وهم حتمية إنتصار المظلوم 2 (نموذج المسيح)

في المقال الذي سبق، قلنا إن عدالة قضية ليست شرط كافي لانتصارها، فبدون لغة وأدوات صحيحة، يتحول الحق إلى مرثاة، وتتحول المظلومية إلى هزيمة أبدية، وفي خضم نقاشنا لكيفية الدفاع عن القضايا، علينا أن نرى المسيح وكيف انتصر لقضيته، وكيف عالجها ومن خلال يمكن لنا أن نفهم كيف ننتصر أو كيف نحول قضيتنا أيا كانت ( على مستوى الحارة أو على مستوى العالم) إلى قضية منتصرة.

لكن عند نقاش قضية المسيح تواجهنا عدة إشكاليات، نابعة من طريقة فهمنا لعمله، ولا أقصد هنا ما عَمل أي الخلاص، بل كيف حقق ما جاء لأجله، فهذا الفهم المغلوط يشكل حاجز صلد يمنعنا من رؤية آلية عمله بدقة، ويمنعنا من تجسيد أسلوبه في عملنا وحياتنا، هذا ما خلق هوة كبيرة بيننا وبين يسوع، هوة جاء بالأساس ليردمها، ونشأت هذه الهوة من فهم خاطئ لجوانب كثيرة.

الجانب الأول  فهمنا إن المسيح جاء ليتم مخطط مرسوم بشكل مسبق، وكأنه سيناريو(فلم)، وكل الشخصيات في هذه السيناريو تلعب دوراً محدداً، حتى يهوذا نفسه جزء من نص مسبق إعداده، وبذلك تصير نتيجة عمل المسيح محسومة منذ البداية، والهزيمة قد تمت سلفاً، لكن فكرة السيناريو أو المخطط المسبق يلغى الفاعلية الإنسانية والتاريخية وحتى يفقدها معناها الإلهي، وتحول الصراع إلى مسرحية، يفرغ المواجهة من أبعادها الحقيقة، وأيضا تصبح تضحية المسيح تضحية بلا معنى.

الجانب الثاني الاعتقاد إن إنتصار المسيح مستمد من ألوهيته، وقدرته الحتمية على الإنتصار لأنه إله، وبكلام مختلف، لا يمكن أن ينهزم لأنه إله، وهذا الاعتقاد المشوه للانتصاره يجرده من قيمته كنموذج يمكن الاقتداء به، بجعله انتصاراً إعجازياً ليس بمتناول البشر، ويحول كل ما فعله المسيح إلى نموذج محصورة بالآلهة، لذلك نسمع كثير يقولون في مواجهة التجارب ” أنا لست المسيح”، وهذا تبرير لا يعني إن الإنسان يعتذر عن ضعف بشري، بل يتنازل عن إنسانيته وحريته بالكامل، مقابل أن يبقى في منطقة الراحة، والاستعمال الأسهل للأدوات.

يعرف كاتب هذا المقال كَم الأسئلة الكثيرة التي تولده هذه الكلمات، والحاجة الكبرى للشرح المفصل، لمعنى المخطط المسيح الخلاصي، وتحرير المسيح من وهم السيناريو المعد مسبقاً، فمعرفته ما سيحدث لا يعني أبداً رسمه مسبقاً، وكونه إله لا يعني إنتصاره الحتمي، فكما يقول المطران بولس يازجي ” لقد كان هناك إمكانية لأن يقبل المسيح التجربة” بمعنى إنه فعلا دخل صراع حقيقي وكان قابل للانهزام ولكن لم ينهزم، وهذا الكلام لا يقلل من شأن المسيح أبداً، بل يعزز فهمه ومكانته، فإن لم يكن هناك إمكانية حقيقية للوقوع في التجربة، فلماذا التجربة؛ فالقيمة الحقيقية للاستقامة تكمن في إمكانية الانحراف ولكن اختيار الفضيلة بوعي كامل وحرية مطلقة، يقول المطران بولس يازجي  إن المسيح كان لديه الحرية المطلقة بأن يقبل مشيئة الشيطان أو يرفضها[1]، من هنا تنبع هذه الأهمية الكبرى، بأن يسوع هو نموذج قابل للاقتداء، وأن طريق المسيح هو الطريق الوحيد القادر أن يحول قضية مهزومة إلى قضية أبدية لا تموت.

نرى من التجربة على الجبل، إن يسوع لم يغرق بأدوات هذا العالم، فلم يقبل بالسلطة والنفوذ والاعتبار، بل أراد أن يعلي الحرية على كل شيء، ويطهر الطريق وأدوات الانتصار، في تجربته الأولى، كان سؤال الشيطان للمسيح: هل ستذهب إلى الناس وأنت خالي اليدين؟ حول الحجارة إلى الخبز ستأتي الناس إليك وتجعلك ملك، لكن المسيح رفض الخبز مقابل الحرية، رفض أن يستعمل الجوع أداة ليسيطر فيها على الناس، وهذا مافعله بعد أعجوبة تكثير الخبز، عندما ركض الناس إليه لأنه أطعمها، فهرب، بينما في كثير من الحركات السياسية والاجتماعية، يقع المدافعو عن القضايا المحقة، في فخ شراء الولاءات أو استغلال فقر الناس واحتياجاهم الأساسية لتحقيق مكاسب للقضية، أو لحشد أتباع.

كان السيد يدرك أن القضية العادلة لا تدار بتحويل البشر إلى عبيد يقايضون لقمة عيشهم بمواقفهم، بل باحترام وعيهم وحريتهم، حيث يستغل جوع الناس لأجل القضية، تسقط القضية ولو كانت محقة، في سياق القضية، يجب إطعام الناس بدون غاية إلا لغاية الحفاظ على كرامتها.

 وفي التجربة الثانية واجه المسيح تجربة الاعتبار، لذلك نسمع الشيطان يقول له إن كنت ابن الله كما الأولى، يذكره بمكانته، ليتكل على الحصانة الإلهية، رفض البطولات الوهمية والعرض الإعلامي، والتباهي بالمكانة، القضية لا تتم حمايتها بمكانة الإنسان، وكأنه المعصوم بل بقدرته على صونها، وبقدرته على التزام مبادئها، فلا يمكن أن تحارب لأجل العدالة، بالاستبداد.

تظهر هذه التجربة شخصنة القضايا لصالح الزعيم أو المُدافع والبحث عن بطولات وهمية، حيث يقدم الـمُدافع عن الحق نفسه كأنه معصوم أو المختار الذي لا يأتيه باطل ووحده مخلص القضية، مُعتقدا إن المبدأ أو الحق يمنح حصانة أتوماتيكية ضد الزلل أو النقد، ويتتحول الدفاع عن القضية إلى تقديس للشخص، وكل عمل يقوم به هو عمل ثوري ومستقيم، وتصير أعماله معيار الحق.

في المشهد الثالث: حيث تجربة السيادة على ممالك العالم، لم يذكر الشيطان إن كنت ابن الله، لئلا يذكّر يسوع بمكانته، لكن رفض المسيح أداة الشيطان السهلة باستعمال السلطة والنفوذ وسيلة للسيطرة والـمُلك، رفض مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، ورفض أن يسيطر على ضمائر الناس واستعبادهم، المسيح في هذه التجربة، استطاع أن يشق طريقاً للدفاع عن قضيته، دفاع  مستند على حريته، أنه لا يريد الـمُلك لأجل الـمُلك، رفض المسيح أن يحول السلطة لأداة تستعبد الناس، لا أن تحررها، وهذا ما كرره بولس الرسول، عندما زجر شيطان الذي دعا الناس لتتبع بولس: “هؤلاء الناس هم عبيد الله العلي، الذين ينادون لكم بطريق الخلاص”، رفض بولس مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، الوسيلة الشيطانية ليحقق غايته.

هذا الفخ الأكبر في كل عصر، فكم قضية عادلة ومحقة سقطت وانهزمت لأن أصحابها قالو لننتصر بأي طريقة، فاستخدموا السلطة كأداة للقمع والكذب الممنهج والتحالف مع الفساد أو العنف المضاد، واستعملوا وسائل ملتوية لتأمين موارد مالية، أو استعملوا وسائل أعدائهم لينتصرو عليهم، من يَخضع لأدوات الفساد(الظلم والاستبداد والخداع) ليصل إلى النصر، يصير وحشاً يأكل قضيته.

 الخاتمة:

تشكل تجربة يسوع على الجبل، نموذج مسرح من مسارح النضال لأجل القضايا أيا كانت، أكانت حقوق الإنسان، حقوق المرأة، حقوق الطفل، العدالة، أو المساواة، أو المواطنة، وتقول لنا مبدأ واحد، نقاء الوسيلة واستقامتها هو وحده ضمانة خلود القضية وانتصارها، فالقضايا لا تقاس بعدد من من ينتصر لها، بل بمدى استقامة المدافعين عنها، واستقامة أساليبهم ونظافة أدواتهم، فعندما يرفض المدافع عن قضية استعمال الأدوات الصحيحة في قضيته، أو يستعمل الأدوات بأعوجاج هو لا يستعجل نصره، بل يقتل قضيته وينتحر..

المراجع

[1] المطران بولس يازجي، شرح التجربة على الجبل – الحلقة ٤ من ٦ – التجربة الثانية “اسجد لي، المركز الانطاكي الأرثوذكسي للإعلام.”

[1] ديستويفسكي. رواية الأخوة كرومازف، الجزء الأول، ترجمة سامي الدروبي، حوار المفتش الكبير والمسيح، المركز الثقافي العربي، وبيروت والدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2001.