اسمه يسوع، على معنى الحضورِ الجديد، عندما دخل الزمانَ وأنار غموض التاريخ، “الله يّفدي”، فلما ما صعدَ الإنسان إليهْ تابَ يطلبُهُ، ونار الشوق في الأعماق تُلهبُه، هجر السماء وآتى إليه، لعلّه إن لقاه التقاه، وإن التقاه جذبه إليه.
ولد من رحمِ الأرضْ، بين أحضانِ امرأة، لفته بأقماط الدفن منذ ولادتهِ، وكأنها تَقلِبُ حركةَ التاريخ. فالنهايةُ عندَ الفجر والبَدءُ عند المغيبْ. تَجلى مائتاً، يموتُ أولا ً ثم يَصير شيخاً ثم يتجدد شبابه، ثم يولد عندما “يَتمُ الزمانُ على الصليب”، يَصرخُ كطفلٍ إلى إمِهِ لترضِعَهُ. لعّلُه إن ارتوى لبناً بشرياً من ثدييها يغفو. “الغفوة الأخيرة” قبل أن يستيقظ هارباً من سطوةِ هِيرُودُسَ الملعون قاتلِ الأطفال ومن رؤوساء كهنة، تاقو ليروه مائتاً، فإن مات توطنت على دمائِه عروش السلاطين.
ظهر في مغارةٍ في بيتِ الخُبز(بيتَ لحمِ)، وكأنما الأرضُ استعارت أحشاء البتول مريم، فاستحالت المغارة رحم الأرض، والأرض أماً، لذلك اسموه آدم الجديد على صورة ذاك العتيق الذي أُخذ من آديم التراب، ثم بعدما يموتُ سيعودُ من حيث أُخِذَ، إلى التراب إلى جوف الأرض يحررها، هكذا تجلى خاتماً التاريخ في المزود.
أما ولادَةُ يسوعَ” فتفجرت على الصليب” لما جاء يكتب الكون بدمائه، فعُجِّن جسده بالسّياط والتعذيب وخُـمِّر بالسِجن والبصاق، ثم استوى كما يستوي الخبز في الأتون، مُعلَقاً على جدرانه، كما عُلق على جدران الكون، عندما استحال الصليب من جدرانه، وفاض بروحه على الكون يجود بها، كم يفيض البَخور الملقى على الجمر، كأن البخورَ الذي أهداه المجوس إليه في طفولته، تجسيداً له تجسيماً لمعنى تجسده، فتستحيل الجلجلة مبخرة، والصليبُ جمرٌ يلتهبُ، وجسدُه الطّريّ بخوراً يُهديِهِ لنا، وروحُه تَفيضُ على أرجاء الكون تخلصه.
قضى عمره فوق أديم الأرض، لم يزد عن ثلاث وثلاثين من السنين، جرحنا بسهام عشقه، وتركنا جرحى، ثم غدونا نلهث خلفه كإمراة ثملت بعشق، فجرحها العاشق وراتحل، ثم راحت تبحث عنه في شقوق الأرض لتلقاه فينقذها عسى إن لقته شفى جرحها الدامي، لكنه صعد إلى حيث جاء، ثم سترته السماء عن عيوننا، وزادته السحاب عنا بُعدا، وفوق جلد السماء حِجاب من غمام، قال أنه سيعود، فما عاد، وإلى الآن نطلبه ونناديه: تعال يا يسوع، يجذبنا الحنين إليه، علّنا، إن ما تاب هو إلينا، تُبنا نحن ورفعنا الدنيا إليه.
لكنه جاء، ليأخذنا إلى الآب المنتظر لعودتنا، فنصعد نحن إليه ونلاقيه، وقبل أن نلاقيه نلتقيه. فنموت في جرن العماد كأنها جُلجلَتَه وتكفننا الكنيسة كأمه البتول التي بالأقماط لفته، فينعكس التاريخ بنا، فنشيخ كما شاخ، ثم يتجدد الشباب بنا، ثم نولد تَفجراً على الصليب ونتجلى، وتستحيلُ الجلجلة رحماً يلدنا بعد مخاض عشقٍ. وترمينا في أحضان المسيح.