لعازر عبود
الإشكالية الثانية التي تعترض طريق الوحدة بين الكنائس، هي الوحدة المنشودة، أي، ما نوع الوحدة التي نريدها ونسعى إليها؟ هل الشكل القديم للوحدة؟ أن تتوحد الكنائس كما قبل القرن الخامس، ولكن شكل هذه الوحدة مستحيل، وأن نعود إلى ما قبل الانشقاق الكبير أو ما قبل المجمع الخلقيدوني، ضرب من خيال حالياً، و يجب أن نكون واقعيين، فالأرثوذكسي لن يصير كاثوليكياً، ولن يتحول الكاثوليكي إلى الأرثوذكسية، ولن يصير البرتستاتني أرثوذكسياً، فالسعي لهذا النوع من الوحدة أصاب الجميع بيأس، وتحول أسبوع الصلاة لفلكلور لا معنى له، وبقي مجرد ذكرى محاولة سنوية لا أكثر، وإن تمخض فيتمخض (بحفل موسيقي مسكوني كبير فكرة لا يمكن أحد أن يستوعبها كما قالت مذيعة في برنامج حواري عنه، من يستطيع في العالم أن يقيم حفل موسيقي؟).
فلا يمكن للأرثوذكسي مثلاً أن يتخيل هذا النوع من الوحدة، ونحن الأرثوذكس أساساً نعاني من صراعات أرثوذكسية وانشقاقات، فلدينا قطع الشركة بين القسطنطينية وروسيا، وأنطاكيا قطعت الشركة مع أورشليم(أعادتها لاحقاً) لأجل أبرشية قطر أي قطع شركة لأجل أمر إداري، فما بالنا بين كنائس لديها خلاقات عقائدية وتقليدية، ومثال آخر، لم تستطع الكنائس الأرثوذكسية أن تجتمع في المجمع الأرثوذكسي الكبير في (2016م) حيث آخر مجمع مسكوني أرثوذكسي في سنة (869م) أي قبل الانشقاق الكبير أي قبل اثنا عشر قرن، فطوال(1154 عام) لم يجتمع الأرثوذكس بمجمع مسكوني، وعندما انعقد المجمع الأرثوذكسي الكبير بعد تحضير دام (100عام/قرن) تقريباً تخلفت أنطاكيا وروسيا، فإذا كنا كأرثوذكس ذو الإيمان والعقيدة والتقليد الواحد لم نجتمع ونتوحد، فكيف يا ترى حال الوحدة بين الكنائس ذو الاختلافات العقائدية والايمانية؟
وليست الكنائس الكاثوليكية الشرقية بأفضل حال وهي المنضوية تحت كنف روما وتحت رئاسة واحدة، وذكرت الانشقاقات في كنيستي الأرثوذكسية لئلا ينطبق القول على المقال “انظر الخشبة التي في عينك أولاً”
ولكن إذا كانت الكنائس والقيادة الكنسية صادقة في مسعاها نحو الوحدة الكاملة، يجب أولاً أن نذهب نحو الوحدة القابلة للتحقيق، أي أن نتوجه نحو الممكن والمرجو الآن وهنا، أي وحدة المصير والهم المشترك، المسيحيون غير متفقين على العقائد هذا صحيح، ولكن أليس لدينا قيم يسوعية شاملة ومبادئ إيمانية وأخلاقيات وسعي لعالم أفضل، تجمعنا تحت كنف واحد؟ نحن معلمنا واحد ودستورنا واحد هو الأنجيل، ودعوتنا المسيحية واحدة، الآخر والخدمة والتضحية والبذل.
هل محاربة الفقر والظلم والاستبداد وتهجير المسيحيين وحماية مستقبل المسيحيين وتحقيق عدالة اجتماعية والعمل نحو العدالة والدفاع عن حقوق الإنسان والأطفال ورفع الصوت بوجه الظلم والقتل، يحتاج لاتفاقات عقائدية ولاهوتية ووحدة أفخارستيا؟
ليس المسيحي بمعزل عن المسيحي الآخر، فالجوع والفقر والتعتير واليأس والطغيان والظلم وعدم الانصاف وقلة العدالة والاضطهاد والظلم السياسي والاجتماعي واحد، يصيب الكل معاً، مصيرنا واحد، وبينما تصلي الكنائس من أجل الوحدة القديمة سيخرج الرعاة من ترف مؤتمراتهم ولن يجدوا مسيحيين في الشرق يصلون معاً.
المطلوب اليوم من الكنائس والقيادات المسيحية كلها بأن تكون مسؤولة وعلى قدر كبير من الوعي التاريخي، النضوج يقتضي أن نعمل معاً، وللأسف هذا ما لم نراها إلى اليوم، فالكنائس في وادي وشعبنا المسيحي في وادي آخر، القيادات الكنيسة في رفاهية الاجتماعات والمؤتمرات واحتفالات الموسيقا المسكونية، والشعب في واقع الألم ومآسي الشرق، الكنائس التي لا تسير مع التاريخ وتعالجه هي مؤسسات جوفاء عبئ في التاريخ.
نحن بحاجة لنتوحد معاً ولجهاد معاً لنعمل لخلاصنا وخلاص أوطاننا وشعوبنا، لا أقول هنا لنقدس معاً، فالكأس الواحد يأتي في نهاية أعمالنا لا بدايتها، بل لنتوحد معاً لأجل مصير مشرقي واحد، وهنا حان دور المسيحيين لا القيادات، أن تصرخ وترفع صوتاً حقيقياً تطالب القيادات والرعاة بوحدة العمل المشترك والهم المشترك.
السؤال الأخير: هل العمل معاً من أجل واقع أفضل ومحاربة الفقر واللصوصية والظلم والفساد ومنع تهجير المسيحيين، ورفع صوت مسيحي واحد لبناء مجتمع أفضل والدفاع عن حقوق الإنسان وأن يكون للمسيحين دور في تحديد مسار التاريخ ونكون أسياد مصيرنا لا تابعين لهذا وذاك وبناء دولة، تحتاج لاتفاق عقائدي ومؤتمرات لاهوتية؟ِِ