بعدما لاقينا يسوع الأسبوع الماضي وسألناه أين تمكث يارب، وأردنا أن نتبعه، يأتي هذا الأحد، لنبدأ فيه التلمذة على يديه، لكن التلمذة مع يسوع، يعني أن نغير تفكيرنا، ونغير أذهاننا، ونغير أيضا معاييرنا وقيمنا، نغير نظرتنا لكل شيء، التلمذة ليست ادعاء إننا أتباع يسوع، فها هو يهوذا مثلا كان من أتباعه، ولكن لم يتتلمذ على يديه، التلمذة هي أن يصير التلميذ صورة معلمه، هي عملية تغيير الكيان، نقول بالعربي، هذا ابن أبيه، أي صورة عنه في سلوكه وكلامه، يسأل القديس باسيليوس الكبير ” ما هي سمة تلميذ المسيح؟ هي أن يتمثل بكل ما يراه في المسيح، كما يطبع الختم صورته على الشمع اللين”[1]
يجب أن نفهم من هذه اللحظة كيف نتتلمذ على يد يسوع؟ التلمذة ليست أن نسمع الكلام، أو نسمع الوعظ، “فتلمذة الرسل لم تكن سماع يسوع بل كانت حياة شركة، أكلو معه شربوا معه، مشوا معه، ورأوا الله فيه ظاهراً في الجسد، لكي يتعلموا كيف يكونوا هم أيضاً أبناء لله” كما يقول القديس كيرلس الاسكندري.
كيف نأكل نحن ونشرب معه ونأكل معه ولا نراه:
يقول متصوف:
والله ما طلعت شمس ولا غربت إلا وحبك مقرون بأنفاسي
ولا خلوت إلى قوم أحدثهم إلى وأنت حديثي بين جلاسي
ولا هممت بشرب الماء من عطش إلا ورأيت خيال منك في الكاس
لذلك يأخذنا هذا الأحد مع القديس غريغوريوس لنغير كل مفاهمينا، يأخذنا هذا المقام لفهم طبيعة العلاقة مع يسوع، أي أن ندرك كيف يجب أن نفكر كما يفكر يسوع، فطبيعة العلاقة دائما يحددها كيف نفكر بــ، والتغير هنا ، تغير أعماقنا الداخلية، فلا نعد نفكر بمنطق وعقلانية العالم، بل بعقلانية ومنطق الله، فيصبح معيار الله هو المعيار الذي تسير وفقه حياتنا.
واجه القديس غريغوريوس خطر تهديد الحياة المسيحية من العقلانية المحدودة، هذا الخطر الذي تبين من الخلاف بينه وبين برلعام، على طريقة التعامل مع الله وجوهر العلاقة في عبادته والعيش معه والسير إليه، فكانت إشكالية تكمن بأن نحلل كل شيء عقلانياً بمنطق رياضي.
يتغير اليوم بالنسبة لنا كل المفاهيم ومعايير التعامل، فالخطيئة ليست مخالفة وصية الله، وكأنها تعد للوصية الإلهية، وهذا التعدي كأنه إهانة لله، وكأن الله هو المتضرر، الخطيئة، كما يعرفها القديس بالاماس، هي رفض أبوة الله، رفض المحبة الأبوية، ورفض النعمة الإلهية، في مثل الابن الضال، أخطأ الابن بحرمان أبيه منه لا باقتسامه الميراث وتبذيره، من حرمانه من وجوده كابن بين أحضانه، لذلك كانت المغفرة لا بتكفير ذنوبه، بل بالعودة إليه، إلى مقامه الأول كابن، واستعادة كرامته التي شاء أن يفقدها، الله هنا لم يُهان، بل تألم صار موجوعاً، يمكن أن نقول هنا إن الله جعل ذاته قابلا للألم.
الخطيئة ليس المعصية، بل التجاهل، مشكلة آدم، لا تكمن في عدم طاعته للوصية وتنفيذها، بل بقدر ما مشكلته أنه أراد أن يفكر ويخطط ويحيا بمعزل عن الله، أن يصير مرجع لذاته، أن يكون معيار لنفسه، والغفران يتحقق عندما يعود الإنسان إلى الله، فالحياة المسيحية ليست أن نعترف بوجود الله، فحتى الشياطين تؤمن وترتعد، ولكن أن يكون الله فينا، محركنا، أي أن نحيا ونتحرك به، والحياة معه ليست معلومات عنه، بل خبرات معه، فبرلعام نموذج خدعة الدين كمعرفة، بينما القديس بالاماس يمثل خبرة الدين كحياة.
اليوم نتعلم كيف نتتلمذ ونتبع يسوع، أن نقول على أنفسنا مسيحيين فهذا لا يعني إننا رسل المسيح، أن نكون رسل يعني أن نستطيع أن ترى الناس وجه يسوع فينا، ونعكس قيمه وتعاليمه في المجتمع.
الإنسان يحيا بالنعمة الإلهية، وكل نعمة آخرى يبقي الكسيح كسيح، ولا يقيمه ولا يشفيه، فالنعمة الإلهية تجعلنا نحيا كآلهة، والحياة كآلهة، لا تعني أن نحي كسوبر مان، بل أن نحيا كأخوة للمسيح، لا وفق موازين عقلانية لأبناء هذا الدهر، بل وفق إيمان بمسيح يُبطل لدينا النقاش وفق سردية أهل العالم، لنحيا ضمن سردية الله ذاته.
[1] كتاب الأخلاقيات moralia roll 80