يطرح النص الإنجيلي اليوم، المعيار الذي يضعه المسيح للعلاقة بين الإنسان والآخر، وهذا المعيار مستمد من سلوك الله معه، فالعبد اليوم كان مديون للملك بقيمة عشرة ألاف وزنة وبقيمة اليوم مئات ملايين الدولار، فسامحه سيده عندما توسل إليه، وكان عبد آخر مديون لهذا العبد بمئة دينار، أي بألف دولار اليوم، فلم يسامح رفيقه بل أودعه السجن وطالب بدينه. الفارق المهم هنا إن الملك لم يترك الدين فقط، بل حرر العبد، أي إن نظرة الملك للعبد لم يعد يراه إنسانا مديوناً، بل إنسانا حراً، ويعامله على هذا الأساس، بينما هو، لم يحرر صديقه، ولم تتحرر نظرته لهذا الصديق.
تعود قساوة هذا العبد وعدم رحمته لصديقه، إلى غياب تقديره لعطية الملك، فعندما نظر إلى دينه الضخم تجاه الملك، اعتبره مبلغًا بسيطًا بالنسبة له، يمكن لملك يملك الأرض وما عليها أن يتغاضى عنه.، فرأى أن غفران الملك أمر مسلم به، ولكن حين تعلق الأمر بدينه، رأى أنه عبد فقير وهذا المبلغ له يشكل فارق كبير بحياته ولا يمكن أن يتغاضى عنه، فتعامل مع رفيقه من منظوره الخاص، لا من منظور وسعة كرم الملك الذي غفر له.
هذه هي تمامًا إشكاليتنا مع الله: عدم الحس تجاه عطية الله في حياتنا، فنحن نستسهل عطايا الله الواسعة لأنه “القادر الغني” الذي يعطي بسخاء، لكننا حين يساء إلينا، نشعر بأننا بشر ضعفاء لا نتحمل الإساءة ولو كانت بحجم “إبرة”. وبدلاً من أن نعامل الآخرين بروح الرحمة التي نلناها، نتعامل بمنطقنا الضيق وعجزنا الظاهري.
وهنا تأتي عبارة يسوع القاسية هكذا يصنع الله معكم، والمقصود هنا ليس أن الله يقلد قسوتنا، بل إن الإنسان الذي لا يغفر يضع نفسه بملئ إرادته خارج رحمة الله، وسيعاملني كما أعامل الآخر، الله يعاملني كما يجب أن أعامل الآخر، ويحاكمني كما أحاكم الآخر، فلنختر كيف نود أن ينظر إلينا الله.
وهنا نتسائل: هل يطلب منا أن نغفر بنفس قدرة الله؟ هذا السؤال قد يربكنا فعلاً، فيقع الإنسان أحيانا بإشكالة العطاء بلا حدود فيخسر، لكن معيار يسوع ليس أن نقلد الله بالكمية أو القدرة الذاتية، بل في طبيعة الفعل، فليس المهم هل سامحت بدولار أو ألف، المهم الفعل بذاته. وليست واجباً شاقاً نؤديه، بل هي انعكاس طبيعي لمن ذاق طعم الغفران الإلهي؛ فمن يشعر أنه وُلد من جديد بفضل سعة رحمة الله، يصبح من المستحيل عليه أن يظل قابضاً على رقبة أخيه بسبب خطأ بشري عابر.
من ناحية ثانية، يرى البعض وقد يكون محقين، نحن ليس لنا القدرة كالله أن نقبل من جديد المخطئ إلينا، فلا يمكننا أن نعيد العلاقة لطبيعتها الأولى؟ هذه إشكالية تحتاج إلى حل؟ الإنجيل ليس مثاليات غير قابلة لتحقيق، ولا يضع علينا أثقال تجعلنا ننهار تحتها، فالمسامحة لا تعني أن أعطي الثقة لشخص فشل في حملها، بل تعني أن أغفر له خطيئته تجاهي، وانساها وأطلقه حراً كأنه لم يخطيء، إن مشكلتنا كمسيحيين نرى الإنجيل وكلام يسوع خيالي أو مثالية أفلوطونية، كما يقول البعض الإنجيل للملائكة والعصافير، لذلك خسرنا كلام يسوع، لأننا لم نستطع أن نراه كمعيار، وفشلنا بفهمه.
فالإنجيل لا يطالبنا بأن نستقبل الذي أخطأ إلينا بأحضان مفتوحة ومحبة جياشة متجاهلين جراحنا ومشاعرنا البشرية، بل يطلب منا ما هو أعمق وأصفى: أن ننقي قلوبنا من سموم الحقد والكره ورغبة الانتقام، وألا ننتظر أن يدفع الآخر ثمن خطيئته تجاهنا، بل أن نطلقه حراً، ونصير أحراراً في داخلنا.
أما شكل العلاقة الخارجية ومآلها، فيحكمه واقع الإنسان وقدرته وما يراه مناسباً لحياته؛ فهناك علاقات قابلة للترميم والعودة لسابق عهدها، وأخرى تنتهي تماماً، وثالثة تتخذ شكلاً جديداً ومختلفاً، شكل العلاقة محكوم بالقدرة البشرية والواقع، أما المسامحة والغفران فمحكومة بالمعيار الإلهي المذكور في الإنجيل.