تناقش الورقة إشكالية هوية مصر وتفككها بين التيارات المختلفة (القبطية، الفرعونية، الإسلامية، المتوسطية)، مقدمةً رؤية تحليلية تعتبر أن الهوية ليست جذوراً تاريخية جامدة، بل هي الحصيلة النهائية والتطور الأخير لصيرورة تاريخية متكاملة.
تتمحور أفكار البحث حول النقاط التالية:
-
مفهوم الهوية: تأكيد أن الهوية تُفهم بما هو كائن اليوم وليس بالأصل التاريخي (مثل أصول الإنسان الأول أو الجذر التاريخي الصافي لجماعة)، وهي نتاج تفاعل الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية عبر الزمن.
-
أمثلة مقارنة لنشوء الأمم: استعراض كيف دمجت أوروبا (مثل ألمانيا وإيطاليا) وتاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، تواريخ وتكوينات متباينة تحت مظلة وطنية واحدة واسعة وممتدة.
-
مصر والهوية العربية: طرح فكرة أن العروبة في مصر ليست استبدالاً للهوية بانتماء جزيري (من الجزيرة العربية)، بل هي البوتقة الجامعة والمجال الحيوي الذي انصهرت فيه كافة الروافد (الفرعونية، القبطية، الإسلامية، المسيحية والمتوسطية) دون إلغاء لأي منها.
-
الوحدة العقلية والثقافية: التدليل على الهوية المشتركة بتشابه أنماط التفكير وأساليب التعبير والكتابة لدى أبناء الوطن الواحد بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية.
الكلمات المفتاحية: هوية مصر، الهوية العربية القبطية، تشكل الأمم، عزمي بشارة، التقاليد التاريخية، الوعي الوطني.
المقدمة
ترنو هذه الدراسة القصيرة إلى فهم هوية مصر؛ فالإشكالية لدى شعوبنا في المنطقة العربية تكمن في فهم الذات والوعي بها، ويشكل عدم الفهم هذا، أزمة هوية حقيقية. فيرى البعض أن مصر عربية، ويرى البعض الآخر أنها قبطية، وآخرون فرعونية، كما يراها البعض متوسطية مثل طه حسين، أو إسلامية، أو “مصر مصرية” مثل سعد زغلول. ومن هنا تحاول هذه الدراسة العمل على توضيح هوية مصر بوصفها هوية عربية؛ لأن الهوية هي مجموع مكونات شخصية ما. تقول مي صلاح:
“وتتأثر الهوية بعدة خصائص لا يختارها الفرد بنفسه كالعرق والطبقة الاجتماعية والاقتصادية، والآراء السياسية، والمواقف الأخلاقية، وبالطبع المعتقدات الدينية”[1].
لذلك تسعى هذه الدراسة، من خلال بعض الأفكار والأمثلة، إلى إثبات أن هوية مصر عربية.
عندما يحاول البعض أن يُعرّف مصر على أنها قبطية أو فرعونية أو متوسطية أو إسلامية، فهو يحاول أن يعيدها إلى جماعة تاريخية ما أو إلى دين بعينه أو غير ذلك. لكن من خلال هذه العودة لا يمكن لنا أن نفهم هوية جماعة؛ لأن الهوية لا تُفهم من خلال الجذور أو الأصول، بل تُفهم عبر الوصول إلى الحالة الأخيرة التي هي عليها اليوم، والتي من خلالها نفهم شخصية مصر المتخيلة. إن تعريف البعض للهوية بأنها أصل الإنسان يجعل من كلمتي “أصل” و”هوية” وجهين لعملة واحدة، ولكن هذا الفهم في الحقيقة خاطئ؛ فالهوية لا تُفهم بما كُنتَ عليه بل بما أنت عليه اليوم. فإن قلنا إن أصل الإنسان قرد أو ما شابه ذلك، فهذا لا يعني أن هويته قرد؛ لأن الهوية تشرح شكل وماهية وجود جماعة ما بتبلورها الأخير الذي تشكل عبر تاريخ طويل ومخاضات عديدة، وتأثر بالمؤثرات التاريخية والاجتماعية والسياسية والفكرية، وبالصراعات وكل الحوادث والإنجازات. فذلك التعبير الكبير الذي يشرح ويكشف لنا تلك الصيرورة الأخيرة يُسمى هوية، وهي بالضرورة ليست ثابتة بل تتغير وتتكون عبر الزمن.
ولمحاولة فهم تكوّن الهوية الوطنية سأقدم مثالين؛ الأول عن نشوء الأمم الأوروبية، والثاني عن نشوء الولايات المتحدة، وكيف تفهم كل منهما ذاتها وتُعبّر عنها، والمثالان مأخوذان من كتاب “مدخل إلى العهد القديم”[2]:
المثال الأول:
نشأت الأمم الأوروبية من اندماج القبائل التي أتت في الأصل من شمالي آسيا واستقرت في مناطق مختلفة من أوروبا، وبدأت هذه القبائل تندمج في وحدات وصارت تنظر لنفسها على أنها أمة تتشارك المصير والتاريخ الواحد. وتعد هذه المقاربة شرطاً ضرورياً لا تستطيع الأمة الناشئة حديثاً دونه أن تستمر كأمةً واحدة؛ فكل كيان اجتماعي وسياسي يتجاهل هذه القاعدة الأساسية ينحل تحت وطأة الضغوط التنافسية التي تمارسها الكيانات الصغيرة (وهذا ينطبق على مجتمعنا حيث تهدد العودة للأصول والقوميات الكيان الاجتماعي والسياسي). فألمانيا وإيطاليا كما نعرفهما اليوم لا يزيد عمر الواحدة منهما عن قرن ونصف؛ فالأولى نشأت عام 1871 والثانية عام 1861، ومنذ هذين التاريخين لا نتحدث عما يُدعى إيطاليا وألمانيا فحسب، بل الأهم من ذلك أننا ننسب إلى هذين البلدين تواريخ تمتد لقرون سابقة حتى الأزمنة القَبَلية، فتُجمع كل التواريخ تحت المظلتين الإيطالية والألمانية، وصارت كل التواريخ السابقة هي تاريخ ألمانيا أو إيطاليا الواحد.
{وهذا ينطبق على مصر؛ فقبل مئة عام أيضاً لم تكن مصر موجودة كدولة كما نعرفها اليوم، ولكننا ننسب إليها تواريخ موغلة في القدم تصل إلى الفراعنة، وما قبلهم، وتصير كل تلك التواريخ تاريخ مصر ذاتها، باعتبار أن مصر اليوم هي النتاج النهائي لكل الماضي}.
المثال الثاني:
في الولايات المتحدة، يُعد الرابع من تموز/يوليو 1776 تاريخ ولادة هذا الكيان، وتقنياً لم يكن هناك شيء اسمه الولايات المتحدة قبل هذا التاريخ؛ إذ كانت مستعمرات بريطانية. فكيف إذن يتكلم هذا الكيان الجديد عن نفسه؟
لقد جرى التحدث عن مرحلة ما قبل هذا التاريخ بوصف المستعمرات تملك الروح نفسها والوجود نفسه الذي للولايات المتحدة؛ وبذلك صار يُنظر إلى تاريخ المستعمرات كأنه تاريخ الولايات المتحدة، بل وكأنه يقود مباشرة إلى التأسيس الفعلي لها. واعتُبرت تواريخ الولايات الثلاث عشرة بالضرورة تاريخاً واحداً، على الرغم من أن ولاية كونيتيكت نشأت عندما انفصلت عن ولاية ماساتشوستس؛ إذ إن مفهوم التاريخ الواحد أساسي للولايات. ويعد تاريخ الولايات بعد عام 1776 تاريخاً تأسيسياً، وعلاوة على ذلك يصبح هذا التاريخ نفسه تاريخاً لكل مواطن أمريكي مجنس بالرغم من أصوله الشخصية، وتاريخه الشخصي الذي كان لقرون عدة جزءاً أساسياً من تاريخ أمة مختلفة؛ فهو الآن أمريكي حتى لو أعادته أصوله إلى قلب منغوليا، والجميع بالتالي يعي هذه الحقيقة الجديدة. وهنا ننتبه إلى أن التاريخ الرسمي للولايات المتحدة ليس خلطاً لتواريخ المستعمرات والأراضي المختلفة، بل يُنظر إلى كل شيء من خلال الوعي الذاتي للكيان الجديد.
ومن هنا، فإن هوية مصر هي التعبير الواضح عن ذاتها، والعربية هي تلك الهوية التي إن ذَكرتَها صرت أمام شخصية جماعية أو جماعة واعية لنفسها، وأنت تعيها بالمقابل وتدرك من هي وما تاريخها. ولكن من الجدير بالملاحظة أنني عندما أقول: “أنا عربي”، فهذا لا يعني أبداً انتمائي إلى شبه الجزيرة العربية، وهذا ما أسميه “الانتماء الجزيري”؛ فنحن لسنا جزيريين، لأن العربي يعرّف نفسه بأنه عربي سوري، أو فلسطيني، أو عراقي. يقول المفكر عزمي بشارة:
“وكان من الطبيعي أن يعرف العربي ذاته بوصفه عربياً فلسطينياً أو عربياً تونسياً أو جزائرياً، وحتى لو لم يكن هذا مألوفاً لدى المصري، فمصر تشكل أهم مركز ثقافي عربي، وتُعرف على أنها أكبر دولة عربية، والمصري على الرغم من قوة انتمائه لمصر يعرف ذاته بوصفه عربياً بين العرب”[3].
لم تكن الهوية العربية يوماً استبدالاً لهوية بهوية أخرى، بعكس تماماً ما يحدث عند احتلال دولة ما؛ فإن صرت فرنسياً بسبب الاحتلال، فأنت هنا تستبدل هويتك بأخرى. أما في حالة الهوية العربية، فقد انصهرت كل الثقافات والهويات السابقة في بوتقة واحدة، وانصبت كل تلك الروافد في مجرى واحد فكونت هوية واحدة نسميها الهوية العربية. فقولنا “مصر عربية” لا يعني أبداً استبدال هوية مصر بأخرى، بل يعني تماماً أنها التعبير الأنصع عن كل التواريخ السابقة دون انتقاص أو اختزال أو ابتلاع. فعندما نقول “مصر عربية”، سنفهم مباشرة مكوناتها: القبطية والفرعونية والمتوسطية والإسلامية والإفريقية… إلخ، أما في حال حصرناها وقلنا فقط “قبطية”، فنحن هنا أمام انتقاص من هويتها الكلية، وجزء يبتلع الكل.
وأهم تأكيد لهوية المصريين العربية هو منطق التفكير وأساليبه وأدواته؛ فالمصريون جميعاً يمتلكون نمط التفكير والعقلية ذاتهما، فتجد المسلمين والمسيحيين يفكرون بالطريقة ذاتها ويكتبون بالأسلوب نفسه، حتى إنك لتجد الكتب اللاهوتية المسيحية الدفاعية والكتب الإسلامية متشابهة في الأسلوب، ولا يوجد أي اختلاف في المنطق العقلي لدى الطرفين.
الخاتمة
تشكل هوية مصر إشكالية كبيرة بين كثير من الفرقاء، ولكن لكي نفهم مصر تماماً ونعي شخصيتها الحقيقية، يجب علينا أن نقول إن مصر عربية؛ عندئذ نفهم شخصيتها جلياً، لأن مصر الحالية تكونت وتشكلت عبر مخاضات عديدة ساهمت فيها كل الحضارات والثقافات والتواريخ ضمن بوتقة واحدة. وعندما تشكلت كدولة بحدودها الحالية منذ ما يقارب قرناً من الزمان، تشكلت عبر حدود رسمها الاستعمار، أما هويتها فقد صنعتها شخصيتها المكونة من روافد عديدة: قبطية وإسلامية وفرعونية وغيرها، تحت مظلة واحدة: “مصر عربية”.
المراجع
-
بشارة، عزمي. “تأملات في مسألة الهوية”. مجلة تبيّن، العدد 41 (صيف 2022)، ص 15-48.
-
طرزي، بولس. التقاليد التاريخية: مدخل إلى العهد القديم (الجزء الأول). بيروت: منشورات النور، 1998.
-
حسين، طه. مستقبل الثقافة في مصر. القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2012.
-
صلاح، مي. “الهُوية المصرية بين الماضي والحاضر والمستقبل”. المرصد المصري، 20 يونيو 2022. تاريخ الاطلاع: 21 يونيو 2022، متاح عبر الرابط:
[https://marsad.ecss.com.eg/70858/](https://marsad.ecss.com.eg/70858/)
الهوامش
[1] مي صلاح، “الهُوية المصرية بين الماضي والحاضر والمستقبل”، المرصد المصري، 20 يونيو 2022، تاريخ الاطلاع: 21 يونيو 2022.
[2] بولس طرزي، التقاليد التاريخية: مدخل إلى العهد القديم (الجزء الأول)، (بيروت: منشورات النور، 1998)، ص 32.
[3] عزمي بشارة، “تأملات في مسألة الهوية”، دورية تبيّن، العدد 41 (2022)، ص 33.