“ابتهلي ان يكتب عبيدك بمصحف الحياة”

كيف نفهم ما نحن ذاهبون إليه أي الفصح كيف نفهم إننا نذهب بمسيرتنا إلى المائدة حيث “العجل السمين فلا يخرج أحد جائعا” كما يقول القديس يوحنا ذهبي الفم وما ارتباط الطعام بالموت والنصر أرموز هي؟ ام كلام أدب ليطرب إذن الانسان؟

لقد رأى الانسان الموت منذ البدء انه فاه جائعة لا تَشبع، فهو يلتهِم ولا يُلتَهم، يأكل ولا يؤكل، يقتل ولا من يقتله أو يفتك به، فكانت الحرب البشر مع الموت حرب ضروس، يبلغ فيها الانسان لا محال إلى احتجاب. فلقد واجهت كل الشعوب والأديان هذا العدو الأخير فأُحبطت وأَخفقت، لأن هذه الحرب غير متكافئة القوة، كان همه الوحيد في مواجهة الموت أن ينتصر هو ويحيا خالداً.

فالفراعنة مثلا بحثوا عن الخلود فجعلوا من قبور ملوكهم جنات من الفن لوحات من الفردوس المفقود ، ويحملون إليها وفي نعوشهم ثياب ملوكية وذهب، ويحفظوهم بالحنوط الى يوم يبعثون فيه الملك حيا، لقد امنوا الخلود حقيقة، ولكنهم حاربوا الموت بان تبقى أجسادهم سالمة من تلف التراب واهتراء الزمن، فصار الانسان عندهم مومياء.

وأما شعوب بين النهرين، فمن يقرأ ملحمة جلجامش لديهم يرى ان الملك جلجامش كان هاجسه ان يبقى خالدا لا يموت، فبحث بكل قوته عن اكسير الحياة، ليبقى بمعزل عن الفساد، ولكن بعد تفتيش طويل، يعود خالي اليدين من دواء الخلود، فينظر سور مدينته الذي بناه عاليا زاهيا، ليقول ان هذا السور لهو افضل طريقة لخلود،  أي استنتج بعد هزيمته أن العمل هو مخلد ذكرى الانسان. فيبقى الانسان لديهم مجرد ذكرى.

 حاولت الفلسفة أيضا أن تحل إشكالية الموت، فقال بعضهم بعد احباطات متتالية كلوا وشربوا فغدا نموت، وقال بعضهم بالتقمص إن الانسان يعيش حيوات متعددة، واليوم نحن نحاول كالسابقين أن نبحث عن الخلود في دنيانا، فالبعض يدفع الموت بالطب لو قليلا ويبعد الشيخوخة بالتجميل عله يعود الشباب، او يبني برجا او تمثالا فيخلد بذكراه، فيقال عن فلان انه خالد وهو فان، او كالأديان المختلفة بالصلاة كمن يركب حصان فيقفز فوق حاجز إلى عالم آخر، او بالولد يترك جزءا من جسده يعيش بجسد ابنه كامتداد له في العالم، فلان من صلب فلان، والبعض يحاول ان يخلد بالكتابة او الرسم والفن أو كتاب

فسواء كان الانسان مؤمنا او ملحدا، يتوق إلى الخلود بطريقة أو بأخرى، يحاول ان يخلد ذاته بطريقته التي تفشل لا محال، فكيف إذاك نأخذ مافشل به الكثيرون؟ كيف نجد ما فشل الحضارات، ونحن ضعفاء تحت المرض والتلف واهتراء الجسد، وأن نبقى ونمتد إلى حياة لا تنتهي ونهزم الموت.

يقول الفيلسوف الألماني فيروباخ “الإنسان ما يأكل” وأجاب هذا الفيلسوف من حيث لايعلم كيف إن وجود الإنسان بطعامه،  الانسان عندما يأكل طعاما ماديا يبقى واياه فيبفنى ،ومن يأكل طعام يسوع يخلد. فالخلود ليست خاصية نمتكلها او نصنعها بقدرتنا، بل هبة من صنع الله لذلك كان الخلود عبر مائدة صنعها الله ونحن في مسيرتنا إليها الآن في هذا الصوم.

 في مسيرة الصيام  الكبير نعتقد دوما إننا فقط خطأة ونحتاج إلى مغفرة لذلك نصوم، ولكن هذا هو بدء الكلام، وبدء العمل الروحي فنحن نصوم عن الطعام المادي الذي يبقينا محفوظين في التراب ويبقى الجسد المادي في تحرك نهايته الموت،  نحن نصوم لكي نصل إلى المائدة الفصحية حيث يسوع هو العجل السمين  فنصير وإياه في مصحف الحياة.

إننا نوجهه للعذراء مديحا لتعيده إلينا شوقا، وكأنها تقول إن أردتم الحياة فخذو ابني طعاما لكم وشرابا فتصيرون مثلي معه، ترياق الحياة هو يسوع الذي نبحث عنه جائعين، فغاية الحياة المسيحية هي الخلود.

 مسيرة الصوم توضح لنا إننا جائعون لوجه يسوع. الذي لم يصبح مثلنا بشرا فقط بل صار لنا طعاما لأنه يعرف إننا جوعى دوما، ألم يسقط الإنسان بسبب الأكل؟

 من أراد الحياة يلتصق بمن هزم الموت وحطمه ويتحد به ويصير واياه جسدا واحدا، عندما قال الفيلسوف إن الانسان ما يأكل” أي يصير الانسان جزء من طعامه، ونحن المسيح طعامنا، يحولنا إليه،  فنغدوا نحن إن أكلناه هو، ويسكن هو فينا، فيصير الموت فينا عبور وإلى زوال.

 أليس من يشرب الخمر يصبح سكيرا وهكذا من يشرب يسوع يصير يسوعَ، يجب ان نقرأ “مأكل جسد ابن الانسان ودمه” بطريقة أكثرا عمقا فلست فقط لمغفرة الخطايا بل لأبعد بكثير.

فلا تدعوا يا احباء العالم هذا القاسي الغارق بحروب وقساوة العيش واضطرابات وهموم معيشية ان يسلب منكم غاية الحياة، لا تدعوا المجتمع يخدعكم بأن الخلود يكون بالسلطان او كثرة المال او المجد والقوة فكل خالد بها زائل، ان من شاء ان يكون حيا إلى الابد ينصت إلى يسوع الذي قال وهو الصادق “إن اكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد” فالتصقوا به وصلوا حتى نبعث مع المسيح قائمين في الخلود، كما هو قام خالدا وسيقوم بعد حين، امين.