من علية الخوف إلى رحاب العالم
اليوم هو الأحد الأخير في هذه الفترة، حيث الروح القدس يحل، في هذا الأحد نرى ثلاث من الأمور، الأول هو تحول التلاميذ إلى رسل، الثاني تكلمم الرسل بلغة فهمها الكل، الثالث سمعت كل الأمم بلغتها ما تكلم به الرسل عن عظائم الله.
بدأت رحلتنا من أحد الفريسي والعشار، بدأت برغبتنا بأن نتتلمذ على يد يسوع، ونعبر به ومعه تلك الآلام، واليوم يعيدنا يسوع إلى العالم، لننطلق إلى الناس، إلى مجتمعاتنا، لنتكلم بعظائم الله، لنتكلم عن ما اختبرناه مع يسوع، وما تعلمناه، لنخبر الكل عن وجه يسوع البهي.
عندما صعد يسوع الخميس الماضي، صرنا يتامى، لا نعرف ماذا نفعل ولا أين نذهب، نسأل أنفسنا، ماذا الآن؟ كثيرا ما ينتظر البعض أمام هذا السؤال، دعوة علوية لترسلهم لتبشير أو العمل بحقل الرب، عندما يُسأل البعض لماذا لا تصير كاهن مثلاً؟ يجيبون لم يدعوني الله، معتقدين أن الله سيرسل ملاك ليدعوه للكهنوت أو للرهبنة أو ليبشر باسمه وينطلق كارزاً، وهذا للأسف خطأ. الدعوة للشهادة والبشارة ليست حكراً على أحد، ولا تحتاج لانتظار ملاك ليدعونا.
مفهوم الدعوة لا يكمن في صوتٍ خارجي، بل في حركة داخلية تقودها رغبة مقدسة وشوق عارم للمسيح. لسنا أمام تكليف يأتينا برسالة أو إيميل، بل أمام سرّ الامتلاء. وكما أن الينبوع لا يحتاج دعوة أحداً ليفيض، بل يتدفق بقوة الامتلاء الكامن في أحشائه، كذلك المؤمن الذي شبع من حضور الله: لا ينتظر دعوةً تبحث عنه في الخارج، بل ينطلق مدفوعاً بفيض النعمة المتفجرة في قلبه.
كان التلاميذ مختبؤن في العلية، لا يعرفون ماذا يفعلون، ولكن عندما حل الروح القدس، صاروا رسلاً طفقوا يتكلمون، دفق الروح بهم، وتفجره بداخلهم، جعلهم يدركون، أن وقتهم حان لينطلقوا إلى العالم ويحدثوا الأمم عن يسوع المعلم، التلميذ لا يحتاج دعوة ليصير رسول، الانطلاق والعمل بسبب فيض داخلي ناتج عن الشبع من المسيح.
ومن جهة ثانية يعتقد البعض أن التبشير بعظائم الله يعني فقط أن تصير كاهن أو راهب، الدعوة المسيحية ليست هذا فقط، بل أن ندافع عن حقوق الإنسان، أن نساهم بحياة أفضل، أن نساعد بمحاربة الفقر والظلم، والعمل لأجل العدالة والقانون والبيئة، العمل لأجل عالم أفضل، البشارة هو أن نجعل قيم يسوع في العالم.
الأمر الثاني: تلاشى الخوف، لم يخف الرسل عندما تفجر فيهم الروح القدس، أن ينطلقوا للعالم، ولم يفكروا هل سيفهمنا الشعوب الأخرى، من عرب وماديين والعيلامين، بل قاموا وفعلوا ما يستطيعون، تكلموا، والروح كمل عملهم، وفهمتهم باقي الناس ما يتكلمون رغم أن لغتهم مختلفة، الخوف يجعلنا نتوقف عن عمل يسوع، ونتحجج لا نستطيع ولا يمكن، ولكن ما علينا سوى أن نقدم ما نستطيع ونترك الباقي لله، لنقل لله يا رب هذا كل ما لدي، وأنت بارك، المهم أن ننطلق
الأمر الثالث: فهمت الشعوب ما تكلم الرسل به، عن عظائم الله، الإنسان منا يخاف كيف يفهمنا الآخر، لم تكن يوما اللغة عائق، فهاهم الذين يتكلمون لغة واحدة وذو خلفية واحدة يتصارعون، وبينهم ألف حائط وعائق، اللغة التي يجب أن نتكلمها مع الآخر، في هذه البلاد، لغة يسوع، الاحتضان، والابتسام، والتعزية، والصداقة، كل هذه الأمور هي لغة أهم من ألف أبجدية مشتركة، واليوم نسأل كيف نتكلم مع الآخرين في رعيتنا؟ هل نعزي المرضى؟ نواسى الحزانى؟ نسند المحتاجين؟ يرى البعض أن التكلم بعظائم الله يعني أن نتكلم كيف خلصنا وكيف صنع معجزات، والخ..، ولكن التكلم بعظائم الله يعني أن تجعلني أرى الله بأعمالك، عندما كانت الناس ترى يسوع كان تمجد الله عندما يقوم بعمل ما، يظهر احتضانه للإنسان المتألم.
حلول الروح القدس اليوم، يحولنا من تلاميذ إلى رسل، ويطلقنا في هذا المجتمع، يطلقنا لنتكلم عن عظائم الله معنا، يطلقنا لنعمل عمل الله في العالم، ونعمل على خلاصه، ويطلقنا لنجذب الآخرين إلى كنيسته هنا في هذه الرعية المباركة، أنتم الآن أناس في سفينة تبحر، وعليكم أن تجذبوا الناس إلى هنا، ليكونوا معكم، احتضنوا الغرباء، وتقربوا من الكل، وساعدوا الضعفاء منكم، ولا تهملوا أحد، حلول الروح، يعني أن تعطوا الآخرين، ما أعطاكم إياه يسوع، ونقول للناس ما قَالَ لَهُ فِيلُبُّسُ شفيع رعيتنا: في الأحد الأول من الصوم: «تَعَالَ وَانْظُرْ».” (يو 1: 46).