه في قائمة مع الشذوذ الجنسي والتحول الجنسي والنظام العالمي الجديد، وهكذا من يقبل بشموسية المرأة مثلا كأنه يبيح الشذوذ الجنسي.
تيار عالق بالماضي
هو تيار منشغل بالماضي، فالقضايا التي يناقشها، كلها مرتبطة بأحداث تاريخية قد مضت ويقيم صراعات عليها اليوم، فقد ابتلينا بما ابتلى به المسلمون سنة وشيعة، فما زالوا يصارعون على قضية تاريخية مضت عليها قرون، بينما الذين تسببوا بالخلافات جميعهم ماتوا ويحاسبون وفق عدالة الله ويجب أن نتعلم من الماضي لنصلح المستقبل ونجمع شمل بني الله، فيكاد يشعر من يسمع بعض العظات ويقرأ المقالات الكثيرة التي تُطرح، إن أريوس مازال حي، وإن حرب الأيقونات مازالت مشتعلة وإن الصليبيين على الأبواب، فيشعرك أن الكاثوليكي جارك أو ربما صهرك أو عمك هو صليبي يجب أن تحاربه.
ومتغنياً بالوقت ذاته بأمجاد بيزنطية والملوك العظام الذين لم يكونوا أقل سوءاً واستبداداً من الأباطرة الوثنين، فالصراع الذي يقودوه هذا التيار هو صراع فقط لإثبات من يمتلك الحقيقة، ومن وحده الطائفة الناجية والقبيلة المميزة لدى الإله، لقد أصابنا مرض اليهودية القديم.
نشوة البقاء في الماضي:
إن البقاء في الماضي أمر مريح أيضاً للفكر الديني السائد اليوم، فهو يشعر بنشوة الدفاع عن الإيمان، وبذات الوقت هذا النقاش لا يشكل خطراً عليه، الفكر الديني الشعبوي يلتهي بالماضي عن قضايا عصره، فلا يناقش مثلاً قضايا حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية والمواطنة والعدل والحرية ويغمض عينيه عن اغتصاب الأطفال والقتل والتعذيب والخطف والسرقة في بلادنا، ويتماهى مع النقاشات التي تشعلها السلطة السياسية لإلهاء شعوبها، ويصمت عم تصمت عنه.
ولا تقرأ من إنتاجه سوى النقاشات حول أمور فكرية لاهوتية تخص السماويات والأخرويات، الخطاب الديني السائد خطاب لا لحم له ولا دم وعديم الحس كما يقول يوحنا السلمي هو” فيلسوف جاهل وأديب يناقض نفسه”، فلا يناقش الأرضيات والحاليات، وأكبر مثال حياد الخطاب الديني المسيحي عامة والأرثوذكسي عما ما يحدث في غزة، وكأن ما يحدث في غزة (أزمة) كما قال أحد القيادات الكنيسة، يقول الدكتور طارق متري بتعليقه على اجتماع القيادات المسيحية في فلسطين مع رئيس اسرائيل”هل فاتكم الذي يتوسطتكم قال إنه ليس من مدنيين في غزة؟ وأن مسيحيي غزة يعيشون ويموتون مع شعبهم؟”
أو ما يحدث مع السوريين في لبنان، هل رأينا صفحة مسيحية واحدة تندد على الأقل بما يحدث؟ بل يُهاجم السوريون على المنابر الكنسية الكثيرة، لأن السوريين في لبنان لا ظهر لهم ولا سند، وبينما تشن نفس الصفحات حرباً على المثليين، تصمت عن العصابة التي تغتصب الأطفال، وبينما ترفع الأصابع في العظات مدعية بالشهادة للحق وتشن حرب على من يطالب بالزواج المدني، نرى هذا الإصبع ذاته ينخفض عن الدفاع عن الحق في أماكن أخرى، لأن في أماكن أخرى المواجهة ليست مع أناس يطالبون بحقوقهم ولا مهمشين من السهل التهجم عليهم، بل مع ظالمين ذو قوة ونفوذ وسلطة ولديهم سجون وعسكر.
منشأه:
إن هذا الفكر والتيار السائد ليس سوى نتيجة لتقوقع طائفي، لا يرى ذاته إلاً مُهدَدَاً، وأن المؤامرات تحاك ضدالإيمان، والكنيسة بخطر بينما في الواقع الموضوع مختلف كلياً ويجب أن نرى بزاوية أخرى، لقد ابتلينا بأمراض جعلتنا نتفتت من الداخل وجعلتنا نعرض الكنيسة وجماعة المؤمنين لخطر التففت والتششت، لا بل وصرنا غير فاعلين مطلقاً في حاضرنا وغير مسؤولين عنه، بينما المسيحية الأولى استطاعت أن تنقل العالم الروماني من الوثنية إلى المسيحية، نحن الآن نتلاشى، ومن يستند على قول أبواب الجحيم لا تقوى عليها، عليه أن يتذكر إن الكنيسة في المغرب وتونس وليبيا، تلاشى فيها ذكر المسيح.
هل نتعظ؟