المقام الثالث: مقام الدينونة، مقام الموقف:

هذا الأحد هو استحضار للمجيء الثاني الرهيب، وهنا لا نتكلم عن المجيء الأخيرπαρουσία(باروسيّا)، بل الثاني الشخصيἔρχομαι(ارخومي)، المجيء الشخصي حيث يأتي للمسيح لكل واحد منا، ولا نعرف متى الموعد ولا المكان وليس بالضرورة بعد الرقاد، فيقول مثلا في سفر الرؤيا “فَاذْكُرْ مِنْ أَيْنَ سَقَطْتَ وَتُبْ، وَاعْمَلِ الأَعْمَالَ الأُولَى، وَإِّلاَّ فَإِنِّي آتِيكَ عَنْ قَرِيبٍ وَأُزَحْزِحُ مَنَارَتَكَ مِنْ مَكَانِهَا، إِنْ لَمْ تَتُبْ.” (رؤيا 2: 5)، وليس هنا مجال للتوضح الإشكالية في الفكر الديني حول المجيء الثاني الذي أسأنا فهمه بالكليّة.

يستحضر الإنسان، في المقام الثالث، الدينونة استحضارا حقيقياً وليس من باب التذكر الفكري لما سيحدث ولا الرهبة، فبعدما اتخذنا القرار في المقام السابق بأن نستعيد كرامتنا الشخصية كأبناء لله ويكون الآب هو مرجعنا، يجب أن نخطو خطوة نحو تحقيق قرارنا، وأول عمل نقوم به بأن ندين أنفسنا، يقول القديس مكاريوس الكبير: «أحكم يا أخي على نفسك، قبل أن يحكموا عليك»، ومن يستطيع أن يدخل إلى أعماقه بالحقيقة ويبدأ بهذه الرحلة الداخلية، يستطيع بعدها أن يجتاز كل العالم ويسوده.

يقول الآباء على الإنسان أن يدين نفسه لئلا يدينه الله، أي أن يسبق الدينونة فيعترف بخطاياه ويتحمل كلٌّ منا مسؤليته عنها، من الملفت في الأحد الماضي مع الابن الضال لم يسمح الأب للابن أن يُكمل جملته التي أراد قولها “اِجْعَلْنِي كَأَحَدِ أَجْرَاكَ.” (لو 15: 19).، بل سار الحوار كالتالي “يَا أَبِي، أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَقُدَّامَكَ، وَلَسْتُ مُسْتَحِقًّا بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْنًا. فَقَالَ الأَبُ لِعَبِيدِهِ: أَخْرِجُوا…” (لو 15: 21)، الله لا يريد شيء منا إنما فقط الموقف بأن نتحمل مسؤولية خطايانا فقط، حتى أنه لا يريد تعويضاً عن ما اقترفناه ولا دية مقابل ذنوبنا، يريد هذا الموقف الباطني العميق.

من عرف ذاته في المقام الأول ثم أخذ قراره في المقام الثاني، اليوم يأخذ موقفاً وجودياً فيها يتحمل مسؤولية خطاياه، فلا يكفي فقط أن نأخذ قرارا بل يجب أن ننسى أيضا كل حمولة الماضي من خطايا اقترفناه عبر إدانتنا لنفوسنا، أي أن نعترف ونرمي ماضينا للنسيان، والإدانة تعني أن يتحمل الإنسان مسؤولية خطاياه من ناحية، ويعترف قائلا هذه الخطايا كانت بسببي أنا وليس بسبب القريب، وبالتالي هذا الموقف الذي سيهيئنا للمقام القادم بأتصالح مع نفسي وأتقبل أخطائها وخطاياها، ومن جهة ثاني أن أدين نفسي يعني أن أخضعها لي.

وعندئذ يصبح الحضور الثاني للمسيح حضور ليمجدنا، فنسمع صوته”تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ.” (متى 25: 34)، هذا الحضور الثاني هو حضور الآن وهنا، وهو حضور شخصي، لا أعرف متى يأتي يسوع إليَّ، ولكن يمكن أن نميز علامة حضور يسوع عندما نكتسب السلام والفرح بطريقة لا يمكن التعبير عنها، وهذه الخبرات يكتسبها الإنسان برحلته مع يسوع.

الموقف الثاني الذي يتخذه الإنسان ليعبر عن صدق موقفه، بتغير نظرته نحو القريب كل إنسان هو يسوع نفسه، وأن أتوجه بالمحبة الفاعلة نحو القريب، وأبدأ من هذه اللحظة بأن أتحمل المسؤولية لا كخاطئ أخطأ، بل كابن لـ الله، أن يخرج الواحد منا من نفسه، ويبدأ ينظر خارجها إلى القريب ويتحمل مسؤولية تجاه الآخر ونصير تماما مثل يسوع، الذي حَمل مسؤولية خطايانا وكأنه هو الذي ارتكبها، هذا الموقف اليوم يأخذنا لنتمسحن بعد صرنا بنين لله، فالمحبة التي تبدأ بالتفجّر في أعماقنا تجاه الله تتجسد تجاه القريب كما قال يسوع “”بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي فَعَلْتُمْ.” (متى 25: 40).

وهذه المحبة ليست تبويس شوارب ومصافحة ولا سلامات، بل عمل حقيقي في المجتمع، كل منا حسب طاقته، كما يقول الأب شميمن “كل إنسان منا مسؤول عن دائرة صغيرة في ملكوت الله” وهذا المحبة ليس لشخص مجهول أو فقير عابر، بل لكل شخص يضعه الله في طريقي، فالرحلة التي سنبدأها مع يسوع هي رحلة في وجوه الناس في علاقاتنا معهم، كما يقول الرسول “إِنْ قَالَ أَحَدٌ: «إِنِّي أُحِبُّ اللهَ» وَأَبْغَضَ أَخَاهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ. لأَنَّ مَنْ لاَ يُحِبُّ أَخَاهُ الَّذِي أَبْصَرَهُ، كَيْفَ يَقْدِرُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ الَّذِي لَمْ يُبْصِرْهُ؟” (1 يو 4: 20).

وعلينا منذ اليوم ألا ننشغل كثيرا بالتساءل هل تغيرنا؟ هل صرنا أفضل؟ هل أصبحنا مرضيين ليسوع؟ يجب أن يسعى الإنسان مع يسوع، فالسعي نحو الحب مع يسوع يغيرنا في الطريق إليه ويجعلنا أكثر نضجاً وملامسة لقامته، ويسكتشف الإنسان كل تعبيرات العشق الإلهي في هذه الرحلة مع يسوع، التي ستتجلى مع الآخر، وأول عمل سيكون الغفران في الأحد القادم.