مقدمة:
لقد غرقت الصفحات الأرثوذكسية وكهان ومؤمنين، بظاهرة غريبة حول الدفاع عن الإيمان، حيث ينشرون أخبار عن سلوكيات وأخلاقيات بشرية منتشرة في العالم، ويرونها صورا عن أشكال الموت الروحي والأخلاقي، فتارة ينشرون عن ظاهرة في كولومبيا وأخرى في تولوز وفي جزر القمر والخ، تارة رجل بهيئة كلب وآخر بزي امراة وأخبار عن مسيح دجال وآخر كذاب ومؤامرة هنا وآخرى هناك أو ينتفضون لمشهد تمثيلي كما حدث مؤخراً في فرنساأو ، بحجة التحذير تارة، وتارة للدفاع عن الإيمان المسيحي الهش، معتقدين إن هذا الأسلوب يجذب الناس إلى المسيح أو تمنع الناس من هجر المسيح، إن هذه الظاهرة اسميها حرفياً “الغرق في البالوعات”، هذا يعني تماماً لقد غرقنا في بالوعات العالم، فلم نعد نرى إلا أسوء ما فيه والبشاعة ولا نشم سوى رائحة النتانة ولا ننشر سواها لنحذر الناس من شمها.
أسال أولا ماذا يهمني ماذا يحدث في كاليفورنيا في حارة البطة أو في المكسيك في زاروب التفاحة؟ ماذا نقدم للمسيح ولبشارته؟ ماذا يعنيني ماذا حدث؟ ألم يقول المعلم الأمين “”يَا مُرَائِي، أَخْرِجْ أَوَّلًا الْخَشَبَةَ مِنْ عَيْنِكَ، وَحِينَئِذٍ تُبْصِرُ جَيِّدًا أَنْ تُخْرِجَ الْقَذَى مِنْ عَيْنِ أَخِيكَ!” (مت 7: 5)، هل أخرجنا المفاسد من مجتمعاتنا وتنقينا وأحللنا ملكوت الله بيننا وصرنا خير أمة خرجت بين الناس؟ أسئلة أبقيها لكم، ونستطيع أن ننظر من عدة زوايا للموضوع، لكن ما يهمني أمر آخر أكثر قساوة علينا.
السبب لهذه الظاهرة:
هذه الظاهرة للأسف لها دلالة روحية خطيرة جداً، تدل على الفراغ في نفوسنا من جمال يسوع، وإننا لم نذق خبرة عذوبة الروح القدس، لقد فقدنا محبة الجمال الذي زرعه يسوع في نفوسنا، فصرنا صورة عن بشاعة العالم وقرفه، رغم كوننا نرفض هذه الصور والسلوكيات ولكن لا يمكننا إلا أن نراها لأننا لم نعشق الجمال أكثر ومازال العالم حيُّ فينا بكليته، إن القانون يقول الطبيعة لا تقبل الفراغ، لأننا فارغين من الجمال صرنا ممتليئين بقبح العالم وصوره.
من يعشق الجمال لا يمكن أن يتكلم إلا عنه، من يعشق محبوبه يرى خياله في كل شيء، ويصير حبه مقرون بأنفاسه في ليله وفي نهاره، ويصير حديثه بين قومه وجلاسه، ويراه في نومه في ليله، يتغناه بالموسيقا، يصير صورة عنه، إن العاشق موله بمعشوقه حتى الثمالة لا يتكلم إلا عنه وعن حسنه وجماله وبهائه وطيبه، من يعشق يسوع يتجلى حتى نظره، فلا يمكنه إلا أن يرى البهاء في خليقة الله في العالم. عندما سأل القديس بايسيوس يوما عن شاطئ العراة قال هؤلاء أيقونات مرمية، لم يرى فيهم القديس إلا أيقونة ثم صمت وعاد يتكلم عن يسوع، عندما رمقهم بفكره لم يلحظ فيهم سوى الجمال(أيقونات)، إن المؤمنين اليوم صاروا يعرفون عن المسيح الدجال وما يحدث في أميركا وفرنسا أكثر بكثر عما في الكتاب المقدس.
تساؤل:
أتسأءل كيف جذب يسوع التلاميذ؟ هل أخبرهم عن فساد الرومان والفريسين وهل وصف لهم بشاعة الوثنين وكيف يسفكون الدماء في ذبائحهم، أم كلم الناس عن الشيطان وقباحته؟ كان يكفي أن يذوقوا الجمال في كلمته “اتبعني”، فيتبعوه إلى الموت، كان يكفي لآلاف الشهداء لأن يذوقوا عذوبة يسوع ليذهبوا إلى أفواه الأسود فرحين، كان يكفي أن يعبر من أمامهم فينجذبون بطيب رائحته، فينفضون عن أنفسهم بشاعة الخطيئة التي في نفوسهم أولاً قبل أن تشمئز نفوسهم من بشاعة العالم وقرفهم، ماذا أخرج مريم المصرية من بشاعة سلوكها ومن قلب عشق لذاتها، أليس جمال وجه يسوع المصلوب؟ من الذي أخرج ألاف الرهبان ليعيشوا في صوم وتعب وآلم أليس محبة الجمال الذي كشفه يسوع؟ أم من الذي حول شاول إلى بولس أوليس الجمال الذي أشرق له على أبواب دمشق؟ أم حديث السامرية حيث أظهر جمال ما لديه وفيض ما عنده فجذبها بكليتها؟
ليس دورنا أن نخبر الناس عن القباحة الحاصلة في العالم فهم يختبرونه في يومياتهم، الناس تحتاج لمن يخبرها بما لا تتذوقه فتنشد إليه، انشروا عشق يسوع، وخبرة الروح، من يتذوق حسن الموسيقا يلفظ بمفرده نشاذها، ألم يغير بهاء الموسيقا بمفرده روسيا إلى المسيحية، من يتذوق حلاوة العسل يرفض حلاوة الماء بالسكر( بالعامية لتعرف الناس إنو عطرك حلو ما في داعي تخليه يشم ريحة القمامة النتنة)، لكن من لم يتذوق العسل كيف يذيقه للناس؟
أما نتائج هذه الظاهر فهي قاسية، فلا تعيد الناس للمسيح ولا تتوبهم ولا هي تحذرهم، بل تزيد في جرح النفوس البشرية أكثر بالقباحة الموجودة في العالم وتساهم في تشويهها وتزيد من الاضطراب والقلق وعدم السلام، وانتشار اليأس أكثر وهدم لكل رجاء، وبدل نشر الجماليات صرنا نساهم بجهل بنشر لتلك القباحات والسلوكيات الذي بنشرنا إياها انتشرت بيننا، لقد انطبق علينا مثال القديس باييسيوس الأثوسي عن الذبابة والنحل، النحل يتجه إلى الأزهار والحدائق ليقطف الرحيق لأن إنتاجه عسل، بينما الذباب يتجه إلى مكب القمامة، نحن للأسف لا نتجه للأزهار فلم يعد انتاجنا من العسل الإلهي.
الخاتمة
لا شيء يجذب العالم سوى جمال يسوع البهي، وعذوبة الروح القدس، إن الذين يظهرون بشاعة العالم ليجذبوا العالم للكنيسة، فيتذكروا إن الناس عندما جاءت للكنيسة وجدت فيها موبقات كالعالم وفساد ورذائل فعادت ونكرتها، علينا أن نبشير بعشق يسوع وحده وإظهار جماله ومحبته ورحمته وبهائه وحسنه، ونشر خبرات الروح العذبة وحلاوته، وعندها مهما رأت من رذائل تبقى متمسكة بالمسيح حتى الموت، إن إنسان واحد ذاق عشق يسوع وتجلى به قادر أن يجذب ألف ألف خاطئ من عمق وادي الرذيلة، أما نحن ففراغ.