الأب لعازر عبود
تمر هذه السنة الثالثة على ثورة لبنان، التي يرى العديد من الناس فشلها وتأزم الوضع اللبناني الاجتماعي والاقتصادي بسببها، ولكن بقراءة دقيقة وواعية لها نكتشف قيمتها التاريخية الكبرى في العصر الحديث في المشرق، وحجم الزلزال الكبير الذي أصاب قلب النظام الطائفي وفساده، فربما الناس تقيم ما حدث بما تلاها، وضع اقتصادي غلاء فقر، وهذا للأسف غير صحيح، إنما هذا ما كشفته الثورة، فقد تجلى الواقع على أن الرخاء السابق لم يكن سوى وهم وسراب، أي كل شيء مبنى على رمل.
ولكن أليس لهذه الثورة ميزات وإنجازات، وهل نجحت في التغيير، طبعا بدون إغفال إن ما أشعل فتيلها هو سبب اقتصادي واجتماعي.
1. ميزاتها:
أول ثورة تاريخية منذ ثمانيات القرن التاسع عشر منذ بدء تشكل النظام الطائفي، وتجلى ما يجمع ويوحد اللبنانيين وهو انتمائهم للبنان وليس لطوائفهم
ولأنها كانت ثورة بدون قيادة كانت ثورة حقيقة، ثورة لا تريد أن تحكم وتستبدل سلطة بأخرى بل ثورة تريد تغيير حقيقي ينتج الشعب قياداته.
لقد تحرك الجميع برقي ملفت، من خلال فكر وقيم وقناعات أخلاقية وقيم وطنية، ولم يجتمعوا عبر إيديولوجية ما وحزب ما.
ثورة على النظام الطائفي اللبناني، والثقافة السائدة ثقافة التقسيم الطائفي ومحاصصة طائفية، وحدثت في فترة حساسة حيث يتم العمل فيها على ترسيخ النظام الطائفي بدل أن تكون في مراحل نهايته، كما تم الاتفاق بالطائف.
2. إنجازتها:
قامت الثورة على المناخ العام اللبناني السياسي والطائفي والمذهبي كانت ثورة عامة ولم تكن ضد تيار بعينه، واصابت الثورة قلب النظام الطائفي بجانحيه المؤسسات الدينية والأحزاب السياسية المذهبية.
عرت الثورة الكل، فظهر القادة الدينيون بمظهر الحليف الوثيق للسلطة، وستكون القيادات الدينية(الكنسية) خاسرة بالمراحل القادمة إن لم تلعب دورا في بناء الديمقراطية والمواطنة كما كان للكنيسة في أوروبا دور التحول الديمقراطي، وكشفت إن صراعات السياسيين ليس سوى صراع محاصصة وليست لبناء البلد، وأظهرت أن الزعماء أعداء العلن عند، بدء الثورة أصطفوا معا، وتجلى أن المدنية والمواطنة التي أعتقد أنها غير قابلة للتطبيق هي مطلب شعبي، لا تذهب صورة تلك المرأة المسنّة، من مخيلتي عندما سألها المذيع شو مطالبك خالتي، قالت له: بدنا دولة مواطنة، ونكون كلنا متل بعض، وهنا نتكلم عن امرأة مسنّة شيعية من الجنوب.
عرّت كل الأصوات التي نادت بإصلاح من قيادات دينية وسياسية، وأظهرت أن الانقسامات الشعبية ليست سوى وليدة نزاعات يصنعها القياديون ليتحكموا بشعوبهم.
كانت أكبر التجمعات الشعبية في طرابلس في ساحة النور وضمت مواطنين من كل الطوائف والأديان، قال شخص من طائفة مختلفة عن أهل طرابلس: أول مرة بجي إلى طرابلس واكتشفنا أنهم أخوتنا وهمهم همنا.
3. إشكاليات التعاطي
المشاكل فهو بتعاطي معها من قبل الشعب، كان يعتقد الكثير أن الثورة سوف تغيير كل شيء خلال يومين، بينما الثورة فعلت دورها الأول هو فتح باب التغيير، فالثورة لا تأتي بتغيير سلطة إنما تشرع الباب وتخلق واقع جديد، الكلام عن تغير فوري هو بالحقيقة فارغ ولا يمكن أن يتحقق ولا يجب أن يكون أساسا فكل ثورة تغير السلطة وتأتي بسلطة جديدة فورا بدون المرور بمراحل المخاضات الديمقراطية، ستنتج حتما نظام أسوء وأكثر ديكتاتورية، مثل الثورة البلشفية.
أهم ما فعلته الثورة شرعت باب التغير لا بل خلعته، التغيير ليس كزراعة النعنع نأكل منه في اليوم التالي، إنما كالنخيل يزرعه الآباء ليأكل أحفادهم وليس لأبنائهم، التغيير يحتاج لجهد يقول الرب “أعطي دماً وخذ روحا” وهذا ما يؤكده الدكتور عزمي بشارة ” ان ما يحصل في لبنان حالة آنية، لكنه في طريقه لإخراج لبنان من الحالة الطائفية، فما يحصل في لبنان تاريخي بسبب عمق النظام الطائفي اللبناني الذي تحكمه المحاصصة في كل شيء، لكن من الصعب تصور إزالة النظام الطائفي هناك بين عشية وضحاها. ومع ذلك فإن ما سيهيمن في النهاية هو هذا التيار اللاطائفي”.
تكمن صعوبة التغيير في لبنان في توزع مراكز القوة والقيادة لأن النظام طائفي، فهناك قيادات كثيرة وموزعة بحسب الطوائف، لذلك تجربة الثورة اللبنانية هي تجربة جديدة من خلال نمطها وموضوعها فالموضوع في لبنان النظام الطائفي ومعركته ليس بالمدى المنظور ويحتاج إلى العمل من قبل كل إنسان في وظيفته وعمله وفي انتمائه لحزب في تغيير منهجية الأحزاب وتفكيرها وإخراجها من عتاقتها.
المشكلة الثانية محاولة تحويل الثورة إلى حزب أو تكتل، والتعويل بالتغيير على مجموعة نجحت في الانتخابات على تغيير النظام الطائفي، والملفت تقيم فشل الثورة او نجاحها بقدرة مجموعة أعضاء جدد بإجراء تغيير حقيقي فورا، هذا محض خيال، هم فقط استطاعوا وفتحوا باب أن يدخل من هم خارج السلطة إلى مجلس التشريع. الثورة باب والثوار بوابون.
الخاتمة
تسمى بحق ثورة لبنان ثورة وعي، وحققت القول اليسوعي” “وَلَيْسَ أَحَدٌ يَجْعَلُ خَمْرًا جَدِيدَةً فِي زِقَاق عَتِيقَةٍ، لِئَلاَّ تَشُقَّ الْخَمْرُ الْجَدِيدَةُ الزِّقَاقَ، فَالْخَمْرُ تَنْصَبُّ وَالزِّقَاقُ تَتْلَفُ. بَلْ يَجْعَلُونَ خَمْرًا جَدِيدَةً فِي زِقَاق جَدِيدَةٍ».” (مر 2: 22).
وإن مستقبل أيا وطن عبر التغيير، يبدأ بثورة تفتح بابه وتشرعه، ولا تبقى الثورة ثورة إنما تنتقل لمراحل جديدة من التغيير عبر مراحل طويلة، فأوروبا لم تصل إلى ماهي عليه اليوم خلال أيام ولا أشهر ولا سنين أخذت معهم عقود من الزمن، ومرت بانتكاسات عديدة المهم أنها أتت بالمخاض وعلى الجميع أن “يختار المخاض” كما يقول أحد المحامين، وعلى الجميع أن يسقيها كل من مكانه ووظيفته، والله ينمي هذا التغيير، لبنان بوابة لمستقبل الشرق ومستقبل سوريا معها، هي الأهم حيث أنها المفتاح الحقيقي لبناء أوطان مشرقية مواطنية مدنية، هناك أمل أضاء من المستقبل فالقيامة آتية.
