ساويرس ابن المقفع(ورقة بحثية مقدمة لدبلوم التراث العربي المسيحي)

تناقش الورقة دور وأهمية ساويرس ابن المقفع (أسقف الأشمونين في القرن العاشر الميلادي) كشخصية محورية في تاريخ المسيحية العربية والأدب القبطي العربي.

تتمحور أفكار البحث حول النقاط الرئيسية التالية:

السياق التاريخي لأقْباط مصر: مواجهة المجتمع المسيحي لتحول لغوي كبير بعد سيادة اللغة العربية في الدولة، وضياع مفاهيم الإيمان بسبب جهل العامة باللغة القبطية القديمة وانعزال الكنيسة. التيارات المتصارعة: صراع بين تيار محافظ يرفض التخلي عن القبطية وتيار منفتح بزعامة ابن المقفع أدرك ضرورة التعريب دون التفريط بالهوية أو العقيدة.

مشروع ابن المقفع الفكري واللغوي: اعتماده على التبحر في الفلسفة وعلم الكلام والكتاب المقدس لنقل العقيدة المسيحية إلى العربية بلغة مفهومة، وتأسيسه لأدب مسحي عربي رصين (مثل كتاب “الدر الثمين في إيضاح الدين”).

الأثر والتأثير: كيف جعل ابن المقفع من اللغة العربية وعاءً للتفكير اللاهوتي والحوار الفكري، مانعاً بذلك انعزال المسيحيين، ومقدماً نموذجاً متوازناً للجمع بين الأصالة والانفتاح.

الكلمات المفتاحية: ساويرس ابن المقفع، الأدب المسيحي القبطي العربي، تعريب الكنيسة، تاريخ الأقباط، الفكر اللاهوتي المسيحي العربي، التراث العربي المسيحي.

المقدمة:

صاروا لا يسمعون ذكر الثالوث بينهم إلا قليلاً، ولا لابن الله ذكر بينهم إلا على سبيل المجاز، بل أكثر ما يسمعون [هو] أنَّ الله فرد صمد، وبقية هذا الكلام الذي يقوله الغير، فتعوَّد به المؤمنون، وترّبوا عليه، حتى صار يصعب عليهم ذكر ابن الله، ولا يعرفون له تأويلاً، ولا معنى، وأكثرهم إذا سمع ابن الله، وابن مريم العذراء، يظن أنَّ بدأه من مريم العذراء كان، كما يظن بنا الغير أنَّنا نقول ذلك، ولا يعلمون أنَّه كان أزلياً مع الله. مولود منه قبل مريم، وقبل الدهور، لأنَّ الله لم يكن قط بغيره، لأنَّه ابنه وكلمته الأزلي معه، لم يزل ولا يزال.”
في مقدمة الباب العاشر من الكتاب نفسه يقول:
“ذَكَرتَ، يا حبيب، أنَّ القبطَ في هذا الزمان قد كثرت فيهم الأقاويل المختلفة في الإيمان الأرثوذكسيّ، وأنّ الواحد منهم يَرى ما لا يُرى بغير رأي الآخر ويكفّره، وإنَّك متعجب من ذلك ومحتار. ولا تتعجب من ذلك، فإنَّ السبب فيه جهلهم بلغتهم، فإنَّ اللغة العربيّة غلبت عليهم، فلم يبقَ أحد منهم يعرف ما يُقرأ عليه في الكنيسة باللغة القبطيّة، فصاروا يسمعون ولا يفهمون. فبهذا السبب ضاع منهم علم المذهب المسيحيّ الذي ساد أولاً على جميع قبائل النصّرانيّة.”
التيارات المتصارعة في الكنيسة:
بعد دخول الدولة الإسلامية، وتثبيت أركانها في الجغرافية المصرية القبطية، وبدأت الدولة العربية الجديدة بحركة تعريب للدواويين، ككل الدول التي استطونت هذه البلاد، وأمام هذه الحركة الجديدة، وجدت الكنيسة ذاتها أمام تحديد كبير، هل تنتقل لتكتب بالعربية أم تحافظ على لغتها ولغة الليتورجيا القبطية، لذلك ظهر تارين، تارين محافظ يعمل على المحافظة الجامدة على اللغة القبطية واستعمالها والكتابة بها، وتيار آخر منفتح على العربية وأدرك أصحاب هذا الديار، إن التاريخ هنا على مفترق طرق فلم يعد ينفع البقاء في الماضي، يجب أن نسير مع التغير الكبير، فكان ابن المقفع من أصحاب التيار المنفتح على العربية
يقول الدكتور صلاح عيد” ولعل هذا الاتجاه، وهو تيار الاندماج الذي تبنّاه ساويورس ومن سار على نهجه فيما بعد، سار مع التعريب دون أنْ يضحّي بالهويّة والخصوصية الدينيَّة” ، ويقول جورج اسحق : “دعا “بن المقفع” إلى استخدام اللغة العربية حتى لا ينعزل المسيحيون أو تسجن الكنيسة” .
ابن المقفع كحلقة وصل بين القبطية الكنسية والعربية:
اقول هنا بين القبطية الكنسية، وليس القبطية، لأنه لا يوجد لغة مسيحية بمعنى خاصة بالمسيحية، بل هذه لغة جماعة ما في بقعة جغرافية ما، كما اليونانية كانت لغة المسيحيين في سوريا ولبنان مثلا، واللاتينية في الغرب، وما أوضحه هنا القبطية الكنسية، اي القبطية التي حملت إيمان جماع مسيحية في مصر، فكان بشكل أوضح ابن المقفع صلة الوصل بين التراث المسيحي القبطي وبين العربية الجديدة، فالزمن الذي عاش فيه كما سبق وقلنا بدأت العربية فيه بالتسيد كفكر وإدارة وحكم، ولما أدرك إن التاريخ تغيير، والواقع لن يعود إلى الوراء، أدرك ضرورة التعبير عن الإيمان المسيحي وتاريخه ضمن الإطار اللغوي والثقافي المفهوم للناطقين بالعربية من مسلمين ومسيحيين هجروا القبطية، ومن خلال مؤلفاته عمل ساويرس على حفظ جوهر العقدية القبطية مع تقديمها بأسلوب فكري ومنهجي منسجم مع تقاليد اللغة العربية ومفاتحيها، ولم تكن تكن كتاباته مجرد نقل حرفي لمصادر قبطية قديمة، بل إعادة صياغة الفكر المسيحية بطريقة واعية تسمح بنقل الفكر المسيحي إلى طاولة الحوار والجدال ومواجهة الفكر السائد،
بعد مقدمة الكتاب، يتناول ساويرس موضوع الإيمان بالله الواحد الذي
“نعرفه آبًا وابنا وروحا قدسا، جوهرا واحدا، وطبيعة واحدة، وذاتًا واحدة”. والحجة الوحيدة التي يقدمها كاتب النص هي “إنما قلنا إنه آب وابن وروح قدس”، لأن “الإنجيل أعلمنا” بذلك. ويصف الكاتب الله بأنه “فاعل، قائم بذاته، أزلي، باقٍ، سرمدي”. ثم يفسر معنى قول المسيحيين بأن الله آب وابن وروح قدس بقوله: “نذهب إلى أن هذا الخالق حي ناطق. فنطقه كلمته، وحياته روحه”. ويعني هذا عند الكاتب أن الابن والروح القدس هما من ذات الآب وجوهره وطبيعته. لهذا يقول الكاتب، مميزا بين كلمة الله الأزلية غير المخلوقة وكلام البشر الذي هو كلام مخلوق، إن “كلام البارئ (تبارك وتعالى) ليس ككلام البشريين الزائل البائد الذي إنما عِلته اختلاط الهواء بالصوت. بل نطقه (تبارك وتعالى) نطقٌ ذاتيّ جوهريّ، عِلته هي الذات”.
بهذا أسهم بصون الثقافة القبطية في مرحلة تحولات لغوية واجتماعية عميقة، موضحا إن استخدام العربية لا يعني التنازل عن المسيح، بل هو وسيلة لإعلان حضوره بالعربية، وهنا يبرز دور ابن المقفع كأحد بناة الوعي المسيحي، وجسر حمل المسيحيين من ضفة إلى أخرى، بدون أي تنازل إيماني.
إسهام ساويرس ابن المقفع في نشأة الأدب المسيحي القبطي العربي
باتخاذ ابن المقفع الجانب الانفتاحي في التاريخ على العربية، والعمل بالعربية، استطاع في عصره أن يجعل من العربية وعاء للتفكير اللاهوتي، وسفينة تنقل الإيمان لشواطئ العرب، وبذلك عَمّد العربية كما عمد سابقوه القبطية واليونانية،، وصارت العربية تحوي على مفردات ذو معنى مسيحي، وكانت كتبه ثمار هذا التعميد، فقد كتب عشرات الكتب مثل :

  1. في الاتحاد
  2. الباهر، في الرد على اليهود والمعتزلة
  3. البليغ، في مثل ذلك
  4. في الرد على سعيد بن بطريق الملكي، البطريرك المعروف بأبن الفراش، صاحب التاريخ.
  5. الشرح والتفصيل، في الرد على نسطور وشيعته
  6. رسالة في الديانة، كتبها الى ابن اليمن قزمان بن مينا الكاتب
  7. نظم الجوهر والدر، في الرد على القول بالقضاء والقدر
  8. المجال
  9. طب الفم، وشفاء الحزن (تهذيب الاخلاق).
  10. تأثير ابن المقفع على حاضر المسيحيين وتفكيرهم.

 يتمثل تأثير ساويرس ابن المقفع في زمننا الحاضر في النموذج الفكري الذي قدمه للتفاعل الخلاق بين الإيمان والثقافة. فقد أرسى من خلال كتاباته باللغة العربية منهجا يبين كيف يمكن للجماعة الدينية أن تحافظ على أمانتها لتراثها، وفي الوقت نفسه تنخرط بوعي في السياق الثقافي السائد. ولا يزال هذا النهج يلهم اليوم المفكرين الأقباط والمسيحيين في الشرق الأوسط الساعين إلى التعبير عن إيمانهم بلغة العصر وأسئلته.
دون التفريط بالثوابت العقائدية، كما تشكل مؤلفاته مرجعا أساسيا لفهم تطور اللاهوت القبطي والتاريخ الكنسي والعلاقات المسيحية – الإسلامية، ما يمنحها أهمية أكاديمية ولاهوتية معاصرة، وإضافة إلى ذلك، يقدم ساويرس ابن المقفع مثالا حيا عن التوازن بين العقل والتقليد، وهو مثال بالغ الأهمية في زمن تتجدد فيه أسئلة الهوية والعيش المشترك والحوار الديني.

الخاتمة
يُعد ساويرس ابن المقفع شخصية بارزة استمرت أعماله وتأثيره عبر القرون، فقد نجح في ربط التراث القبطي بالثقافة العربية، وعمل على عنصرة لغة الإيمان، مما حافظ على الفكر المسيحي وجدد حضوره في بيئة اجتماعية ولغوية متغيرة، وتمثل كتاباته نموذجا حيا للتوازن بين الإيمان والعقل والانخراط الثقافي، مما يوضح كيفية صون الإيمان مع المشاركة في الحوار مع الآخر بشكل أوسع وأكثر قوة وحضوراً، ويظل إرثه اليوم ملهما للتأمل المعاصر في اللاهوت والهوية والحوار بين الأديان، وليكيفية نقل الإيمان إلى كل العالم، بدون خوف واضطراب، وإن إسهامات ساويرس ابن المقفع تؤكد أن التمسك العميق بالتقليد يمكن أن يتناغم مع الانفتاح على التطور الثقافي والفكري، مما يجعله بوصلة بين أيدينا لتوجيه فكرنا اليوم وقناعتنا، للوصل إلى الآخر، ونقل المسيح إليه.
المراجع

  1. التراث العربي المسيحي القديم ساويرس ابن المقفع، المعهد الإكليريكي للبطريركية اللاتينية، بدون تاريخ، تاريخ الاطلاع عالهي14/12/2025، للاطلاع عليه https://2u.pw/dKVz3n
  2. ساويرس، ابن المقفع الدر الثمين في إيضاح الدين، (ألقاهرة، أبناء البابا كيرلس السادس، بدون عام).
  3. هزيمة، يوسف “حوار مع عيد صلاح: التفاعل بين التراثين العربيّين المسيحيّ والإسلامي”، مؤمنون بلا حدود، تاريخ النشر2يوليو2020، تاريخ الاتطلاع عليه12/12/2025، للاطلاع عليه : https://2u.pw/kAoi9T
  4. فارس، روبير، جورج اسحق -في القرن العاشر دعا “بن المقفع” إلى استخدام اللغة العربية حتى لا ينعزل المسيحيون أو تسجن الكنيسة، بوابة الحركات الإسلامية، تاريخ النشر 18نوفمبر2025، تاريخ الاتطلاع عليه14/12/2025، للاطلاع: https://www.islamist-movements.com/72416
  5. خليل، سمير. كتاب مصباح العقل سلسلة التراث العربي المسيحي (القاهرة، دار العالم العربي، 1978)، الباب الثاني.