تناقش الورقة الأدوار الحضارية والتاريخية للمراكز والمدارس الثقافية السريانية في الشرق القديم، وتتبع مساهماتها العلمية والفكرية في حفظ وتطوير العلوم الفلسفية واللاهوتية والطبية.
وتتركز المحاور الأساسية للبحث في النقاط التالية:
برز المراكز والمدارس: تسليط الضوء على دور المؤسسات العلمية الكبرى مثل مدرسة الرها، ومدرسة نصيبين، ومدرسة قنسرين، وجنديسابور، وبيان مناهجها التعليمية وأثرها في المنطقة.
الجسر الحضاري: دراسة الدور الوسيط الذي لعبه السريان في نقل وتدريس التراث الإغريقي والفارسي وترجمته إلى اللغات السريانية ثم العربية.
التأثير في الحضارة العربية الإسلامية: توضيح كيفية إسهام علماء وترجمة السريان في رفد النهضة العلمية والثقافية في العصر العربي الإسلامي (عصر الترجمة والازدهار الفكري).
الكلمات المفتاحية:المراكز الثقافية السريانية، الشرق القديم، مدرسة الرها، مدرسة نصيبين، مدرسة قنسرين، التراث السرياني، الترجمة والنقل الحضاري، التراث العربي الإسلامي، الفكر السرياني، المدارس والثقافات المشرقية
مقدمة
من يتأمل واقعنا العربي اليوم، قد لا يتصور مدى الحيوية والفاعلية التي تميز بها المسيحيون الأوائل في القرون الأولى قبل الإسلام وبعده، إذ كان لهم دور جوهري في حفظ التراث الإنساني ونقله وتطويره، فقد شكّلت المدارس السريانية والمراكز الثقافية في المشرق آنذاك إحدى أبرز المنارات الفكرية والعلمية، إذ لم تكن مجرد أماكن للتعليم الديني فحسب، بل كانت مؤسسات أكاديمية تُدرَّس فيها الفلسفة والطب والمنطق والرياضيات والعلوم الطبيعية واللاهوت، وخرجت منها شخصيات بارزة أثّرت في الفكر الإنساني عامة، وفي الفكر العربي والإسلامي لاحقاً.
كانت هذه المدارس، مثل مدرسة الرها ودير قنسرين ونصيبين والحيرة وبصرى، تشكّل جسوراً حضارية حقيقية بين اليونان والفرس والعرب والسريان، حيث أسهم علماؤها في ترجمة النصوص الفلسفية والعلمية من اليونانية إلى السريانية، ومنها إلى العربية في مرحلة لاحقة، فكان لهم الفضل الكبير في انتقال العلوم القديمة إلى دار العربية وأثرت في التيارات الإسلامية. كما كانت هذه المراكز مجالاً للحوار الديني والفكري بين مختلف المذاهب والتيارات، مما أسهم في تكوين بيئة ثقافية منفتحة سمحت بتلاقي الأفكار وتطور التيارات الثقافية والدينية.
يهدف هذا البحث إلى إبراز الدور التاريخي والحضاري للمسيحيين السريان في نشأة وتطور الفكر في الشرق الأدنى، وتسليط الضوء على إسهام مدارسهم ومراكزهم الثقافية في بناء الجسور بين العصور والحضارات، وصولاً إلى تأسيس نهضة فكرية ومعرفية شكلت القاعدة التي انطلقت منها الحضارة العربية والإسلامية في أوج ازدهارها.
مدرسة راس العين
المعروفة ايضا بمدرسة ثاودوسيوس بولس، لا تتوافر عنها معلومات تاريخية دقيقة إلا أن قيمتها العلمية تتضح من خلال الشخصيات البارزة التي تخرجت منها، وعلى رأسهم الفيلسوف والطبيب سرجيس الرأسعيني، وبرز سرجيس في مجال الطب والفلسفة، وتولى كبير أطباء رأس العين، واشتهر بفصاحته ومعارفه في اللغتين السريانية واليونانية، أشار حنين ابن اسحق في رسالته إن ترجماته الأولى لم تكن دقيقة ولكن ترجماته اللاحقة كانت دقيقة وأمينة للنصوص العلمية.
انكب سرجيس على دراسة الطب والمنطق ونقل إلى السريانية مؤلفات الإسكندرانيين وكتب أبقراط وجالينوس، إضافة إلى نصوص منطقية وفلسفية لأرسطو، كما ألف عددا من الكتب أبرزها الأدوية البسيطة ومقالات في المنقط وأجزاء في السلب والإيجاب، التي تناول فيها موضوعات تتعلق بأسباب تكوين العالم، بحسب تصنيف أرسطو.
مدرسة دير مار زكا
هذا الدير يقع بالقرب من الرقة، وقد تخرج من هذا الدير بطريرك وعشرين أسقف، وبعض علمائه: مار يوحنا التلي، من الرقة(483)، وجاهد أجل إيمان كنيسته، وترك مؤلفات كثيرة بالشرع الكنيسة والعقيدة الأرثوذكسية، وتخرج منها مارثا التكريتي، ثم درس في مدرسته عدة علوم معا، وألف كتبا تفسيرية للإنجيل المقدس، وعظات للأعياد، وكتب كتاب ضد النساطرة.
مدرسة دير مار متى
هو من الأديرة السريانية البارزة في العراق، تأسست مدرسته في القرن الخامس الميلادي، وقد اشتهرت في القرن الثامن وكان من أشهر اساتذتها مارثا التكريتي627م، والذي كان يدرس تفسير الكتاب المقدس واللاهوت، وقد وضع لهذه المدرسة نظام رائع، وأيضا من اساتذتها وراميشوع وجبرائيل وسبريشوع في القرن السابع.
اشتهرت مدرسة دير مار متى بالأمور اللغوية، ومن الأساتذة اللغويين رابان داوود بن فولوس، الراهب حذبشاربا، وراميشوع وسبريشوع.
مدرسة النصيبين
تقع نصيبين اليوم على الحدود السورية التركية، وكانت عبر تاريخها مدينة حدودية استراتيجية تشرق على الطريق الواصل بين شمال بلاد الرافدين ودمشق، ودخلت المسيحية إليها في القرن الثاني للميلاد، وكانت تضم مجتمعا يهوديا، يضم مدرسة أسسها الحبر نهودا بن باثير، وصارت مركزا دينيا وثقافيا في مطلع القرن الرابع.
اشهر أساقفتها مار يعقوب النصيبي، المعلم الروحي للقديس أفرام السرياني مؤسس مدرسة النصيبين الأولى، التي أنشئت على نمط مدرسة أنطاكيا، وكانت اللغة السريانية هي اللغة الرسمية لهذه المدرسة[1]، درس فيها أفرام ما يقارب 38سنة، وألف خلالها أشهر أناشيده.
تجددت أهمية المدرسة في القرن الخامس بعد الخلاف اللاهوتي الذي تسبب به نسطور بطريرك القسطنطينية، وبعد أن أغلق الامبراطور زينون مدرسة الرها 489م، انتقل اساتذتها إلى نصيبين، فبدأ عندئذ ما يسمى مدرسة نصيبين الثانية، والتي أصبحت مركز الفكر السرياني الشرقي الأول والمركز الفكري السائد للنساطرة السريان، وتولى إدارتها الملفان نرساي، أحد ابرز مفكري المشرق، الذي وضع شروحا في الكتاب المقدس واللاهوت والطقوس وتميز أسلوبه بعمق فكري وبلاغي رفيعة.
ازدرهت المدرسة بعد نراسي على يد مجموعة من العلماء أبرزهم إليشاع برقوزباية الذي كتب ردود على المجوس والهرطقة وابراهيم بيث رابان الذي ادار المدرسة ستين عاما، وبلغ عدد طلابه نحو الألف، مما استدعى توسيع مبناها، كما ساهم يوحنا بيث رابان ويوسف أوزايا في تطويرالمناهج ونقل فيها كتب التقنية لدينوسيوس الطرقي إلى السريانية، ومن تلامذتها ايضا بولس النصيبي وقيورا الرهاوي، صاحب كتاب سبب الأعياد، ويشوعياب الأول الذي تولى إدارتها بين عامي596 و571م، إضافة إلى بابي الكبير الذي عد من أبرز كاتاب النساطرة وخلف نحو ثلاثة وثمانين مؤلفا لاهوتيا.
كان تأثير مدرسة نصيبين في القرن السادس خاصة، كبير داخل كنيسة المشرق قبل غيرها، وساهمت المدرسة مساهمة كبيرة في تطوير الأدب السرياني[2]، فقد غدا العديد من طلابها أساقفة، وكان أيضا من اشهر أساتذتها الجاثليق أبا الذي ترك الزرادشتية وتنصر، وعلم فيها قبل أن ينتخب جاثليق541م، وقد ذاعت شهرته وخاصة بمعرفة الكتاب المقدس[3].
دير قنسرين
يقع على الضفة الشرقية لنهر الفرات مقابل مدينة جرابلس، وكان أحد أبرز المراكز الثقافية والعلمية في بلاد ما بين النهرين، ذكره ياقوت الحموي في معجم البلدان قائلاً: «هو دير كبير كان عامراً بثلاثمئة وسبعين راهباً، وكانت الدراسة فيه باليونانية والسريانية مع اهتمام خاص باللغة اليونانية». يعود تأسيس الدير إلى نحو سنة 530م، وبلغ ذروته في القرنين السادس والسابع، وصار في القرن السابع مركز للحركة الفكرية لليعاقبة، حيث ازدهرت فيه العلوم اللغوية والأدبية والمنطقية والفلسفية والطبيعية واللاهوتية، حتى اعتبره بعض المؤرخين الوريث الحقيقي لمدرسة الرها التي أُغلقت سنة 489م، بل فاقها في بعض المجالات.
أنجبت مدرسة دير قنسرين نخبة من العلماء الذين تركوا مؤلفاتٍ ما زال بعضها محفوظاً في مكتبات أوروبا مثل لندن وباريس وروما، ومن أبرز خريجيها مار ساويرا سابوخت ومار يعقوب الرهاوي، وهما من أعمدة الفكر السرياني في القرنين السابع والسابع الميلاديين، ساويرا سابوخت ولد في نصيبين أواخر القرن السادس، ودرس فيها ثم انتقل إلى دير قنسرين حيث ترهّب وكرّس حياته للتعليم والبحث. وصفه البطريرك أفرام برصوم بأنه «أوحد العلماء في عصره، وفيلسوف بارع وأستاذ حاذق». تميّز بتبحّره في الفلسفة والمنطق والرياضيات والفلك واللاهوت، وترك مؤلفات عديدة منها مقالة في أقيسة الأنالوطيقا، وهو ما يدعم الرأي القائل بأن العرب نقلوا نظام العد الهندي عن السريان لا مباشرة من الهند، ومؤلفات أخرى في الكسوف والخسوف وحركات الأجرام السماوية والمساحة والموسيقى وقياس الأرض والسماء، تُرجمت بعض أعماله إلى الفرنسية سنة 1899.
مار يعقوب الرهاوي الذي وُلد سنة 633م في قرية عين الذئب قرب عفرين، التابعة آنذاك لولاية أنطاكية، التحق بدير قنسرين في شبابه حيث تتلمذ على يد ساويرا سابوخت، فجمع بين العلم الفلسفي واللاهوتي واللغوي، عاش في زمن مضطرب سياسياً ودينياً، لكنه جعل من القلم وسيلة مقاومة فكرية، ونقل العلم بين المراكز الثقافية في بلاد الرافدين وبلاد الشام ومصر، يُعدّ يعقوب الرهاوي أول واضع لقواعد النحو السرياني، إذ نظم أصول اللغة ووضع الحركات الخمس المأخوذة من الحروف اليونانية الصغيرة، كما حاول إدخال أحرف جديدة إلى الأبجدية السريانية، ويرى بعض الباحثين، ومنهم الزيات، أن تأثيره امتد إلى العربية، وربما استفاد أبو الأسود الدؤلي من النحو السرياني في وضع نظام التنقيط العربي، ألّف يعقوب نحو ثلاثين كتاباً في اللاهوت والتفسير والتاريخ واللغة والفلسفة، غير أن معظمها ضاع، ولم يبقَ من كتابه التاريخي الذي تناول فيه الأحداث من عهد قسطنطين إلى سنة 692م إلا ست وأربعون صفحة. أما أهم مؤلفاته الباقية فهو كتاب الأيام الستة، الذي يُعدّ أول محاولة سريانية لوصف العالم وظواهره الطبيعية ضمن إطار قصة الخلق التوراتية، قسّم الكتاب إلى سبعة أبواب، تحدث فيها عن الخليقة غير المحسوسة، والعناصر الكونية، والكائنات الحية، والإنسان، إلا أن الموت عاجله قبل أن يتم فصله السابع، يُعدّ دير قنسرين بمجموعه مدرسة علمية متكاملة، جمعت بين الفلسفة واللاهوت والعلم التجريبي، وأسهمت في نقل التراث اليوناني إلى السريانية، ومن ثم إلى العربية، فكانت حلقة وصل أساسية في تطور الفكر العلمي والفلسفي في الشرق.
الرها
لقد برزت المسيحية بالرها في القرن الرابع حيث ينتمي إلى هذا القرن ارساليوس الحمصي، الذي درس في مدرسة الرها، وكان ينتمي للثقافتين اليونانية والسريانية، وكتب باليونانية، وجاء اللاهوتي افرام السرياني من نصيبين لاجئا إلى الرها وأمضى حياته فيها، ويحتمل كثيرا أنه استمر بنشاطه التعليمي في الرها، ويعتبره البعض مؤسس مدرسة الرها[4].
أطلق على هذه المدرسة لقب الفارسية بسبب عدد الطلاب الفرس الكبير، ثم اشتهرت هذه المدرسة بنشرها أعمال ثيودورس المصيصي، التي ترجم بعضها إلى السريانية في المدرسة نفسها، وبذلك عُرفت المدرسة بالارتباط بالمدرسة الأنطاكية من ناحية الخريستولوجيا وتفسير الكتاب المقدس[5]، وكان مديرها الشاعر السرياني نرساي ومازالت أشعاره إلى ولكن بعد الجدل حول المواقف من الخريستويولوجيا، صارت محسوبة على النسطورية، ثم تم إغلاق المدرسة بجهود مطران الرها بأمر من الامبراطور زينون.
“شهدت مدينة الرها نشاطاً فكرياً ولاهوتياً واسعاً تمثل في مناظرات مذهبية بين اليعاقبة (السريان الأرثوذكس) الذين اعتقدوا بأن في المسيح طبيعة واحدة إلهية، والنساطرة أتباع نسطوريوس، أسقف القسطنطينية (428–431م)، الذين رأوا أن في المسيح طبيعتين متميزتين، إحداهما إلهية والأخرى بشرية، متحدتين بروابط الألفة دون امتزاج، وبالتالي فإن مريم لا تُعدّ “والدة الإله” بل “والدة المسيح الإنسان”.”[6]
استمرت في الرها دراسة الفلسفة والعلوم اليونانية، كما يوضح بروكلمان، إذ إن الأديرة السورية حافظت على هذا التراث لارتباط اللاهوت المسيحي بالفكر الأرسطوطاليسي، فكان لا بد لفهمه من الرجوع إلى مصطلحات الفلسفة اليونانية. ورغم أن الاهتمام الأكبر انصرف إلى القضايا اللاهوتية، فقد حظيت الرياضيات والعلوم الطبيعية ببعض العناية أيضاً، وبقيت المعرفة بيد رجال الدين والعلماء الرهبان.
برز من علماء الرها يعقوب الرهاوي (640–708م)، أسقف السريان الأرثوذكس (684–688م)، الذي انكب على التأليف وتنقيح ترجمة الكتاب المقدس المعروفة بـ”البسيطة”، كما أتمّ تاريخ أوسابيوس القيصري. ومن أعلامها أيضاً تيوفيلوس بن توما الرهاوي الماروني (توفي 785م)، الذي أقام في بلاط الخليفة العباسي المهدي، وكان من أوائل من ترجم الإلياذة والأوديسة إلى السريانية، ثم نقل جزءاً من الإلياذة إلى العربية.
من شخصياتها البارزة كذلك تيودوروس أبو قرة (توفي نحو 820م)، المولود في الرها والراهب في دير مار سابا بفلسطين، وتلميذ القديس يوحنا الدمشقي. تولى أسقفية حران وكتب عدداً من الرسائل الجدلية باليونانية والعربية، ناقش فيها قضايا الإيمان المسيحي وردّ على اليهود والمسلمين والهراطقة، فكان من أوائل اللاهوتيين الذين عبّروا عن الفكر المسيحي بلغة عربية فلسفية.
مدرسة قيصرية فلسطين
اشتهرت هذه المدرسة بشخصين الأول يوسيبيوس القيصر مؤلف كتاب التاريخ الكنسي، ونيميسوس الحمصي الذي صار أسقفاً على قيصيرة [7].
مدرسة حران
تقع حران بالقرب من الرها، ولم تكن مسيحية بل كان أهلها من الصابئة، ومرت بالكثير من محاولات التنصير والأسلمة ولكن فشلت، وكانت مدرسة حران منبع من منابع الثقافة، وكانت مراكز علمية ومنارات ثقافية تقوم فيها الدراسات العلمية والفلسفية، واهتموا بالعلوم الفلكية والرياضيات كونهم من عبدة النجوم، وانتقلت إليها معارف الأسكندرية الهيلينية ولاسيما الطبية لانقطاع صلتها[8] وأهمية حران كما يقول جورج عطية تكمن في إدخالها اتجاهات فكرية استمد منها المعتزلة وأخوان الصفا والفيلسوف العربي الشهير الكندي، وهذا من التأثير السرياني والسبب يعود كما يقول متى الحتي:
“ولكن العرب لم يعرفوا اليونانية فاعتمدوا في أول أمرهم على ترجمات أخرجها لهم اليهود والوثنيون والنصارى وخاصة النساطرة من النصارى، وكانت طريقة هؤلاء الأخيرين، هم السريان، وأن ينقلوا الكتاب اليوناني إلى لغتهم السريانية ثم يترجموه بعدئذ من السريانية إلى العربية، وهكذا اصبحوا أعظم حلقة للاتصال بين الثقافية الهيلينية وبين الإسلام، فالثقافة الهيلينة لم تصل إلى العقل العربي إلا عن طريق اللغة السريانية”
جنديسابور
صارت مدرسة جنديسابور مركزاً ثقافية مرمورقاً لأنها غدت ملجأ وملاذ للسريان المضطهدين، ونقلوا معهم كنوز المعرفة اليونانية، بالإضافة إلى نزوح علماء إغريق من أثينا عندما أغلق جوستنيان، جميع المدارس الفلسفية في 529م، مما ساهم في تمازج عميق لمختلف الثقافات اليونانية والهندية والفارسية، وتبرز أهميتها كهمزة الوصل بين الفلسفة اليونانية والعربية، على الرغم من أنها تقع في فارس[9] .
المؤكد أن كسرى أنوشروان هو الذي اهتم بالمدرسة وأراد أن تكون على مثال المدارس الفسفية وبخاصة مدرسة الإسكندرية التي كانت تهتم بالرياضيات والطب والفلسفة، ورحب بفلاسفة أثينا الذي طردهم جستنيان عندما أغلق أبواب الأكاديمية والمشائية، وعندئد طبق المنهج الإسكندراني في التعليم، واستعملت الكتب ذاتها التي كانت تدرس في الإسكندرية، وأخذ طب اليونان عن مدرستين: مدرسة أبقراط الذي رقد في القرن الثالث قبل الميلاد، ومدرسة جالينوس توفي 200بعد الميلاد، ولكن مدرسة جنديسابور الطبية لم تقف عند طب بقراط وجالينوس، بل أخذت بالطب الهندي المعتمد على الأعشاب، وعلى التعاويذ والتمائم لطرد الأرواح الشريرة التي كانوا يعتقدون أنها تسبب المرض، وكان تأثير هذه المدرسة كبير حيث استعان الخلفاء المسلمين بأمهر الأطباء المشهورين كالطبيب النسطوري جورجيس بن بختيشوع الذي استدعاه المنصور وأصبح بعد ذلك صار كبير أطباء البلاط العباسي.
وضعوا في جنديسابور مرصد للنجوم على مثال ما كان موجود في الإسكندرية، وعندما نقل العرب هذا العلم أخذوه من الفرس.
أما الفلسفة فإن كتب أرسطو ومنطقه بوجه خاص كانت على رأس الكتب الفلسفية التي نقلها السريان لحاجتهم إليها في الجدليات الدينية، ويبدو أن اللغة الأساسية التي كانت مستخدمة في المدرسة هي السريانية باعتبارها لغة الأساتذة من جهة، ولغة المراجع من شتى العلوم بعد نقلها من اليونانية إلى السريانية، فكان الطلاب يدرسون السريانية لتحصيل العلم، ويظهر إن بعض الكتب ترجمت إلى الفارسية من السريانية.
أنشأ المأمون سنة 215هجري، بيت الحكمة في بغداد وجعله مقراً للترجمة من السريانية، ومن اليونانية إلى العربية، وجعل على رأسه يوحنا بن ماسويه، وهو طبيب سرياني من مدرسة جنديسابور، هاجر إلى بغداد وأنشأ به بيمارستانا إلى أن قلده المأمون رئاسة بيت الحكمة، وكان حنين ابن اسحق أشهر المترجمين من تلاميذه.
بصرى
شكّلت بلاد الشام والعراق ومصر مراكز رئيسية للتفاعل الثقافي والديني في القرون السابقة للإسلام، وكان النساطرة من أبرز جسور التواصل بين الثقافة الهيلينية والنهضة الإسلامية الفتية. ويشير المستشرق رينيه بلاشير إلى أن الطبقات المتعلمة من سكان المدن والأرياف، بخلفيتها الدينية والكتابية، أسهمت في نقل التراث الروماني واليوناني والإيراني إلى الحضارة الإسلامية، إذ ظلت هذه التقاليد حية من خلال العلماء ورجال الدين الذين أتقنوا اللغات القديمة ومارسوا الإدارة والكتابة بأساليب حضرية راقية[10]. أما بصرى (بُسترا) فكانت، قبل الإسلام، تضاهي الحيرة مكانةً ونفوذاً، إذ اتخذها الغساسنة مركزاً حضارياً تحت النفوذ البيزنطي، في مقابل الحيرة التي خضعت للفرس الساسانيين. وقد تميز الغساسنة بقربهم من الرومان ثقافةً وديناً، فاعتنقوا المسيحية السريانية الغربية (الأرثوذكسية) واتخذوا الآرامية لغة ثانية إلى جانب العربية، كما شيّدوا مدناً وقصوراً وأديرة بمساعدة المهندسين والمعماريين البيزنطيين.
كانت بصرى أيضاً محطةً تجارية مهمة على طرق القوافل النبطية والرومانية، ما جعلها مركزاً لتبادل البضائع والأفكار، ورغم أن تأثير البيزنطيين في الغساسنة لم يكن عميقاً في كل المجالات، فإن ممالكهم جذبت الشعراء الجاهليين والتجار والمبشرين، فانتقلت عبرهم إلى العربية مجموعة من الألفاظ السريانية والآرامية مثل: كنيسة، بيعة، قسيس، صدقة، دمية، صورة، ناطور، نير، قنديل وغيرها. كثير من هذه الألفاظ مرّ من اللاتينية إلى اليونانية ثم إلى السريانية فالعربية، ككلمة قصر المأخوذة من اللاتينية كاستروم (castrum)، ومع قيام الدولة الإسلامية، ورث المسيحيون العرب وأبناء المدن الغسانية خبرات أسلافهم، فشاركوا في حركة الترجمة بين السريانية والعربية واليونانية، وساهموا في العمارة الإسلامية من خلال بنّائين ومهندسين مهرة حافظوا على الطراز البيزنطي في المساجد والقصور. وكما يشير بارتولد، فقد تمكن المسيحيون في تلك الفترة من الاحتفاظ بمعابدهم وبناء كنائس وأديرة جديدة، مستمرين بدورهم الحضاري ضمن المجتمع الإسلامي الناشئ.
الحيرة
تقع الحيرة جنوبي الكوفة وتعد مركز حضاري في عهد المناذرة حيث كانت هي العاصمة لهم، وكان سيكنها العرب والفرس والنبط والروم، وكان فيها مجموعة من الأديان الزرادشتية والنصرانية واليهود والصابئة، فكانت ملتقى لتلك الحضارات القديمة، وكان أهلها يتكلمون العربية ويكتبون السريانية، ولكن فقدت الحيرة مكانتها بعد الإسلام، ولا سيما بعد إنشاء الكوفة القريبة منها، ولكن حافظ الكنائس والأديرة القريبة منها على مكانتها وصارت منبع لرواد المعرفة من المؤرخين العرب، حيث كان بمقدور رواد المعرفة الاستعانة بمخطوطاتها ويتدارسوها وينقلوا عنها.
كان المسيحيون فيها يمارسون فيها نشاطهم بحرية أوفر نتيجة تطور العلاقات الاجتماعية وتسامح الحكم الفارسي، مما أتاح للنساطرة السريان التي كانت هي الطائفة الأقرب للحكم الساساني، أن يتوسعوا بنشاطاتهم الدينية والثقافية والحضارية، وصار النساطرة فيها صلة الوصل بين الحضارة اليونانية والفارسية وثم العربية فيما بعد.
مدرسة قسطفون أو المدائن
تعد هذه المدرسة في مقدمات المدارس السريانية الشهيرة، فيها نشأ ططيان الأشوري مؤلف كتاب الدياطسرون في القرن الثاني للميلاد[11].
مدرسة بيت شاهاق
تقع في منطقة نينوى، اسسها الربان داوود بن فولو في أوساط القرن السابع، وكانت بيت شاهاق، في ذلك الوقت من أهم البلدات في تلك المناطق.
مدرسة دير سرجيسة
اسس هذا الدير بعض رهبان دير الزعفران وفي مقدمتهم الراهب كيسو وذلك في القرن العاشر، ودعو المدرسة بهذا الاسم نسبة للشهيدين سرجيوس وباخوس الذين وضعت ذخائرهما في تلك المدرسة، واستقدم الرهبان العلامة الراهب يوحنا تلميذ مارون، وأتى الطلاب من كل صوب للدراسة فيها، وصار الربان كيسو أول رئيس لهذه المدرسة، وخلف كيسة في الرئاسة تلميذه الربان ايليا، الذي جمع مكتبة نفيسة ضم فيها أصناف الكتب، وخلفه الربان يوحنا الذي طور شؤون المدرسة تطويرا جيدا، وشيد الأبنية للتلاميذ والمعلمين والنساخ، فظهر منهم جماعة من رؤساء الكهنة، وبقيت هذه المدرسة مايقارب قرن.
مدرسة دير قرقفتا
شيد هذا الدير مار شمعون، كان مركزا عظيما لعلم الكتاب المقدس واللغة السريانية.
مدرسة دير سرجيس المعلق
يعتقد إن تأسيس هذا الدير في القرن الخامس وبني باسم النساك الثلاثة سرجيوس وزعورا وباعوث، واشتهرت في القرنين الثامن والتاسع، وتخرج منها مفريان وبعض الأساقفة، وكان هذه المدرسة لاهوتية وتخرج منها اللاهوتي الكبير موسى بن كيفا مطران بارمان والموصل 903م.
مدرسة دير مار برصوم
ازدهرت هذه المدرسة للعلوم اللاهوتية واللغوية من القرن الثامن إلى أوساط القرن الثالث عشر، وخرج منها البرطيرك أبو الفرح بن كامرا1129 واغناطيوس الثالث مطران ملطية1092، ومار ميخائيل الكبير1199، وكان هناك علاقة بين مدرسة ملطية ودير مار برصوم، واشتهر من معلمي مدرسة ملطية القس ابدوكس الملطي وكان لغويا كبيرا علم فيها اللغة السريانية، وضوابطها.
مدرسة دير الزعفران
تخرج من هذه المدرسة عدد كبير من الأساقفة، ومن علماء هذه المدرسة ايوانيس يعقوب بن تشككا اسقف حران ونصيبين، والبطريرك اغناطيوس ابن وهيب في القرن الثالث عشر، وانتهى أمر هذه المدرسة نتيجة ما لحق البلاد نفسها من خراب ومحن.
الخاتمة
نرى من مما سبق إن المدارس السريانية كان العامود الرئيسي في بناء الحضارة العربية اللاحقة، وقد ادت دوراً بارزا في في نقل التراث اليوناني الإغريقي إلى العربية عبر السريانية، واسهمت في نشوء حركات فكرية وفلسفية عميقة في الشرق، ولم تكن هذه المدارس مجرد مؤسسات تعليم دينية، بل كانت مراكز للبحث والترجمة والإبداع، جمعت بين الإيمان والعقل، بين الروح والجسد، بين الدين والعلم، وأنجبت فلاسفة وأطباء ولاهوتيين وعلماء أثروا في الفكر العربي والإسلامي تأثيراً عميقا.
لقد شكلت مدارس مثل الرها والنصيبين وقنسرين وجنديسابور وغيرها جسورا حضارية متينة بين الشرق والغرب، وأسست لمرحلة من التفاعل الثقافي والفكري الذي ساهم في ازدهار العلوم، وفي قيام نهضة فكرية قائمة على العقل والمنهج العلمي، ومن خلال جهود العلماء السريان، توحد الإرث الإنساني عبر الترجمة ونقل الثقافة، وانتقل العلوم من حضارة إلى أخرى، ومن بيئة إلى ثانية.
إن دراسة هذه المدارس يوضح تماما لنا إن النهضة لاتنشأ من لاشيء، بل هي ثمرة تلاقح حضارات وتعاون عقول وتلاقحها، فكما كانت المدارس السريانية جسور بين الحضارات القديمة والحضارة العربية، وبالنسبة لنا يجب أن نفهم إن ما نعيشه اليوم ليس سوى قصور في فاعليتنا في الشرق والبلاد العربية.
[1] اسحق، ساكا السريان إيمان وحضارة (حلب، الناشر: لايوجد، 1983)، ص8
[2] جورج، عطية الأثر السرياني في الحياة الفكرية والعلمية في بلاد الشام، المدارس السريانية(حلب، مكتبة العائلة، بدون تاريخ)، صـ8.
[3] بروك سباستيان، المسيحية عبر تاريخها في المشرق (بيروت، مجلس كنائس الشرق الأوسط، 2002) صـ 158.
[4] المرجع السابق، ص159.
.[5] حسين قاسم، العزيز دور المراكز السريانية في تفاعل العرب والمسلمين الحضاري، موقع دراسات سريانية، 7/18/2017، تاريخ الاتطلاع عليه16/10/2025، للاطلاع عليه: https://2u.pw/oqALnn.
[6] جورج عطية، المرجع السابق ص158.
[7] حسين القاسم، العزيز المرجع السابق.
[8] فؤاد، الأهواني،. المدارس الفلسفية، (القاهرة: مؤسسة هنداوي،2017)، ص72.
[10] حسين قاسم، العزيز المرجع السابق.
[10] طرزي، فيليب حتي. عصر السريان الذهبي. القاهرة، مؤسسة هنداوي، 2014،ص 8.