الطاعة والحرية تلاثما

الطاعة في الكنيسة من احد اكبر الإشكاليات لسهولة تشويه مفهومها، وتتحول كطاعة لحزب ما او قيادة ما، فالمُطاع كثيرا ما يسيء استعمالها فتمحى شخصية تلميذه، ويصبح الابن لصيق اباه، فيقع الاول في اغواء النفوذ البشري الذي يريد أن يكون آمِرا، متناسيا انه جاء ليقيم للمسيح تلاميذا ورسلا، وتتولد في نفس الابن قاعدة ان من يخضع له ذو حكمة لا يسبر غورها، لأن المطاع والحكمة تلاثما، وان أخطأ فالخطأ حكمة بذاته، ومما يزيد الإشكالية تعقيدا هو تبريرها بانك تخضع الله ذاته عندما تطيع.

كيف تشرح الطاعة عامة؟ كيف تُفهم بالكنيسة أيضا؟ ما غاية الطاعة ولمن تكون؟

الطاعة في المجتمع هي انقياد وموافقة للتنفيذ، فقولنا سمعا وطاعة: يعني إني موجود رهن الإشارة وتحت الامر، وتشرح الطاعة في السلوك البشري” هي شكل من اشكال التأثير الاجتماعي الذي يخضع فيه الشخص لتعليمات أو أوامر صريحة من شخصية ذات سلطة” (1) فهي الامتثال التام لمن تولوا ولاية ينفذ امرها.

هذا المفهوم يقوم عليه كل نظم لحزب ما او تنظيم ما، ونجد ان اشكالية الطاعة في الكنيسة لا تبتعد عن المفهوم السائد والمسيطر في المجتمع خاصة عندما تُرى انها سلطة دينية بالمعنى الضيق للكلمة، وتبريرات الطاعة كثيرة وخاصة كما يقول المطران جورج خضر” من خطايا اللاهوت الخاطئ الذي استعجلته بعض النصوص الضعيفة غير المتزنة او غير المتوازنة والقائلة بايجاز ان تخضع لصاحب المقام لانه يمثل الله وينوب عنه(2) فيخضع المؤمن لصاحب الامر الذي يستمد سلطته من كونه ممثلا لله ونحن ندرك ان الله لم يقم له ممثلا على الأرض لانه حاضر لايغيب (فالقول عن الأسقف الذي اقامته الجماعة: المقام من الله)، وبعض الامثلة عن نصوص تحث على الطاعة وتفهم بغير غايتها، يقول مار افرام السريانى “إذا جلست في طاعة أب روحاني فلا تضع لك حداً فتقول : لا يمكنني أن اعمل هذا أو ذاك” (أي طع مهما كان القول) ، ويقول في موضع اخر: المطواع يرضي الجميع ويمدحه الجميع(2) ، بالإضافة لامثلة من النصوص الكتابية التي تؤكد فيها على ان ثمار الطاعة كبيرة، أليشع النبي كما يعبر الأباء: بسبب طاعته اخذ ضعفي نعمة إيليا، وموسى بسبب طاعته لله غلب فرعون. اما عند الخطأ بتقدير معين يبرر الشيخ افرام ناسك كاتوناكيا: في كثير من الأحيان نخطئ بحكمنا نحن الأباء الشيوخ، لكن ان كنت مطيعا فان طاعتك ستكون لخيرك وليس لضررك لا يمكن ان تحمل الطاعة سوءا، لأنها تشبه بالمسيح ذاته(3)” وحتى مقولة على ابن الطاعة تحل البركة صارت سند قوي تستعمل في وقتها وغير وقتها، فكلما كان الانسان مطيعا كانت البركة اكبر، ولكن لا ننسى ان الغاية ليست الطاعة والولاء الشخصي بل هي وسيلة نستعملها لنحقق غاية اهم هي ان نمتلك حرية أبناء الله، فاذا كان لها الأهمية بذاتها فتكون كل طاعة لاي سلطة، فضيلة.

ان المفهوم للطاعة على انه خضوع دائم نحو من تولى شؤون المؤمنين، يقيد الناس ويحول الكنيسة إلى حزب يلتزم فيه المنتمون لها، الولاء والطاعة لذوي المنصب (اسقف، او اب روحي او….) فتصير أداة سيطرة واستبداد وتحزبات، فما الفرق بين حزب تنتمي له تخضع لقول مسؤوليه، وبين سلطة دينية تذعن الناس اليها، لا فرق، انما تتشكل عندئذ الطائفة التي لها جمهورها.

لكن غاية الطاعة في الكنيسة تختلف كليا عن غايتها في الأحزاب والسلطات، في الكنيسة يعمل الاب الروحي او الاسقف عل ان يقود الانسان إلى حرية أبناء الله، مهذبا إياه ومدربا له على طاعة الكلمة الإلهية، تبدأ الحياة الروحية بلقاء محب للمسيح لاب يساعده على التزام كلمة الله عبر كلمته، فتتهذب مشيئته ويخضع اهواءه، اذا لم تخضع لأنسان تراه كيف تخضع لله الذي لا تراه، ولكن هذه الخضوع هو مرحلة وقتية وهو انتقال من مرحلة الطفولة الروحية الى قامة مليء المسيح.

بداية يطيع المؤمن (اباه الروحي او الاسقف او….)لأنه يربيه على كلمة الله فيهذب مشيئته ويخضع اهواءه، فاذا كنا لا نطيع شخصا نراه كيف نطيع الله الذي لا نراه، فالأب الروحي هو مهذبا ومساعدا ينقلنا من حالة الطفولة الروحية الى قامة ملئ المسيح، يوصل بنيه الى الارتباط بيسوع ويطلقهم له،

فاليشع التلميذ الذي طاع النبي إيليا فاخذ نعمته، صار نبيا جديدا ولم يبقى في حالته الأولى، المسيح علم تلاميذ اثنا عشر فترة وجوده، أما بعد صعوده صاروا رسلا. الطاعة تقود بنينها الى ان يصيروا اباء لا ان يبقوا بنين، ان يصيروا رسلا.

الطاعة الروحية ليس بعيدة عن الطاعة في المنزل الابوي، حيث ينمو الطفل ملتزما كلام ابيه بكل حرف ينطقه، ولكن متى كبر الطفل صار رجلا مستقلا ناضجا حرا صار أبا بدوره

الكنيسة هي محررة لبنيها من قيود الاهواء تزرع فيهم كلمة الله ووصاياه، فهو كنسر يعلم ابناءه الطيران ثم يطلقهم في سماء الله، لذلك طاعة بالنسبة لنا هي وقتية مرحلية تبدأ بحرية تسليم الإرادة لاب روحي لاني اراه ناطقا بكلمة الله، ثم اصل الى حرية أبناء الله فلا اعد احتاج الخضوع كطفل، انما نضوج بالمسيح، وتصير الطاعة الأخيرة للكلمة الإلهية، اما كل طاعة تبقي مريديها تلاميذ هي استعباد.

1. Colman, Andrew (2009). A Dictionary of Psychology. Oxford New York: Oxford University Press. ISBN 978-0199534067.

2.الحياة الجديدة، المطران جورج خضر، دار النهار، طبعة أولى، 2001، ص252

3. القديس افرام السرياني(مقالات روحية وخشوعية)، تعريب الاب افرام كرياكوس، دير مار مخائيل، 2004.

4.الشيخ افرام ناسك كاتوناكيا، تعريب الايبوذياكون وليام الياس خوري، منشورات مطرانية عكار، طبعة اولى2009