اقترب الأربعين لرقاد جدّي، وقد سبقته جدتي منذ ثماني أشهر تقريبا، سبقته لتهيأ له موضعاً ومائدة في المنزل الذي صعد يسوع ليعده لنا عند أبيه في السماوات”فِي بَيْتِ أَبِي مَنَازِلُ كَثِيرَةٌ..أَنَا أَمْضِي لأُعِدَّ لَكُمْ مَكَانًا” (يو 14: 2) وكما كانت تهيأ له مائدة الطعام قبيل عودته في كل مساء، ذهبت لتهيأ له مائدة قبيل رقاده.
لم يكن هذان الشيخان، مُفكران ولا مثقفان ولا من عائلات الترف، بل أبناء عائلات قروية بسيطة، لكن مايميزهما، أنهما، بذلا.
كان جدّي أميّا، وقد امتلك بعد عودته من لبنان في تسعينات القرن الماضي دكّان، قد افتتحه في ضيعتنا المشلوحة على جبل السّايح، كان هذا الدّكّان مصدر رزق وفير للعائلة، وفي بداية ثورة سوريا 2011 وبعد تدهور الوضع الاقتصادي، بدأت الأسعار ترتفع كل يوم كما اعتدنا عليها، وعلى البائع أن يرفع اسعاره بالتناسب مع أسعار البضائع، لكنه لسبب ما رفض هذا، وكان لسان حاله يقول “بيع متل ما بشتري، وما بخدع الناس” حاولنا جميعا أن نقنعه بضرورة رفع أسعاره لئلا يخسر رأس المال على الأقل، لكنه رفض، وبدأ بالفعل بخسارة بضاعته تدريجاً، مُصرّاً على مبدئه، وفي النهاية أغلق دكانه خاسراً كل شيء، لأنه سار بمبدئه حتى النهاية.
هذا الحدث على بساطته جوهري، يخبرنا أنه يدفع ثمن مبادئه، ولو كلفه كل ما يملك، حتى مستقبله، ليس المهم ما هي النهاية، هل إفلاس؟ أو موت؟ أو انكسار؟ أو إحباط من المجتمع ذاته الذي ضحى من أجله بقوله (لا أخدع الناس) وأصر على مبدئه.
لكن ما يهم أنه رجل مبدأ، لم يفعل هذا بجهل الأميّة، فالجاهل يا صاحبي لا يصير تاجراً، ويا صاحبي هذا بعين العالم فشل ولكن بعين الله هذا هو كل شيء، هذه الجوهرة الثمينة.
ألم يكن المسيح المعلم الأعظم كذلك، بذل نفسه من أجل المبدأ والقضية التي جاء من أجلها إلى العالم، ألم يمت من أجل ما أمن به، آمن بحقيقة واحدة هي الإنسان، وقضيته وخلاصه، ألم يمت المسيح في النهاية وقتله المجتمع ذاته، المسيح فشل حسب معيار العالم، فلم تؤمن به كفرناحوم رغم كل المعجزات التي صنعها بها، ولم تؤمن به قريته الناصرة، وقتلته السلطة الدينية ذاتها التي تؤمن بالله لفظاً، وطالب بصلبه من جاء ليخلصهم، المسيح صلبه مبدئه وقضيته قبل أن يصلبه الإنسان ذاته، وكان مصلوبا بالقوة قبل أن يكون مصلوبنا بالفعل، لكن الآب سُرَّ به، المعلم يسوع يا صاحبي صلبه مبدأه وقضيته.
بينما نجاح المسيح الأول لا بكونه أتم الرسالة، بل لأنه حملها، وهذا يكفي لكل منّا وإن لم ينجح برسالته فبعين الله يكفي أن تحملها إلى النهاية، يوحنا المعمدان حمل الرسالة فصاراً “صوت صارخ” لم يكن المهم من ينصت للصوت “في البرية”، المهم يا صاحبي أن تقبل الصرّاخ في البرّيّة حيث لا أنسٌ ولا جان، وهذا يا صاحبي الجنون مع الله.
لقد خسر جدي كل شيء، بِناء بناه ومستقب آمن، من أجل مبدأ أمن به.
أما جدتي وأذكر فصلاً جوهريّاً، في بداية كهنوتي وبسبب واقع رعايانا المتباعدة في الوادي وعدم وجود مواصلات عامة يحتاج الكاهن لسيارة تحمُلُهُ، ولم أملك ثمنها أنذاك، فقالت جدتي ” ما بخليك تروح وتجي تنقيل عرعاياك” ثم ذهبت واحضرت كل ما لها من مالِها، وما ادخرته في حسابها طيلة عقود، وأعطتني إياه بالكامل لاشتري سيارتي، وبقي في حسابها ملاليم لئلا يُغلق الحساب.
بذلت ما “لها”، لأكون حراً بما “لي”، لقد أعطت ما يسميه المسنون “تحويشة الإخرة” أي ما يجمعونه لسنيِّ حياتهم الأخيرة خوفاً من مرض أو ألم، أي خوفا من الاحتياج، لقد تخلت عملياً عن ضمانتها وإطمئنانها، تخلت عن اطمئنانها لاطمئن أنا، تخلت عن حاجتها لتلبي حاجتي، لقد قبلت أن تحتاج لمن يعيلها في آخرتها لئلا أُعال في حاضري، لقد تخلت عن مستقبلها لتضمن حاضري، لقد تخلت لأنها أحبت، وهذا يا صاحبي، البذل حتى الفناء.
هذا ما قصده يسوع احمل صليبك واتبعني، الصليب قضية ومبدأ.
لقد رقدا ككل بشري كُتب عليه الموت، لقد انتهى حاضرهما وواقعهما، ولكنهما حضرا في واقع الله وسكنا في مستقبله الأبدي، وواثق أن المستقبل الذي تخليا عنه كليهما، وأمانهما وضمانتهما لأجل حاضر الآخرين، وهبهما الله بدلاً عنه مستقبلاً وضماناً أبدياً، لقد تخليّا عن كل ما لهما فربحاه “هو”، أحدهما تخلى لمبدأ أمن به وآخر لحب اعتنقه، فيصير الله لكليهما المبدأ والضمان الأبدي، هكذا أُناس يا صاحبي، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. فهم أحياء عند ربهم وهم يرزقون.
أن الإنسان يا صاحبي، يموت عندما يتخلى عن مبادئه فيتخلى الله عنه ويصير ممن عليه يحزنون، فلنتعظ معاً يا صاحبي، ليصير ذكرنا نحن مؤبداً.