“إعلان الفشل”

الأحد الأول بعد العنصرة هو أحد جميع القديسين، رتبته الكنيسة بعد أحد حلول الروح القدس، لأن القديسين هم برهان على أن العنصرة حدث مستمر في التاريخ، وأن الروح القدس فاعل ابداً في التاريخ كما يقول المطران بولس يازجي(1)، والقديسين هم ثمار الجهاد البشري المشترك مع الله، وإعلان قداسة أشخاص في الكنيسة هو إعلان حضور لله في كنيسته وفاعليته فيها، ومن أخرى دليل على قوة عمل المؤسسة الكنيسة على الصعيد الروحي وعمق إثمارها مع لله، إعلان قديس ما، تحقيق العمل البشاري الذي تقوم به الكنيسة أثمر وهي تحصد.

كلما ظهر قديس ما، أشار على فاعلية العمل الكنسي بين الناس، والقديسون هم أحد اهم الدلالات التي نقول فيها للآخر: “تعال وانظر”، ما ننادي فيه ونقول إنه حقيقة، فها هم البشر ذاقوا ثماره وصاروا شركاء قداسة الله.

وهم أحد الركائز التي نستعملها في أي دفاع عن الايمان المسيحي الارثوذكسي بوجه هرطقات كثيرة من شهود يهوا وغيرها، فإعلان قديسين دليل حيوية وفاعلية ليس الروح، إنما فاعلية العمل البشاري البشري، لذلك لا تمر سنة إلا والكنائس الارثوذكسية الأخرى (القسطنطينة، اليونان، صربيا….وغيرهم) تعلن العديد من القديسين، والملفت أن الكنيسة الكاثوليكية والقبطية والمارونية كل عام يعلنون او يطوبون قديسون لهم.

لكن الروح لا يعمل بطريقة سحرية لديهم، ولا يتم إعلان القديسين بطريقة عجائبية، أي الروح لا يتدخل فيجعل قديسين حسب رغبته، ويحول أناس يختارهم دون غيرهم لهذا الأمر، ولا يتم إعلان القديسين عبر ظهور ما، لأحد الرهبان أو الاكليريكين أو المؤمنين ليقول إن فلان قديس فأعلنوه، إنما يتم عبر دراسات لجنة مجمعية تقوم بتمحيص سير اشخاص (علمانين، رهبان، شهداء، اكليريكين..) اتصفت حياتهم بالطهر والنقاء وبعد فحصها وتطابقها لمعايير كثيرة (استقامة السيرة والايمان، القبول الشعبي المحلي أو العالمي لهذا الشخص كقديس….) عندئد يتم إعلان القديسين، لكن رغم أهمية إعلان القديسين في الكنائس الأخرى، فإن غياب القديس المحلي يعلن ويؤكد غياب دور الكنيسة المحلية وله طابع خاص (من قريتي او رعيتي او منطقتي يوجد قديس) وغيابه يعني إننا القداسة لا تأتي منا، بل من عند غيرنا، والقداسة عندنا غير ممكنة، لذلك يأتي السؤال:

أين الكنيسة الإنطاكية من ذلك؟ لماذا لا نبحث بالسير، وبالأخبار عن أشخاص فاح عطرهم فنعلنهم؟ لماذا هناك اشخاص فاح عطرهم، ولكن أَبيّنا إلا أن نبقيهم تحت مكيال التاريخ وفي صفحات الكتب العتيقة، ولا نضعهم على جبالنا فينيروا دروب الناس المثقلة بالظلم والتعب؟ هل الازمة ازمة تصحر؟ ربما لا، لأن هناك وجوه برزت في أيامنا وما قبلها، وجوه من نور بسيرتها ومسلكيتها، ولكن السبب في انحراف بوصلة الإدارة الكنيسة وانشغالها بالكثير من الأمور التي تصرفها عن العمل الأساسي الذي بدونه تصبح المؤسسة الكنسية مؤسسة إدارية لا طعم لها ولا لون ولارائحة، ونؤكد أن هناك طلاق بين المؤسسة وبشارتها، وأن ما نبشر به إنما هو كلام نظري أو أيديولوجية كغيرها، وهذا ما يظهر الكنيسة وكأنها كنيسة ميتة لا روح فيها ولا تنتج ،كنيسة مؤسساتية تأخذ فقط ولا تقدم، تستهلك ولا تزرع ولا تحصد، تعيش في عبادات جامدة وطقوس باردة، وتتلهى في صراعات وعثرات، وأصبحت أمور القداسة موضوع على هامش ولم يعد مطروح، وربما صار غير مرغوب فيه لأن سيرة القديسين تفضح سيرتنا وعيوبها.

أخر قديس أعلن هو يوسف الدمشقي من بعد سنوات طويلة من عدم إعلان قديسين، ومنذ إعلانه لليوم غابت من جديد أخبار القديسين عن منابرنا، وغابت أعمال لجنة القداسة عن المجمع، وخفتت رائحة طيب القداسة، ولا نشم سوى رائحة الخلافات والعثرات والخصومات والتحزبات والمحسوبيات، فيزداد الشقاق ويقل الرجاء بين الناس، ويفقد المؤمنون ثقتهم بالكنيسة وربها، ويتعثرون بدل أن تكون لهم رجاء في عالم الأزمات، لا يشدد الناس ويقويهم في العالم، سوى سير القديسين وإظهار أعمالهم. ماهي الصورة التي نعطيها اليوم عن الكنيسة؟ يقول البطريرك إغناطيوس هزيم “إذا أردت أن تقرأ عن الكنيسة يجب أن تقرأ عن قديسيها، وليس عن أشخاص سياسيين، إن كنيسة بدون قديسين، ليس فيها الروح القدس، وهي بالتالي ليست كنيسة”(3)، فماذا نسمي الكنيسة الأنطاكية اليوم؟

الموضوع ليس هل غاب القديسون عن أرضنا؟ فالله حاضر لا يغيب، لكن لماذا تغيبنا نحن ككنيسة عن دورنا؟ السؤال لماذا لم نعد نعلن نحن قديسين جدد وكأن القديسين صاروا من التراث العتيق وفي سطور التاريخ، وكأننا قلنا للناس الروح عمل في الماضي، والآن ذهب ليستريح، أو نقول إن الله وجد في الماضي كان يخلق فتوقف عن الخلق، وتكتفي بالكنيسة بماضيها، ونعلن أن كل ما كان حقيقة، ما هو إلا نسج خيال وأساطير؟ أو نقول إننا في الكنيسة نشابه حزباً أو مؤسسة دينية كسائر المؤسسات الدينية التي يقتصر دوروها وعملها على إقامة الطقوس الدينية، وتقديم الفتاوى، أليس عدم إعلان قديسين هو إعلان الفشل في دروب التاريخ، و إستقالة المؤسسة الكنسية من دورها؟

………………

المراجع:

1. المطران بولس يازجي، سفر الكلمة، عظات في أناجيل الاحاد والأعياد (الجزء الثاني)، منشورات مطرانية الروم الأرثوذكس حلب،2006، ص147

2. البطريرك اغناطيوس الرابع، نفحات أنطاكية، ص 146