المقام الثاني: مقام الابن الشاطر

مفاتيحه:القرار، الكرامة، التذكر:

في المقام الثاني يتذكر الإنسان كرامته الشخصية وقيمة نفسه، لا يتذكر الإنسان منا حنو الله ومحبته بما أننا لم ندخل بعد بخبرة مع الله ولم نعرف بعد الله بل نعرف ما وضعه فينا أي الكرامة، فالمحرك الرئيسي فينا هو تذكرنا لقيمتنا والغنى الذي بددناه هو قيّمنا وكرامتنا وشرفنا وصورتنا، فالذي عبر منا المقام الأول(العشار) وعرف ذاته، يرتقي للمقام الثاني بأن يأخذ قراراً جديد في حياته يتناسب مع كرامته كابن، ويرجع مع الابن الصغير “فَرَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ(مخدعه الداخلي)”(لوقا 15: 17)، هذه العودة إلى الذات، هي لحظة هدوء، وتفكير بالماضي بكل الأحداث التي عبرنا بها، والمواقف التي أخطأنا فيها تجاه أنفسنا والأخرين أو الحالات التي كنا نتمتع فيها بالكرامة، فنسأل أنفسنا أين كنا وأين صرنا، ماذا فعلنا مع كل قريب وما هي نتيجة أفعالنا، ونجري لماضينا عملية نقدية حقيقة قاسية وصادقة، لجانبيّ شخصيتنا المشرقة والمظلمة، الخاطئة والصالحة وعندها يبلغ الإنسان أعلى أشكال الوعي، لكن بدون أن نضع اللوم على أحد وبدون أن نجلد ذواتنا، ثم نقيّم واقعنا الحالي كالابن الصغير “أَنَا أَهْلِكُ جُوعًا!” (لو 15: 17)، من المهم أن يكون هذا التقيم على قياس قامة يسوع، لا حسب معايير أخرى كما فعل الفريسي في المقام السابق.

ثم يتخذ الإنسان قراره الذي سيغير حياته، هذا القرار بقرارة أنفسنا، مثلاً: كما أن الطالب يقرر في قراره نفسه أن عليه أنجح فيَهُمْ لدراسة، هكذا هذا القرار القلبي هو موقف داخلي، ثم يضع الإنسان لنفسه خطة جديدة تؤسس لحياته، يعود فيها إلى مرجع صالح حنون هو الآب أي الآب السماوي، “أَقُومُ وَأَذْهَبُ إِلَى أَبِي وَأَقُولُ لَهُ”(لو 15: 18)، بعدما يضع الإنسان خطته، يجسد موقفه وقراره كما الابن الصغير”فَقَامَ وَجَاءَ إِلَى أَبِيهِ” (لو 15: 20)، ماذا يعني أن نرجع للآب أن نرجع لقيمه ومبادئه وعمله وفكره، وأن نعود لكرامتنا البشرية الأولى.

هذا التغيير في حياتنا يحتاج لاتخاذ قرار وهذه اللحظة هي أصعب اللحظات على الإطلاق بحياة الإنسان، فيأتيه ألف فكر (محدا رح يصدق توبتك محدا رح يرجع يوثق فيك، الحياة للقوي، الصادق بموت، الحياة صعبة مو للآدمي واللخ)، أفكار كثيرة تحتاج لتصميم قوي، وأحيانا سندفع ثمن التغيير الجديد.

“فقام وجاء إلى أبيه. وإذ كان لم يزل بعيدا رآه أبوه، فتحنن وركض ووقع على عنقه وقبله.” (لو 15: 20)، من الملفت أن الله واقف ينتظر قرار الإنسان، ففي اللحظة التي يأخذ فيها قراره بقرارة نفسه، يأتي الله هو إليه، لا يحتاج أن يتوجه لمكان ما بل يكفي أن يتخذ قراره في أعماقه سيكون الله صار حاضراً في القلب، لا يحتاج الإنسان أن يقول شيء سوى أخطأت يارب، لا يحتاج الرب سوى أن ندرك أنفسنا وندرك أخطائنا، هذا الاعتراف لا يحتاجه هو بل يحتاج موقفنا الدخلي، لذلك لم يدع الابن يكمل كلامه لأنه لا ينظر للكلمات بل إلى الأعماق.

أما محرك هذا المقام الأساسي واحد لا غير، الكرامة، أن يتذكر الإنسان كرامته بعين الله، يعني يتذكر قيمة نفسه، فيأخذ موقفاً صحيحا من نفسه ومن الله ذاته، فالإنسان الذي يتذكر كرامته لا يقبل أن يكون عبد راعي خنازير لأحد أي لا يقبل أن يكون خادم عند أحد أو شبيح لأحد أو زلمة فلان، بل يأخذ قرارا يتناسب مع كرامته كإنسان ابن الله.

لذلك هذا المقام هو القرار الذي يغير فيه الإنسان نظرته لنفسه ثم سيرى أن كل شيء يتغير، فالأب بالمثل غير نظرته للابن بناء على تغير الابن نظرته لنفسه ولكرامته وعانقه، وإن لم يتعلم أن يحب نفسه حبا صادقا ويدرك قيمتها، فستظل مباحة لكل عابر سبيل لن يغير الآخرين نظرتهم إلينا ما لم نغير نحن نظرتنا لأنفسنا، ومن المهم أن ننسى الماضي وكل فشلنا به ونبدأ من جديد، وعلامة الاستقرار في هذا المقام وقبول الله لنا، تغيير الإنسان نظرته لنفسه.

ملاحظة:

أما الخطايا فلا يظن الإنسان أنها فقط الزنى والقتل والفحشاء، بل كل سوء: ومثلا كتابة التقارير ونقل الأخبار للزعامات الدينية والسياسية، والتشبيح وشراء المسروقات ومنع الخير عن صاحبه والمحسوبيات والتملق(تمسيح جوخ) والاستزلام، والوصول إلى السلطة بالخديعة والتملق، والعبودية والجهل، وعدم انصاف المظلوم وعدم الشهادة للحق والصمت أمام الظلم لنأي بالنفس، موقف الحياة من الظلم وعدم الوقوف مع الحق والتحزبات، ومنع الخير عن أصحابه، وأن يكون الإنسان بوجهين والشماتة والسخرية والخ.