ليس بالبصل يحيا الإنسان

الأب لعازر عبود

أدخلت الحكومة السورية كيلو “بصل” على البطاقة الذكية ثم عندما رأت إقبال الناس كافأتهم بكيلو ثاني، ليس الغرض حتما تأمين مادة غذائية للناس، فلا يشغلها للأسف قوت الناس وخَبِرنا ذلك ألف مرة، ولكن كيف يمكن أن نقرأ هذه الأعمال الغير منطقية أبدا والمثيرة للسخرية؟ بينما نرى الحكومات الأخرى قامت بتأمين رواتب ومنازل وطبابة ومساعدات لعائلاتها.

*. في عام 1474، شهدت مدينة “بازل” السويسرية واقعة عجيبة، حيث تم تقديم ديك صغير للمحاكمة؛ لأنه قام بأمر خارق للطبيعة، وهو أنه “باض بيضة”، فرأى أهل المدينة ذلك كفراً، ولذلك واجه الديك اتهامات بالإلحاد، وقررت المحكمة حرقه حياً؛ فتجمع أهل المدينة لمشاهدة تنفيذ الحكم في “الديك الملحد”.

وفي إيطاليا عام 1519، قدمت الكنيسة للمحاكمة فئران مدينة ستيلفيو، لأنها أفسدت محصول الشعير في أحد الحقول، وحكمت المحكمة على الفئران بالنفي، ولكن، لأن رجال الدين في الكنيسة كانوا عقلاء فإنهم أمروا بحراسة الفئران لحمايتها من القطط أثناء طردها من المدينة، وأن للفأرة الحبلى أو المرضعة أن تنتظر أسبوعين قبل تنفيذ الحكم، وفي فرنسا عام 1750، قُدمت أنثى الحمار، إلى المحاكمة بتهمة ارتكابها الفاحشة مع فلاح، ولكنّ الشهود شهدوا بعفة الحمارة فأُطلق سراحها، وحُكم على الفلاح بالإعدام، وفي السعودية حكم القاضي على متهم بالإعدام بسبب شهادة 12من الجن عليه بالتعامل معهم حيث أُدين المتهم بالسحر على حسب شهادة “الجن”.

*. في بلادنا نرى الغرائب عبر تصريحات وقرارات غير منطقية فمثلا:

قرار بطلاء جرة الغاز بالكحلي خلال ازمة عدم توفر الغاز أساسا، تعيين دكتور بيطري وزير التربية، وليس أخرها أضافة كيلو بصل على البطاقة الذكية وخلق طوابير الذل من أجل كيلو بصل.

في العمق:

*. كانت تؤكد الكنيسة في إيطاليا سلطتها على كل المخلوقات بشرا وحيوانات، وتعلن المحكمة في السعودية قدرتها العظيمة للوصول إلى عالم الجن بالقانون لا بالسحر، وأنها تخضعهم لقانونها.

هذا المحاكمات أو التصريحات، لا تعني أبدا أن الحكومة مجنونة أو غبية، بل تماما تعرف ما تفعل وتقصده، فالقصد تماما هو تجنين الناس، وفقدان ثقتهم بذاتهم، وأن يفقدوا القدرة على التفكير المنطقي المتوزان، لما يجري من أحداث، يصبح التفكير مشوش وغير قادر على استيعاب ما يحدث ليس بسبب صعوبته، بل لأن الذي يرى عملاً أو قرار غير منطقي سخيف لا يقبله طفل، ثم يصدر وينفذ، فيصاب باليأس والقنوط بسبب كيفية تمرير هكذا قرار وإصداره.

الهدف هو أن يقبل الإنسان الجنون تماما ليتوقف عن التذمر، ويقبل الواقع كما هو، ليصير الإنسان عجينة سهلة قابلة لتقبل كل شيء حتى الإذلال على أنه المنطق ذاته، وأن ما يحدث هو لخيرنا، ليسهل السيطرة على الإنسان أكثر، وليصير كما يقول ديستويفسكي سوف يضعون حريتهم عند أقدامنا ويصرخون ” اجعلونا عبيد عندكم ولكن أطعمونا”

ماذا إذاً؟ فلتحذر أولا ولا تصدق وانتصر عليهم

احذر ولا تصدق: صرخ يسوع أمام تجربة الجوع “ليس بالخبز يحيا الإنسان”، وكأنه يعرف كيف يهان الإنسان ويذل عبر أمعاءه، لذلك قال “ليس بالخبز” كان يقول لإنسان: أن يرفض الخيار بين الذل والجوع، فالشبع ليس بالطعام، الإنسان يحيا بالكرامة وحياة عزيزة، فجاء من جعل طوابير على (فحل بصل)، وكأننا في سجون، كل واحد ليأخذ حصته ويعود إلى مخدعه.

أيها الإنسان أنت أغلى من الطعام واثمن من الخبز، أنت أغلى ما في الوجود، إن كان ما يحدث تجربة، لماذا تقبل أن تضع نفسك في مثل هذا، ليس بالخبز يحيا الإنسان بل بالحرية والكرامة، يقول المتنبي ” عش عزيزاً أو مت وأنت كريمٌ…واطلب العز في لظى ودع الذل ولو في جنان الخلودِ”.

إن كان السؤال نحن لا نستطيع أن نغير الواقع، تماما كما أن المسيح لم يغير التجربة بل أجاب عليها “ليس بالخبز يحيا..بل بكل كلمة تخرج من فم الله” لأننا لا نستطيع أن نغير القرارات والقوانين، فالتغيير الحقيقي في بلادنا هو تغيير ما في نفوسنا وطريقة مقاربة الأمور كلها والإجابة عليها.

انتصر عليهم: فنستطيع، لا، بل يجب أن نأخذ موقفا شخصيا، وأن نرفض هذا الإذلال، وان نقول لا نريد، وهنا لا أدعوا إلى صراخ وهيجان بل إلى الصمت والرفض، لئلا نخلق عداوات واضطرابات لأنفسنا، ببساطة عبر عدم شراء هذا الكيلو البصل، وما مثله، وعدم القبول بالوقوف في هذه الطوابير، يجب عدم القبول الشخصي بهذه الأعمال ليس فقط لأجلنا بل لأجل أبنائنا أن نعلمهم أن يرفضوا “قلة الكرامة”، علموهم الكِبر وعزة النفس، ولو على حساب أن يجوعوا فما قيمة الإنسان دون كرامته؟ يقول أنطون سعادة “إنّ الحياة كلّها وقفة عزّ فقط، نحن نبني أنفسنا حياة وحقًا”.