في هذا الأحد الأخير الذي يسبق الأسبوع العظيم نقف أمان نموذج فريد للعشق الإلهي تمثله مريم المصرية، مريم لم تكن مجرد تائبة، بل كانت عاشقة غيرة وجهة عشقها، اليوم هو أحد العشق، العاشق هنا الإنسان، تمثله مريم المصرية، كعاشق للعريس الذي هو يسوع.
مريم المصرية كانت فتاة حسناء من مصر، وفي قصتها نعرف إنها كانت زانية كانت مريم تملك قلبا يفيض بالرغبة، لكن كانت تبحث عن الارتواء من آبار مشققة، لم تكن تبحث عن المال، بل لذة الحياة بالجسد، وهذا المفتاح الذي سيفك لغز تحولها لاحقاً، فالتي كانت تملك هذه الحرارة في طلب اللذة، هي نفسها ستحمل ذات الحرارة لطلب وجه يسوع، قررت أن تذهب إلى أورشليم لتزور الأماكن المقدسة، وخلال سفرها لم يكن لديها المال، فكانت تدفع بجسدها ثمن السفر، وعندما وصلت إلى أورشليم وأرادت الدخول، لم تستطع كان هناك من يمنعها من الدخول والسجود، أدركت بتلك اللحظة أن هناك عالم مختلف يتطلب نقاء داخلي لتستطيع دخوله، عند باب الكنيسةاصدمت إراة المريم الجاهلة بالجمال الإلهي المخلص، وهناك أدركت أن الله لا يمنعها من الدخول بل يدعوها للتغير، أدركت أن خطيئتها ليست اكسر لقانون بل انحراف للقلب، أدركت أنها أكلت الثمرة التي منع الله أدم من آكلها، آكلت من اللذة لتحيا، فما ارتوت بل سقطت.
عندما تذكرت ذاتها، بكت وطلبت من العذراء أن تسمح لها بالدخول والسجود ثم وعدتها أن تذهب إلى الصحراء، وفعلا سجدت، وبسجودها نتذكر إن السجود عهد، كما سجدنا للصليب الكريم منذ أسبوعين، أخذت عهداً أن تعود إلى المسيح، فذهب إلى الصحراء، وبقيت هناك أربعين سنة، لا تقول اغفرلي فقط خطيئتي، بل لتقول هوذا قلبي يارب لك، تذكر السيرة إن خلال هذه السنوات كانت تحارب الذكريات القديمة، وأصوات الأغاني التي سمعتها، هذه الفترة كانت فترة جهاد، فالعشق هنا ليس نشوة فرح، بل العشق هو جهاد مستمر للتغير، مريم لم تطفئ نارها بل غيرت اتجاه اللهيب، استبدلت عشق الجسد بعشق يسوع، وعطشها للذة الزائلة بعطشها لكأس الحياة، عشق الثمرة المحرمة التي آكلت منها حواء، بعشق ثمرة الكرمة الشهي، مريم تعلمنا اليوم لا يجب علينا أن نحارب أهوائنا لنقتلها بل لنعيد توجيهها، فالطاقة التي نستعملها في طريق الخطيئة، هي ذاتها ستقودنا للقداسة
لا أقصد بالعشق هنا، تلك الرومانسية الدينية ذلك الحب الذي ينتشر في الفكر اللاهوتي البروتستاتني، وحبيبي يا يسوع، ب المراهقين، حب المراهقين المبني على عواطف المتقلبة، وعلى أهواء، بينما حب الناضجين هو حب القرار، حب مسؤول يبذل من خلاله العاشق دماً، يجاهد يتغيير رغم كثرة الخطايا في الماضي، ورغم كل خطايانا، تعلمنا مريم إن الإنسان قادر أن يخرج من مستنقع الخطيئة ليصير قديساً عظيماً، فمريم لم تصر قديسة لأنها كانت كاملة بل صادقة بعشقها، فالله لا يقيس الإنسان بسنوات الصيام ولا بعدد الصلوات، بل بحرارة القلب، وأهم ما يحدث في التوبة، لا تأتوا إلى يسوع خوفاً، بل تعالوا إليه لأنكم تحبون وجهه.
مريم اليوم تفتح لنا باب التوبة والعشق، كما فُتح باب العشق الإلهي عندما دخلت كنيسة أورشليم، والتوبة ليست خوفا من قاضي بل اشتياق لوجه لأنها فيض الحب، مريم تفتح الباب، وعلينا أن نختار ونقرر أين نود أن نضع قلوبنا، فيسوع ينادي يا بني أعطني قلبك، يا بني هبني عشقك.