المسيح قام
وصلنا إلى هذا اليوم، بعد رحلتنا الطويلة مع يسوع، حيث نكتشف في هذا اليوم، إن ما نبحث عنه لم يكن بعيد عنا، وما نريده بين أيدينا، وبعد هذه الرحلة المليئة بالتساؤلات، والعبارات والآهات والدعاء، نقف نسأل أنفسنا، عن ماذا أبحث؟ وماذا أتيت أطلب؟
يبحث البعض عن سلطة، وآخرون عن نجاح، وأخرون يركضون وراء الشهرة، وغيرهم عن أمان، ويعتقد البعض إنه وجد ضالته عندما يؤمن فيؤدي واجبات دينية تعطي طمأنينة، فيصومون كواجب، والبعض يبحث عن غفران الخطايا، والبعض يبحث عن جوهرة مفقودة، كل منا يبحث عن شيء يحاول أن يجده، ومهما اختلفت المحاولات يبقى في داخل الإنسان عطش عميق لا يرويه شيء، إنه حنين إلى الوطن الحقيقي، وهذا الوطن هو الجوهرة التي يبحث عنها كل منا، وهذا الوطن: هو الآب.
منذ ابراهيم، عندما ناداه الله قائلاً هلم فأريك، فخرج ابراهيم وراء كلمة الله يبحث عن أرض الموعد، وعندما أخرج الله العبرانيين من مصر لم يخرجهم من أرض إلى أرض، ولا من جغرافية إلى أخرى، كما ظنوا، بل كان وطنهم يرافقهم لأربعين سنة ولكن ظنو أن الأرض التي وعدهم بها الله هي جغرافية، وهذه الجغرافية هي أرض في الشرق، إن أرض التي تدر للبن والعسل، والوطن الجديد الذي بحث عنه الكل ولم يجدوه، هو الآب، يقول القديس اغسطينوس ” خلقتنا يا ألله ميالين إليك ولن نرتاح إلا بك” هذا الشوق الإلهي الذي يطلقه القديس اغسطينوس، هو بالحقيقة السبب الذي يجعل الإنسان يتبع يسوع، لأن يسوع ذاته هو الطريق والحياة، إن الشعب القديم بحث عن أرض، ونحن نبحث عن الشخص الذي يكون هذا الوطن الجديد.
في العهد القديم ارتبط مفهوم الوطن بأرض يسكنها الشعب، ولكن لم يرتاح الشعب القديم في أرضه ولم تكن مقراً حقيقياً بل كانت مكان نزاع واحتلال وخصومات وبالنهاية خسرها وهجرها، الأرض تذهب وتضيع وقد تحتل، وتُهجر، لقد أضاع الشعب القديم عمره بحثاً عن أرض وجغرافية الموعد، وخسر في النهاية كل شيء، لأنه ضل السبيل، أما اليوم فيسوع يقودنا ليكون خروجنا ليس من مكان إلى آخر، بل من مكان إلى حضن، من مكان إلى شخص، من وجه الأرض إلى وجه الله.
يرى كثيرون المسيحية دين من الأديان، أو نموذج أخلاقي مثالي، أو قيم إنسانية عليا، أو دين يتفوق على باقي الأديان بوصاياها وما فيه من جديد، هذه كلها كلام بشري، من يرى المسيحية بأي نموذج من هذا مازال يحيا بعيدا عن وجه يسوع، فالمسيحية هي المجال الذي فيه نبحث عن مقرنا الأخير، حيث يصير الله ذاك المكان الذي تصل إليه رحلتي، وأستقر فيه، المسيحية ليست مجموعة قوانين لنسير عليها، بل هي شخص نسير معه، وليست هدفاً نصل إليه، بل خبرة نعرف من خلالها إننا وصلنا حقاً.
جميعنا سنظل في بحث دائم عن هذا الوطن، وقد نضل السبيل كما ضل الشعب القديم الذي اعتقد إن الله يريد أن يعطيه أرضا يسكن فيها، بينما أراد الله أن يجعل من نفسه وطن الإنسان الجديد، لذلك يقول القديس باسيليوس الكبير ” لا تبحث عن الله خارج نفسك، بل هيئ لنفسك وطنا داخلياً يستحق أن يحل فيه ملك المجد”.
كيف يصير الآب هو هذا الوطن؟ عندما أفهم أن يسوع هو العريس، هو عريسي، الذي تشتاق إليه نفسي، وتتوق إليه، عندما أطلب أن يحيا فيا، وأحقق ما قال بولس الرسول، لست أنا أحيا بل المسيح يحيا فيا، عندما يقول العاشق لمعشوقه، بموت فيك؟ هذا الكلمة مهما كانت عدم منطقيتها، ولكنها في العمق تحمل دلالتها الوجودية، أريد أن أنتهي بك، وتصير أنت مسكني الأخير حيث أسكن أعماقك، وهذا بالحقيقة ما حققه القديسيون، فتقول طروبارية الشهيدات ” نعجتك يا يسوع تصرخ بخوف عظيم قائلة: نعجتك يا يسوع تصرخ نحوك بصوتٍ عظيم قائلة: يا ختني إني أشتاق إليك وأجاهد طالبةً إياك، وأُصلّب وأُدفَن معك بمعموديتك، وأتأَلم لأجلك حتى أملك معك، وأموت عنك لكي أحيا بك. لكن كذبيحة بلا عيب تقبَّل التي بشوقِ قد ذُبحت لك” هذا يذكرنا بسفر نشيد الأنشاد عندما يصرخ العاشق فيه ” أنا لحبيبي وحبيبي لي”(3:6).
كل رحلتنا الماضية من أحد الأرثوذكسية إلى اليوم، كانت الدخول مع يسوع خطوة بخطوة إلى هذا الوطن، لم نأتي لنصير تلاميذ مجتهدين، أو فلاسفة، أو أذكياء، بل لكي يقودنا إلى وجه الآب، أن يُعيدنا إلى الآب الذي خسرناه بخطيئتنا، يقول القديس اغناطيوس الأنطاكي ” ليس في داخلي نار تحب المادة، بل ماء حي يتدفق في داخلي قائلاً: هلم إلى الآب”.
اليوم في هذا الفصح، افرحوا وتهللوا، فالمسيح قد قام، وقد وجدنا طريقنا، فمن وصل فليفرح فقد نال غاية قلبه، ومن مازال في الطريق فليفرح، لأنه سيصل بعد حين، ومن لم يعرف الطريق فليفرح، فها هو يعرف الطريق الآن، افرحوا كيفما كنتم، افرحوا، فالمسيح قام وها هو يقودنا إلى وجه الآب، المسيح قام وصار هو عريسنا، المسيح قام، وعاد الآب وطننا.