تطرح المقالة أطروحة لاهوتية وتاريخية مفادها أن الكنيسة تمتلك سلطاناً إلهياً يُخولها استحداث وتعديل “الأشكال” والممارسات التنظيمية والطقسية بما يخدم خلاص الإنسان عبر العصور، طالما لم يمس ذلك الثوابت الثلاثة (الكتاب المقدس، العقيدة، دستور الإيمان).
ويناقش النص النقاط التالية:
الفرق بين الجوهر والشكل: المسيح وضع الجوهر وترك للكنيسة حرية تحديد الشكل التنظيمي والطقسي (كالقداس الإلهي، وتطور الرتب).
سلطة الكنيسة والتقليد الحي: الكنيسة ليست كياناً متصلباً بل جسد حي يقوده الروح القدس، وسلطتها هي التي صاغت حدود الأسفار والصلوات ورتب الكهنوت عبر التاريخ.
شواهد تاريخية للتغيير الكنسي: استعراض تعديلات فرضتها الكنيسة عبر الزمن مثل (منع موائد المحبة، تحويل وضع اليد إلى مسح بالميرون، فرض بتولية الأسقف بعدما كانت مسموحة، واستحداث رتب كالرهبنة والمحاكم).
قضية سيامة المرأة: الاستدلال بوجود الشماسات تاريخياً لإثبات أن استبعاد المرأة أو إعادة سيامتها في درجات الكهنوت يدخل ضمن “الأشكال القانونية القابلة للتغيير” مستقبلاً إذا أجمعت الكنيسة الجامعة على ذلك، فما ما لم يكن في الماضي يكون في المستقبل.
كلمات مفتاحية: سلطة الكنيسة، سيامة المرأة، كهنوت المرأة، الشرع الكنسي، التقليد الكنسي، التطور التاريخي للطقوس، سلطان الحل والربط، الشماسات في المسيحية، لاهوت أرثوذكسي، إصلاح كنسي.
المقدمة
تتمتع الكنيسة التي أسسها يسوع بالسلطة الكاملة للتعديل والخلق والتغيير في كل مسارها التاريخي، فلديها السلطة من السيد المسيح الذي أسسها بدمه الكريم، لتعديل وخلق الأشكال الجديدة في مسيرتها لخلاص الإنسان، لكن لا تتمتع بالسلطة المطلقة التي تخولها تعديل ثلاث عناصر: الكتاب المقدس والعقيدة ودستور الإيمان، أما كل ما بقي فلها سلطتها الكامله في تحديد شكله وفق ما يوافق خلاص الإنسان في كل عصر، فواقع كنيسة العهد الجديد مختلف كلياً عن واقع شعب الله أي الكنيسة في العهد القديم الذي أعطاه الله كل شيء الجوهر والشكل الذي يحوي الجوهر، بينما في العهد الجديد الموضوع مختلف كلياً وجذرياً.
عندما صعد يسوع طلب من رسله أمراً واحداً “فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ.” (مت 28: 19)، وقد سبق وأعطاهم سلطان “اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاءِ، وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَاءِ.” (مت 18: 18)، وقال لتلاميذ بشخص الرسول بطرس “وَأُعْطِيكَ مَفَاتِيحَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ، فَكُلُّ مَا تَرْبِطُهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاوَاتِ. وَكُلُّ مَا تَحُلُّهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَاوَاتِ».” (مت 16: 19).
لم يؤسس يسوع على الأرض أي منظومة أو مؤسسة ولم يضع رتب ومراتب ولا نظم وقوانين، بل أعطاهم المبدأ الجديد: الحياة الجديدة في المسيح بالروح القدس[1] أعطاهم الشريعة الأدبية[2]، ومهمة الكنيسة التاريخية هي الإعلان عن ملكوت الله، وأطلقها للعالم لتبشر وتخلص، وتنظم ذاتها وفق المناسب لكل الأوضاع التاريخية، وترك لكنيسته حرية العمل ولم يفرض عليها الشكل الذي يجب أن تعمل من خلاله، لأنها شريك في تدبيره الإلهي الخلاصي إلى المجيء الثاني، فنظمت عملها ونظمت جماعة المؤمنين وفق الشريعة القانونية[3]، فخلقت رتب ومراتب ونظمت حياتها، والسلطان المعطى لها يخولها أن تضع النظام المناسب لعملها، فمثلا يسوع قال اصنعوا هذا لذكري، ولكن لم يضع شكل ولم يضع قوانين هذا ما حددته الكنيسة لاحقاً، المسيح وضع الجوهر والكنيسة حددت الشكل الذي يعبر عن الجوهر، بعكس العهد القديم حيث الله وضع الجوهر والشكل.
لذلك سلطان الكنيسة كشعب الله الخاص فوق سلطة الكتاب المقدس وفوق التقليد، يقول المطران كاليستوس وير “الكتاب المقدس يستمد سلطته في النهاية من الكنيسة، لأن الكنيسة هي التي قررت في الأصل ما هي الأسفار التي تؤلف الكتاب المقدس”[4]، لأن المسيح جاء ليؤسس كنيسة لا ليضع كتاب[5] وسلطة الكنيسة فوق التقليد لأن هي التي صاغته وحفظته وتغذيه، فيقول وعلى الرغم من أن التقليد ثابت داخلياً – لأن الله لا يغيّر – فإنه يتخذ على الدوام صيغاً(أشكال) جديدة ..ومبدأ لتجدد والنمو.. فهو ليس ذاكرة نطقية بل مستقر الروح القدس[6]، فالكنيسة ليست محافظة، فالمحافَظَة تحتفظ بالأشكال المتحجرة من الماضي متغربة عن الحياة، بل تقليدية، فالتقليد يملك الحياة بالاختبار ويبثها بأشكال في الحاضر[7]، وكما أشار أحد الأساقفة في مجمع قرطاجة السنة الـ257: (الرب قال: أنا الحق، ولم يقل أنا العادة أو التراث)
يظهر هذا السلطان مباشرة من قبل الرسل حيث خلقوا خدمة الموائد، وخدمة الأسقف والشماس، وكان يقام كسر الخبز في المنازل، ثم بدأت تتطور الخدم وتتنوع أشكالها[8]، ومنعت الكنيسة فيما بعد الموائد المذكورة في أعمال الرسل[9] وبدلت عوائد الرسل وغيرتها كلياً، فمثلاً بدلت الكنيسة وضع يد الأسقف على رأس الـمُعمَد حسب عوائد الرسل إلى المسح بزيت الميرون بيد الكاهن(الجوهر لم يتغير بل الشكل)، وخلقت رتبة الكاهن ورتبة الخوراأسقف[10]، وأنشأت الأبرشيات وترتيب الأساقفة وصار لدينا رئيس أساقفة وبطريرك ومتروبوليت، وأنشأت ترتيب الأسرار مثل سر الاعتراف وسر الزواج، وأنشأت الرهبنة ونظمتها، وأنشأت المحاكم بينما يسوع نفسه رفض فك النزاع بين اثنين[11]، وبينما يسوع قال الطلاق لعلة الزنى، قامت الكنيسة بمنح ثلاث أنواع من الانفصالات (طلاق، وفسخ زواج، وبطلان زواج)، وصاغت دستور الإيمان وأضافت عليه عبارة (مساو للآب في الجوهر) الغير واردة في الكتاب المقدس، ولغت القبلة السلامية المذكورة في الإنجيل، وغيرت شكل المناولة.
أقصت الكاهن المتزوج عن الأسقفية بينما بولس الرسول يوصي بزواج الأسقف واختارتهم من الرهبان أي من المؤسسة الجديدة التي أنشأتها، رغم أن يسوع اختار متزوجين بين تلاميذه، ولكن عندما رأت الكنيسة أن من المناسب أن يكون الأسقف غير متزوج منعت زواجه، رغم أن علماء القانون اجمعوا على أنه لا يمكن إقامة البرهان على وجود امر رسمي الهي أو رسولي يفرض العزوبة على الأكليريكيين….ويقول “أن كون الدرجة الكهنوتية تعتبر مانعاً حائلا هو قانون كنسي لا إلهي” [12]، وبينما وجدت الشماسات في العهد الجديد وكان مقامها من مقام الروح القدس[13]، وكان تسام الشماسات في الهيكل بوضع يد الأسقف كما يسام الشماس[14]، أوقفت الكنيسة سيامة النساء [15]ومنعت القوانين الكنسية المرأة من دخول الهيكل بل والمناولة ودخول الكنيسة حتى في فترة الحيض.
هذا التغيير والتبديل يأتي بسبب سلطانها كجماعة جسد المسيح والكنيسة هي المسيح نفسه في ملئه الذي يجمع كل شيء[16]، الكنيسة تحافظ على الإيمان المسلم للقديسين وعلى عناصر التقليد، فمن بين العناصر المختلفة المكوّنة للتقليد، يحتلّ الكتاب المقدس مكانة خاصة وكذلك دستور الإيمان والتحديدات لعقائدية الصادرة عن المجامع المسكونية. ويعتبر الأرثوذكسيون هذه العناصر الأساسية في التقليد مسلّم بها ومطلقة وغير قابلة للتغيير أو الإلغاء أو حتى إعادة النظر. أما باقي عناصر التقليد فليس لها المكانة نفسها[17] وبسلطانها المعطى لها من يسوع تُبدِل وتُغيِر الأشكال بحسب فائدة ولخدمة لخلاص الإنسان.
الخاتمة
لذلك من جهة الشريعة الكنسية القانونية فالكنيسة تُقدمية لأنها تستطيع أن تضيف إليها أو تحذف منها أو تجري فيها من التعديل والتبديل ما يلائم وحاجات كل زمان ومكان[18]، إذا اتخذت الكنيسة قراراً بسيامة النساء ضمن درجات الكهنوت أو إعادة اختيار الأساقفة من المتزوجين أو تحديد موعد ثابت لعيد الفصح، أو تغيير وتعديل أي شكل من الأشكال، فاتفاق الرأي في المسكونة يعتبر منزه عن شبهات الضلال ومصوناً بوعد المسيح الرب أن أبواب الجحيم لا تقوى كنيسته[19].
فكما ما كان أيام الرسل لم يكن أو تبدل فيما بعد، كذلك ما لم يكن في الماضي قد يكون حاضراً في المستقبل لأن كلمة يسوع صادقة تماماً “اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاءِ، وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَاءِ.” (مت 18: 18).
[1] الأب جورج فلورفسكي، الكتاب المقدس والكنيسة والتقليد(وجهة نظر أرثوذكسية)، نقله إلى العربية الأب ميشيل نجم، منشورات النور، صـ 76
[2] مجموعة الشرع الكنسي أو قوانين الكنيسة المسيحية الجامعة، جمع وترجمة وتنسيق الأرشمندريت حنانيا كساب، منشورات النور، 1998، ، ص38
[3] الشرع الكنسي، 38
[4] تيموثي وير ، كتاب الإيمان الأرثوذكسي إيمان وعقيدة، ص 17
[5] الأب جورج عطية، الإيمان الأرثوذكسي ك حياة وتسليم ولاهوت، مكتبة البشارة بانياس 2008، ص76
[6] تيموثي وير ، كتاب الإيمان الأرثوذكسي إيمان وعقيدة، ص15
[7] ايروثيوس فلاخسو، الفكر الكنسي الأرثوذكسي، تعريب الأب انطون ملكي، تعاونية النور الأرثوذكسية للنشر والتوزيع، بيروت2002، ص 176
[8] راجع مثلا كتاب علم اجتماع المسيحية من الصفحة 58
[9] الشرع الكنسي، القانون 28 ص224
[10] الشرع الكنسي، ص65
[11] “فَقَالَ لَهُ: «يَا إِنْسَانُ، مَنْ أَقَامَنِي عَلَيْكُمَا قَاضِيًا أَوْ مُقَسِّمًا؟»” (لو 12: 14).
[12] الشرع الكنسي، ص 546
[13] القوانين الرسولية، تعريب الأب جورج نصور، أقدم النصوص المسيحية، سلسلة النصوص الليتورجية(6)، الكسليك2006، ص 79.
[14] كتاب القوانين الرسولية، ص 397
[15] الشرع الكنسي، 95
[16] جورج فلورفسكي، 80
[17] تيموثي وير، صـ12
[18] الشرع الكنسي ص39
[19] الشرع الكنسي، 10