المصارحة التي يجب أن تكون

 لعازر عبود

          إن هذه السنوات التي تمر بكل الصراعات في الشرق سنوات مصيرية بالنسبة لنا جميعا كمسيحيين، ويجب أن نفهم أن الخطر المحيق بنا خطر وجودي ولكن لا نعي، وما زلنا نحن المسيحيين نتغنى بأننا أساس الشرق وثابتون مثل شجر الزيتون وأرز لبنان وأننا أهله والباقي ضيوف علينا، لكن الشعر لا يرسم التاريخ ولا ينمي حتى العشب، أما على هجرتنا فلن يحزن ولن يبكي وتباكى أحد، يجب أن ننزل عن “جُمَّيْزَةٍ” (لو 19: 4) ونلاقي الآخر كل آخر، ونتلاقى على كلمة سواء، على كلمة يسوع.

إذا كان الودعاء وحدهم يرثون الأرض فالوداعة تقتضي ثلاثة قرارات:

           أولاً: يجب أن نصارح أنفسنا مصارحة دقيقة علمية وموضوعية، أي أن ندخل “بسر الاعتراف” كجماعة وكنيسة، ونعرف واقعتنا وتاريخنا وإمكانياتنا ودورنا، ونتجرأ بأن نقوم بعملية مصارحة حقيقية وقراءة لتاريخنا قراءة صحيحة نقدية ولا نخجل فيه، فالمسيح لم يخجل من خطايا أجداده وسقطاتهم(متى1)، ونعترف إننا أخطئنا وظَلمنا وتعسفنا، وحتى إننا قد اضْطَهَدنا وقد أهملنا ما لأخينا، يجب أن نقول لأنفسنا لقد أخطئنا عبر التاريخ، ونحن كأرثوذكس أيضا أخطئنا، فلا توجد جماعة في التاريخ لم تُؤذي وتتأذى، لم يكن تاريخنا دائماً تاريخ الشهداء والقديسين المعترفين، بل يحوي تاريخنا ظلماً اقترفناه بمعرفة أو بغير معرفة وخطايا، ويجب أن نعترف أن العالم لا يدور حول جماعتنا أيا كانت، إن التاريخ يصحح مساره الإنسان، إن تجلى.

          ثانيا يجب أن ندخل بعملية مصارحة حقيقة وعلمية مع الآخر المسيحي، فلا يمكن أن ينظر الواحد منا نحو الآخر كأنه مسيحي درجة ثانية فلا ذنبي كوني أرثوذكسي ولم أختر ولادتي بروتستانتي أو ماروني، ولسنا نحن من اختار الانشقاق، ولدنا وارثين لهذا الواقع، ألا يجب أن نعمل على تغيره؟

          يجب أن نعلن صراحة مكان الخلل والسوء، ونقول للإنجيلي مثلاً يكفي اقتناص وتبشير في وقت الألم والتعب، ونقول للماروني أنت شرقي ومصيرك كمصير أهل الشرق وما يصيبنا يُصيبك، ونقول للأرثوذكسي يكفي تقوقع وخوف من الآخر وأقدميتك لا تحمي وجودك، يجب أن ندخل بعملية مصارحة تزيل كل شوائب التاريخ بيننا، وكل ما علق فينا من ظلم الطوائف لبعضها، وحيث تَقوَّت كل طائفة على أُخرى بقوة سياسيّة ما وظلمت الأُخرى.

          يجب أن نفهم أن اختلاف نظرة كل منا للعقائد والإيمان لا تفرق بيننا على صعيد الألم والوجع والقهر والظلم الذي نمر به وهو واحد علينا جميعاً، نحن لن نستطيع الآن أن نتوحد على مستوى الكأس الواحدة (الذبيحة)، ولكن متحدون بالكأس الواحدة(المصير)، وعلى الأقل يجب أن ننظر أن عائلاتنا قد توحدت بالحب والزواج، وبالتالي بالمصير والمستقبل، يجب أن نأخذ العائلات نموذج صغير لنترجمه مشروعاً كبيراً، وبما أن المصير (الكأس) هو واحد، يجب أن نترجم المبدأ الإنجيلي “كَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكًا.” (أع 2: 44)

          ثالثاً: يجب أن ندخل بعملية مصارحة مع المسلمين من كل الطوائف ويكون كلامنا حسب المسيح “لِيَكُنْ كَلاَمُكُمْ: نَعَمْ نَعَمْ، لاَ لاَ.” (مت 5: 37)، فالكلام عن فسيفساء الشرق والتنوع هذا كلام على جاذبيته لا معنى له في تقرير شكل علاقتنا معاً، ولا بناء دولنا ولا شكل مستقبلنا، ومن ناحية ثانية كأن بلادنا وحدها تحتضن التنوع، عدد طوائف في بلادنا بعدد أصابع اليدين، والصراع لا يهدأ والخوف يأكلنا، هل أميركا وألمانيا وكندا وأستراليا والهند تحوي طائفة واحدة وعقيدة واحدة ولغة واحدة؟ إن بلادنا ككل البلاد لا بل على العكس الأقل تنوعاً والأكثر تصارعاً.

          يجب أن ندخل بمصارحة حقيقية مع الشيعة والسنة والدروز والعلويين وكل المسلمين، أن نقول لهم بجرأة: لماذا نحن خائفين، ومن ماذا، وماذا نريد وما هي تصوراتنا لبناء هذه البلاد، وماهي الأمور التي نخشى تكرارها، ونقول علناً نحن نخشى تكرار حوادث حلب ودمشق وجبل لبنان والاضطهادات، ونرفض ما يحدث في العراق تجاه المسيحيين، ونحاور الأحزاب والجماعات الإسلامية بدون خوف أو وجل، ونقول ما نخشى، إننا نخشى إقامة دولة إسلامية دولة الخلافة و ولاية الفقيه أو نكون أهل ذمة تحت رعاية أحد، ونصارح الآخر، إن علاقاتكم الخارجية والأجندات الخارجية مصدر قلق وخوف.

في النهاية يجب أن نبادر نحن إلى الدعوة إلى مؤتمرات ولقاءات، وندعو لإجراء مصالحة شاملة وتوقيع مواثيق وطنية معاً، ولا ننتظر أحد ليقول لنا ما يجب أن نفعل ونقول، أو ليعطينا دوراً، إن المسيح عندما ترك الكنيسة تركها لتكون هو، تحمل خطايا العالم على منكبيها، وتعمل على إصلاحه وإنقاذه وخلاصه، وكما حمل المسيح خطيئة الإنسان، هكذا نحمل خطايا ماضي هذا الشرق وندعو إلى مصالحة شاملة تشمل الكل ولا تستثني أحد، هذا قدرنا رمانا المعلم في العالم وصعد، لنحمل مسؤوليته وكأن كل أخطائه خطئنا، ونتذكر أن المسيح لم يدعونا لا لنحكم الأرض ولا لنتخلى عن قضاياها وهمومها، بل لنخلصها على الصعيد الوطني والروحي، فالودعاء وحدهم يخلصون الأرض ويرثونها.

          إن مشكلتنا بأننا نرى جماعتنا نقية صالحة دائمة، لم تخطأ ولم ترتكب جرماً، ودائما نعيش بمظلومية متباكية، ومن المستغرب بالنسبة لي كيف نحن الذي ننادي بسر الاعتراف والتوبة، لا نعترف بأخطاء جماعتنا ولا نتوب عن ما تقترفه أيدينا، يجب أن نتواضع، فلا نحن شعب الله المختار، ولسنا خير أمة خلقت على الأرض، نحن شعب المسيح، شعب عندما دعانا المسيح دعانا شعبا للخدمة أي نصير (خَدم)، يجب أن نلاقي الآخر وهذه مسؤوليتنا ولا أقول مسؤولة أيا يكن، لأن المسيح دعى اتباعه أن يخلصوا مجتمعاتهم،