لعازر عبود
تعترض الوحدة المسيحية إشكاليتين: الأولى الاحتكار: احتكار (أل)كنيسة من ناحية، وثانيا الوحدة المنشودة، تُعرف الكنيسة على أنها جسد المسيح، وجسد المسيح لا يقبل أن ينقسم أو يتجزأ، ولكن عند حصول انشقاقات في التاريخ، وصار هناك كنائس متعددة، ولدت إشكالية في الفكر وانعكس على السلوك، وخلق السؤال: كيف الكنيسة جسد المسيح غير قابل للتقسيم ولكن تعرضت لانشقاقات وصار هناك كنائس بدل الكنيسة واحدة؟
فيحل البعض هذه الإشكالية بإشكالية أخرى أكثر ألماً، حيث اعتبرت كل كنيسة ذاتها هي الكنيسة الأصل والأم والباقي خرج عنها، ولم يعد جزء من الكنيسة بأحسن الأحوال هو كنيسة، أي طائفة تجمع من الناس وتراكم أفراد ليس لها أي مدى إلهي، فمثلا نحن الأرثوذكس نعرّف أنفسنا الكنيسة الأرثوذكسية والباقي كنائس طوائف تجمعات، احتكرت كل كنيسة من الكنائس أل التعريف لنفسها وبالتالي احتكرت الروح القدس لذاتها، فالروح لا يعمل إلا بها ومن خلالها، حيث هناك كنائس إلى اليوم تعيد تعميد المرأة المسيحية التي تريد أن تتزوج من أحد أبنائها.
ولكن إذا أردنا إيضاح دقيق، لحل هذه المعضلة، لنعود إلى الليتورجيا، التي تصيغ العقيدة وتعبر عن اللاهوت، فخلال القداس الإلهي عند تجزئة الحمّل(جسد المسيح)، يقول الشماس: جزّء يا سيّد الخبز المقدس، فيجيب الكاهن :”يُجزأ ويُقسَّم حمل الله الذي يُجزأ ولا يَنقسم ويؤكل دائماً ولا ينفذ أبداً، بل يقدس المشتركين فيه”
الكنيسة “جُزأت وقُسمّت” عبر التاريخ، ولكن “لم تنقسم”، تجزأت إلى كراسي عدة ومازال هناك استقلال ونمو كنائس أرثوذكسية جديدة مثلاً، وانقسمت إلى كنائس متعددة (سريانية، وبيزنطية، ولاتين، ومارونية، وقبطية، وآشورية)، أما البروتستانت فنقاربهم بطريقة مختلفة تحتاج لبحث مختلف، وهذا ما أدركه اللاهوت الأرثوذكسي العميق بدقة وعُبّر عنه مثلا أثناء انعقاد المجمع الأرثوذكسي الكبير، فلم يُسمى المجمع (بالمجمع بالمسكوني الثامن مثلاً) رغم أنه يجمع كل الكنائس الأرثوذكسية، لأنه لا يمكن أن ينعقد مجمع مسكوني بغياب كرسي رسولي وهو كرسي روما، وذلك بسبب قطع الشركة بين الكنائس الأرثوذكسية وروما، وهذا تماما تعبير دقيق يوضح أننا لسنا الكنيسة بمفردنا والكنيسة غير مكتملة الكراسي بدون روما، يقول البطريرك اغناطيوس هزيم: “لسنا وحدنا على الأرض، ولسنا وحدنا الكنيسة الجامعة المقدسة الرسولية”.2
والأمر الثاني أن كل الكنائس لديها تسلسل رسولي لم ينقطع، روما أسسها بطرس الرسول، يصف رئيس دير في جبل آثوس روما بقوله “الكنيسة الأرثوذكسية في روما القديمة”(3) والسريانية والمارونية كنائس أنطاكية يصل تسلسلها الرسولي إلى بطرس وبولس، يقول إكليمنضس الإسكندري “طريق الحقيقة واحد، ولكن فيه جداول مثل نهر دافق، تجري في كل الاتجاهات” وما حصل بين الكنائس كلها قطع شركة، تماما كما حدث بين أنطاكيا وأورشليم، أو بين روسيا والقسطنطينية، فنمت كل كنيسة بتقليدها ولاهوتها وقديسيها بمعزل عن الأخرى، فهل يمكن لو استمر قطع الشركة بين كنيسة انطاكيا وكنيسة أورشليم أن نقول أن أورشليم هرطوقية ونحولها من كنيسة وكرسي رسولي إلى طائفة؟
إننا أخوة شئنا أم أبينا، ننتمي إلى آب واحد ومخلص واحد ولدينا دستور إيمان واحد وندعى باسم واحد، ولكن للأسف حوّلنا أنفسنا إلى الأخوة الأعداء، يريد كل منّا أن يحتكر الروح القدس لنفسه ولطائفته، لقد خسرنا الرحابة الإلهية بأن نستوعب الآخر ونعيه بملئه وجزئه، لم نستطع أن نحب الآخر، وكل منا حوّل الآخر إلى هرطوقي كافر، ففسد “ملح الأرض”، ماذا فعلنا بشهادة المسيح وبإنجيليه؟ قسمناه بسبب كبريائنا وطردناه بسبب أحقادنا، لقد خنا نحن المسيحيين إلهنا، ولم نسمح لصلاته ليكونوا واحداً لتفعل فينا، وانتصر روح الانقسام والشقاق على روح المسيح فينا، أردنا أن نحتكر الحقيقة كما احتكرها اليهود لأنفسهم، وكل واحد يصرخ لنفسه أنا الحقيقة وأنا الأصل، ونسينا أن يسوع الأصل والذي يؤصل كل غصن ونسينا أنه قادر أن يقيم من هذه الحجارة مسيحيين وأرثوذكس، يقول المطران جورج خضر “إني موقن أن المسيحيين وحدهم مشكلة العالم، وأن الجواب عن هذه المشكلة إنما هو بين دفتي عهد جديد نقرأه برصانة”(4).
المصادر
1.الأسقف يوحنا يازجي، كتاب خدمة الكهنة، دير راهبات السيدة-بلمانا، طبعة قانية، 2005، صــ240 وصــ295
2. البطريرك اغناطيوس هزيم، نفحات أنطاكية، صـ11.
3.كيرياكوس مركيذس، جبل الصمت، بحث عن الروحانية الأرثوذكسية، نقله إلى العربية دينا فام أنطونيوس، دير رقاد والدة الإله حمطورة.2013،صـ464.
4. جورج خضر، حديث الأحد، الدين الأديان، الجزء الثاني، ص.55