نقد التقليد الكنسي والموروث المقدس

المقدمة

          النقد هو عملية تحليل النصوص وإعادة قراءتها، وتمييز فيها الجوهر والشكل، وفهم ظروف كتابتها، والتأثيرات الإجتماعية والسياسية والإقتصادية التي أثرت بصياغتها وإنتاجها، هذا النقد ينطبق على كل نتاج الإنسان الفكري واللاهوتي حتى، فإذا كان الكتاب المقدس (أحد العناصر الثلاث الغير قابلة لتبديل والتغيير والإضافة)، قد خضع لعملية نقدية قاسية لفهم كيف تشكل وتكوّن، ومعرفة مصادر كُتابه وفكر مؤلفيه والطريقة التي وصل بها إلى الشكل الحالي، فإذا لا شيء فوق النقد، كل شيء خاضع للعقل بمقتضى الروح، يقول ترتليانوس أن العادات في الكنيسة يجب أن تفحص تحت ضوء الحقيقة لأن المسيح سيدنا لم يظهر نفسه عادة أو عرف بل حقيقة، وتبنى القديس كبريانوس هذه العبارة وتبناها مجمع قرطاجة سنة 256.

          النقد هو أن نقرأ الماضي وإنتاجه بمنظار المشيئة الإلهية”حسب فكر يسوع”، وتماما هو ما قاله الكتاب “امْتَحِنُوا كُلَّ شَيْءٍ. تَمَسَّكُوا بِالْحَسَنِ.” (1 تس 5: 21 ) وغربلة كل إنتاج العصور السالفة عبر فهم السياق التاريخي الذي نشأت فيه، وكشف الجواهر وإعادة إحيائها، فيقول المطران بولس يازجي “عهد النعمة لم ينجُ من تأثير الميول البشرية في تفسير الكشف الإلهي الذي تسلمناه، نظرة سريعة إلى عالمنا المسيحي تؤكد أن العنصر البشري أساء أحياناً كثيرة عن جهل أو عن ضعف إلى هذا الكشف الذي يبقى أبدا اكتشافا إنسانياً بطريقة ما”[1].

يقول المطران كالستوس وير ” كل ما يأتي من الماضي ليس له قيمة متساوية وليس بالضرورة صحيحاً” وثمة فارق بين التقليد الشريف والتقاليد بمعنى العادات: فالكثير من مما في الارث المسلّم إلينا من الماضي هو محض إنسانية وطارئة، وتشكل في أحسن الأحوال آراء تَقَوِيّة ولكنها ليست جزءاً من التقليد الشريف الواحد الحامل العناصر الأساسية للرسالة المسيحية…. ومن الضروري مساءلة الماضي. ففي الفترة البيزنطية وبعدها، لم يكن الأرثوذكسيون لينظروا إلى الماضي نظرة نقدية كافية”[2]

          فالقدم والسائد والمعتاد ليس بالضرورة أن يكون حقاً، والكنيسة كانت دوما انتقائيا في كل ما هو قديم، وهذا الانتقائية هل تتم بلا عملية نقدية؟

          فقانون الإيمان مثلا لم يصغ عبر مناظرات فكرية هادئة بل غالبا من خلال مصادمات عنيفة كانت تتعدى مسائل العقيدة: مصادمات شخصية وثقافية وإقليمية ونفي ومشاجرات دموية وتدخلات عسكرية وبوليسية، هذه خلفية صياغة دستور الإيمان[3]، ويقول بهذا السياق المطران بولس يازجي “يجب أن نعترف أن صيغ الإيمان (العقائد) وحدوده لم تأتِ منزلة ولم تخرج غالبيتها من الكتاب المقدس وإنما هي نتاج الفكر البشري في محاولته الدؤوبة للتعبير عن سر التدبير الإلهي كما جاء في الكتاب المقدس، وأن هذه المحاولة مرت وتمر في تاريخ لعبت فيه الحضارات والسياسة والظروف البشرية كلها دوراً مهماً، لذلك إن مسيرة البلورة هذه كانت وما تزال شائكة، فالعقائد حتى الأرثوذكسية منها جاءت وليدة نمو أو تطور فالصيغ تحاول أن تقارب الإيمان”[4].

الخوف من النقد:

          ومن يخاف من نقد التقاليد لم يدرك بعد إن الآباء أنفسهم أجروا عملية نقدية أنتجت تغيرات جزئية أو جذرية في بعض الأحيان للتقاليد(الأشكال أو الصيغ) الـمُسلمة ، فمثلاً الإصلاح الذي قام به يوحنا ذهبي الفم لقداس باسيليوس الكبير واختصاره، وإدخاله الملعقة للمناولة، أو إلغاء  المجامع لمائدة المحبة التي أقامها الرسل، وتعديل موعد الفصح، بعد أن كان الفصح مع اليهود كعادة الرسل فصله الآباء ووضعوا له قاعدة جديدة، وأحد الأمثلة البارزة للنقد رفض الكنيسة للمجامع اللصوصية رغم شكلها القانوني، والاعتراف بمسكونية مجامع أخرى لا لأهليتها بل لطابعها المواهبي، يقول الأب فلورفسكي “حكم الكنيسة كان انتقائياً ” وقوله يعني تماما كان نقدياً، فوضعت كل شيء تحت المجهر لتختار الصادق وترفض الآخر

          ومن المهم الإشارة أن كل العملية النقدية تتم عبر الاحتكام إلى فكر الكنيسة وليس إلى فكر الآباء، بمعنى آخر ليس إلى أفكار وإنتاجات بل طريقة التفّكّر وطريقة إعمال عقولهم، وبالتالي إعمال العقل حسب فكر المسيح، لأنه أيضا نتاج الأباء كثيرا ما خضع إلى عملية نقدية في الكنيسة ليختار منه ما هو بمقتضى الروح وما هو صادر عن ضعف بشري أو شطط، مثل فكرة القديس غريغوريوس بخلاص الجميع التي رفضتها الكنيسة.

ضرورة النقد:

ضرورة النقد للموروث المقدس لتخلص من إشكاليات عدة:

  1.  الجمود، فالإشكالية هي معالجة كل قضايانا بمقتضى الماضي، فقد وقعنا بالسلفية، حيث نسقط على الحاضر كلام وأشكال الماضي، ونحاول أن نعالج إشكالياتنا بأدوية عالج أمراض القرون الأولية
  2. المحافظة، التخلص من سلطة الشكل، أي لا يكون الحاضر تحت سلطة أشكال الماضي، وبالتالي نخضع لروح الفريسية الجديدة واليهودية الجديدة ونقتل الروح الذي يهب حيث يشاء
  3. الانعزال عن الواقع، فالخطاب المسيحي اليوم خطاب منعزل كلياً عن الواقع هو خطاب للمتاحف والتاريخ
  4. النمطية والتكرار (لاهوت عقيم).
  5. الإشكالية الأخيرة التخلص من العقلية العثمانية التي شكلت الفكر المسيحي الحالي.

 أما تعريف التقليد:

علينا أن نميز يبن التقليد والتقاليد، بين الشكل والجوهر، بين الإناء والكنز، بين المعنى والعبارة، بين الحقيقة والتعبير، وبين الإيمان وصيغ الإيمان، فأحد أكبر الأشكاليات، هي الخلط بين الاثنين فإذا كان لدى البروتستانت إشكالية فيميزون مثلا بين الكتاب المقدس والتقليد فنحن إشكاليتنا تأخذ وجه آخر لا نعرف التمييز بين التقليد وأشكاله، فالجواب الحالي عن ما هو التقليد: التقليد هو كل ما ورثناه من أيقونات وفن وصلوات وفكر وعظات وطقوس وقوانين وأناشيد وتراتيل أي كل النتاج الفكري والأدبي المسيحي والتشريعي، بينما هذا تعريف التقاليد أو الموروثات.

يقول الأب جورج عطية يظن الناس بعامة أن التقليد هو مجموعة ممارسات وعادات أو آراء ورثوها من الشيوخ أو الرؤساء القدماء المؤسسين أو الباريزن في طائفاتهم أو أمتهم الخ…، ولهذا فمن اللائق والواجب المحافظة عليه عليه والدفاع عنه والتباهي به إكراما لهم، حتى لو اكتشفوا أنه خاطئ وتجاوزه الزمن، الدفاع الحقيقي الخفي هو رغبتهم في تعزيز الجماعة التي ينتمون إليها وتثبيت مكانتها وهيبتها[5]، يقول المطران كاليستوس وير التالي:

          لأشرح بمثال أولاً: الأب يورث حقلاً لابنه ويوصيه بالاعتناء بالعمل بالحقل، التقليد هو العمل في الحقل، والتقاليد هي أدوات الحراثة على ثورين أشكال العمل ووسائله وطرقه، بينما التقليد هو العمل والانتاج، التقليد أن يتم العمل بروح الأب، مشابهة الأب بالغيرة على الحقل وتنميته، أما تحول الابن إلى حارس لتقليد الأب فيحرس الحقل والأدوات، يعني أن الإثمار تعطل وهذا ما فعلناه كأرثوذكس بأفضل الأحوال، حرسنا الأشكال فتعطل الروح.

          التقليد “مُحاوِلُةُ تَقْليدَ الآخَرينَ : أي السَّيْرَ على مِنْوالِهِمْ”، وأول من عاش التقليد هو يسوع الذي قال “«طَعَامِي أَنْ أَعْمَلَ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي وَأُتَمِّمَ عَمَلَهُ.” (يوحنا 4: 34)، لكن لا يعني أن تحرث الأرض كما كان يحرثها أباك على ثورين ونير، يقول الأب جورج فلورفسكي” التقليد في الكنيسة ليس مجرد نقل عقائد متوارثة على الطريقة اليهودية بل الحياة المستمرة في الحقيقة، ولم يكن قالباً بلا حراك أو مركباً من القضايا الملزمة بل كان تبصراً في معنى الأحداث وتأثيرها في كشف الإله الفاعل”[6].

          وحسب القديس إيريناوس التقليد هو وديعة حية أعطيت للكنيسة لتكون نسمة حياة جديدة[7]، هو الحياة بالمسيح وهو ما تسلمته الكنيسة في العنصرة أي الروح القدس، أما التقاليد هي التعبيرات البشرية عن هذه الحياة بالروح، وكل الإنتاج البشري من أول كلمة خطها الرسل إلى اليوم، من قوانين وقواعد وطقوس وأصوات وتبيبكونات وأفخلوجي وفن كنسي من أيقونات وتراتيل وأشعار وعظات وترتيبات الأعياد وقواعد تعييد الفصح ، وكلها نتاج الإنسان ومتأثرة بتاريخ الفكر البشري والحضارة التي عاش فيها والسياق التاريخي الذي نشأت فيه، ومتأثرة بالعصر التي أنتجت فيه، ومن الحق الإنسان ألا يحيا في أشكال تقاليد الجماعة في الماضي ولا قوالبها، ومن حقنا أن يعمل فينا الروح كما عمل في الآباء.

          ونفهم ان الموروث هي(تقليد الجماعة) بتنوعه هو نتاج عمل الانسان ومتأثر بعوامل التاريخ البشري والحضاري في محاولة التعبير عن إتمام عمل يسوع ولم يأتي منزل بل تطور ونما في ظل ظروف مختلفة، وقد تنوع باختلاف البيئات، وتبدله وتغيره أمر طبيعي، لذلك نقول أحيانا تقليد أنطاكي أو يوناني أو روسي، ومن جهة ثانية نفهم إن المحاولات البشرية نجحت تارة وفشلت بالتعبير عن الحقيقة الإلهية، ودونت أعمالاً ليس من الفكر الكنيسة الأرثوذكسية ولا من فكر المسيح.

           وأدخل إليها كثير من الشوائب بتأثير اليهودية والإسلام ومابقي عالق فيها من الأديان الوثنية، لذلك حافظنا لا فقط على الفكر المستقيم بل وما علق فيه من شوائب، وكثيرا ما يصير الدفاع عن هذه التقاليد(تقاليد الجماعة) بما فيها من شوائب دفاع عن الفكر المضاد للأرثوذكسية ذاتها، لذلك تحتاج أن يمر الموروث كله بأتون النقد لتحترق الشوائب ويظل الكنز الذهبي.

ومن المستغرب اليوم كيف يقوم الارثوذكسيون بإتقان علم نقد الكتاب المقدس ونزع القدسية عنه لدراسته، بينما عاجزون عن نزع القدسية عن الإرث المسلم لنقده وتوضيحه وإخراج ما فيه من زؤان دخيل وكثير، والأمثلة كثيرة عن الزوؤان كثير التعليم حول نجاسة المرآة، المفهوم اليهودي للزمن، مفهوم المسيح الدجل، فكرة القسطنطينة المدينة المقدسة، الشعب المختار، خلاص الأرثوذكس وحدهم، وصلوات الحسد والعين الشريرة التي دخلت بتأثيرات غريبة كما يقول اللاهوتي اسكندر شميمن، وفكرة الكنيسة المنظورة وغير المنظورة التي دخلت الفكر الأرثوذكسية من جان كلفين البروتستانتي، والنسر البيزنطي نموذج الهرطقة والخ.

          ومن ناحية ثانية الا يتوجب علينا فهم صيغ العقائد فهما جديداً حيا، فماذا تعني بتولية العذراء او طبيعتي المسيح او مشيئتي المسيح لإنسان اليوم، لا بل ماذا تعني هذه العقائد اليوم؟

          لماذا نحن الأرثوذكس نخاف من عملية نقدية للموروث المقدس، هل الموروث المقدس هو مُنزَل معصوم عن الخطأ هل يرى الأرثوذكس الموروث تقاليد الجماعة أعلى من الكتاب المقدس؟ أم الموروث يحمل قدسية لا يمكن المس فيها؟ هل نتاج الاباء وكتّاب الكنيسة منزه عن الذلل بينما الكتاب المقدس كان يحتاج للنقد؟

هل  يشبه موقفنا كأرثوذكس اليوم إلى حد بعيد موقف الكتبة والفريسين في زمن الـمُعلم الذين انتقدوا تلاميذه لأنهم لا يسلكون حسب تقاليد الشيوخ فيما يتعلق بغسل الأيدي، ولاموه أيضا هو لأنه يكسر وصية السبت، فوبخهم الرب يسوع لأنهم يتعدون وصية الله بسبب تقليدهم من أجل مصالحم شخصية؟  

المراجع

[1] الأشمندريت بولس يازجي، التعليم المسيحي في بعده المسكوني، مؤتمر التعليم المسيحي الثاني للشرق الأوسط(21/-26آب200) صـ 3

 [2] تيموثي وير، الكنيسة الأرثوذكسية إيمان وعقيدة، سلسلة تعرف على كنيستك، منشورات النور، 1982، صـ12

[3] الأب جان كمبي، دليل إلى قراءة تاريخ الكنيسة،دار المشرق، بيروت طبعة ثالثة 2014، صـ118

[4] الاشمندريت بولس يازجي، ذات المرجع، صـ4

[5] الأب جورج عطية، الأيمان الأرثوذكسي ك حياة وتسليم ولاهوت،مكتبة البشارة بانياس،طبعة أولى 2001، صـ 59

 [6] الأب جورج فلورفسكي، الكتاب المقدس والكنيسة والتقليد(وجهة نظر أرثوذكسية، نقله إلى العربية الأب ميشال نجم، منشورات النور 1984 صـ101

 [7] الأب جورج فلورفسكي، صـ100