محاكمة الإله

        قبّله القُبلَة الأخيرة، وكأنه كان يودعُه، ثم يَلهث يرمي ثلاثين من فضة، كمن يرمي جمراً يحرقه، فلما ضاق صَدرُه عاد لنفسِه قد اختنق، وراح يلهث خلف حبل لعلّه إن لفه حول عُنقِه يُخلِصُهُ، ويطلقه لعالم يحجبه فلا يرى وجه يسوع الذي أسلمه، خانه فِكرُه فلم يتذكر يونان الذي هرب من الله إلى أعماق الحوت لعله يَسترُه، فلما وصل ظن أن الله ما عاد يَذكره، لاح له الله يُشعل له في أمعاء الحوت نوراً، وهذا الجاهل ارتحل لعالم ما فيه وجهٌ إلا وجه يسوع قد انصلب.

        والجند الذين انقضوا عليه كذئاب الغاب، ما ذبحوه كما ذبحوا الأطفال الرضع في بَيْتِ لَحْمٍ، وكأن الطفل الهارب إلى مصر من أنياب الثعلب القديم انهكه التعب، فرمى نفسه في شباك ليُصطاد، شباكٌ تضيق به، فلا شباكاً حتى من خيالٍ تسعُ الإله، لكنه اتسع لشباكِ الجند لما دنا زمانُه واقترب، وصرخ أنا هو هلم خذوني وأريحوني يا أترابي، فإني حبةُ القمح في أعماق الترابِ ثماري وروحي.

        اجتمع حوله في قاعة الحكم ثُلَّة من قضاة، من كُهان ورجال دين، وكأن الذين يحاكمونه من نسل الطغاة المذكورين في أوراق التوراة، أبائُهم من بني الألهة الذين تزوجوا بنات الناس، فأنجبوا الجبابرة، والطغاة إن لم تفهم يا صاحبي هؤلاء الذين عشقوا السلطة وتزوجوها فأنجبوا الجبارة، وصاروا معلقين في مهب الريح، لا هم من جنس الألهة ولا من أسباط البشر، احفظ هذا مني يا صاحبي فمن رَضَع من أثداء السلطة، صار وحشاً لا هو جن ولا إنس، وإلى اليوم في الشرق ما يزال حكامُنا من نسلهم.

        جاؤوا إليه يحكمونه يحاكمونه، كأنه العبد الأثيم، ولكن الإنسانَ يحاكم الإله، لا لذنب ارتكبَه، يحاكمونه لأنهم عجزوا أن يجبلوه على صورتهم وأن يجعلوه على مثالهم أو يخلقوه على شَبههم، أو ربما يحاكمونه لأنهم ما صاروا مثله آلهة من جنس البشر، لو حوّل المسيح الحجارة إلى الخبز يُطعمِهم، لشبعوا وأحنوا رقابهم له، أو لصَنع معجزة تُرضي غرورهم لهابوه عابدين إياه، أو لو سجد سجدته الأخيرة في محراب السلطة على قمة جبل التجارب، لصار ملكاً وصكوا صورة وجهه بدل وجه القيصر المختوم على الدينار وأعطوا ما لقيصر للمسيح، ونجا من الحكم، كما ينجو الحاكم من العدل في بلادنا وإن قتل ألف ألف طفل رضيع.

        التأمو يحاكمونه، يبحثون عن شهود زور يكذبون يفترون، علهم يشهدون أنه كافرٌ فما فَلِحوا، فصاح فيه رئيس الكهان، تلفظ تفوه قلها وأرحنا استحلفك بالله، فمنذ ولدت بيننا ما غَمَض لنا جفن ولا نمنا، منذ أن جاء أولئك المجوس من الشرق يبشرون بمجيئك وأورشليم قد اضطربت، ونحن نلهث نبحث عنك في أروقة الهيكل في الشوارع وفي الغابات، نطاردك في سطور التاريخ في أوراق الكتب نقلب الدفاتر العتيقة نفتش عن آثارك فكلما وجدناك أضعناك، اعتقدنا لوهلة أنك مت في المهد بسيف هيرودس، ولكنك نجوت، أعلن لنا أنك أنت ابن الله؟ استحلفك بالله أرحنا.

        فأجاب أَنَا هُوَ، فتَدَمَّرَ الرئيس غضباً وهاج، ومزق ثوب سطوته على كُفر الإله، ولكنه بالعمق سُرَّ، لقد وجدناه هذا الإله الذي منذ القديم يحكمنا وكلما بنينا بُرج بابل من جديد حطمه، هذا وريث الكرم إن مات ورثنا وصار لنا اسم يعلو السماء، وجلسنا نشرب الخمرَ على مائدة الإله، فأعلن يسوع إعلانَه الأخير في محفلهم اليوم تشاهدون ابن الإنسان جالسا على يمين القُدرة وآتيا في غمام السماء، أعلن يسوع تحقيق المقال الذي فيه أخبر تلاميذَه عن مجيئه الرهيب فقال “وَحِينَئِذٍ تَظْهَرُ عَلاَمَةُ ابْنِ الإِنْسَانِ فِي السَّمَاءِ. وَحِينَئِذٍ تَنُوحُ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ، وَيُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ”.

وحكم يسوع بعدما لطمه واحد من حرس العروش، فقال إن تكلمت ردياً فاشهد، وإن حسناً فلماذا تضربني، واستوى عندئذ يسوع في المحكمة القاضي فأدينت الأرض لما أدانوه، وحُكم على الجبابرة من الناس لما حكموه، وحضرت الدينونة قبل أن يتم الزمان على الصليب.

 فما رأوا هؤلاء العجّز ابن البشر متكأ ولا آتياً في الغمام كما رأى استفانوس السماء قد فتحت، فالقشور ما سقطت عن عيونهم كما سقطت قشور شاول على أبواب دمشق، لكنهم أجمعوا أن يروه متكأً على الصليب كميت مستحقاً الفناء كخشب يفنى في نار الحطب.

        ثم صمت في قاعتهم بعدما كشفَ التجلي الأخير بينهم أنه جاء، وتركهم، ينهشون في جسده بألفاظهم بكفرهم بتنكيلهم، فبصقوا على وجهه البهي ثم دقوه باللطمات كما يدق القمح الرطب للطحين، علهم يشبعون ظمآ البشرية التي صاحت سنبني بُرج بابل ونجلس على مائدة الألهة، ونجعل لذواتنا اسما فوق الأسماء، فما صنعوا ولا ارتوى الظمأ إلى الألوهة التي إليها تاقوا، فشِربوا على دم يسوع كأساً من غضب ورقصوا الرقصة الأخيرة كابنة هيروديا وما ارتووا، ولا شبع الكأس الوحشي الذي استحال فاه يأكلهم، ويلتهم كلَ من يَشربُ فيه خمر محاكمة الإله.