العرس في الإنجيل اليوم مثير للاهتمام، وغريب، ملك يجهز عرس لابنه، ويرسل عبيده ليدعو بعض الناس إلى هذا العرس، فيرفضون القدوم، ثم يرسل عبيده ثانية ليخبروهم بأن كل شيء جاهز للعرس، الطعام والشراب، فيستهينو بالدعوة، البعض يذهب للتجارة، والبعض يذهب للزراعه، والبعض الآخر يقتل هؤلاء العبيد، فيقوم هذا الملك بمعاقبة قتلة خدمه وحرق مدينتهم
ما يثيرني في هذا الجزء، هو استهانة هؤلاء الناس بدعوة الملك، أليس مثير للاستغراب، كيف تعاملوا مع ملك، بينما العادة، الكل يسارع لطلب رضى أصحاب السيادة والمعالي، هنا بالعكس، هذا الملك ذو السلطة والسيادة، دعا مجموعة من الناس، فاستهانوا بدعوته، يعني استخفوا، طنشوها، أهملوها، والاستخفاف بالدعوة يعني استخفاف بمرسلها،
إنه لأمر غريب، أن يستخف البشر بدعوة ملك، لماذا؟ كيف؟ اليوم إن دعانا من يملك القليل من المال نذهب فرحين، بينما هم استهانوا بدعوة ملك، هؤلاء المدعويين هم من طبقة الأغنياء، فمنهم تجار ومنهم مُلاك أراضي، ومنهم ذو سلطة، قتلو عبيد الملك، فهؤلاء المدعويين هم من يمتلك مصدر مادي ومنهم يملك السيادة، لديهم استقلالية كافية تجعلهم يشعرون باكتفاء ذاتي، أما الآخرون فلم يرفضوا فقط، بل قتلوا العبيد، هذا القتل هو رفض لا فقط لدعوته بل رفض لسيادته، رفض له.
من عادة الملوك أن يدعو لأمرين، دعوة لمائدة الملك وهي مائدة سياسية، أو دعوة لعرس ابنه أي ولي العهد.
دعوة لمائدة الملك هي دعوة خاصة لتناول الطعام على مائدة الحاكم، مائدة المُلك، ومشاركة هذه الدعوة يعني إظهار حظوة وتقارب من السلطة، ويعني إن المدعو هو مقرب من الملك وذو مكانة، أما دعوة لعرس هي دعوة عامة، تلبيتها غير مرتبطة بالسلطة والمكانة السياسية، بل مرتبطة بعلاقة فرح، لا تحمل أي فائدة، لذلك ذهبوا لتجارتهم وأراضيهم، بينما المجموعة الأخيرة ليس فقط رفضت بل قتلت عبيده، وهذا يعني تحدي لسلطة الملك، هو قدم دعوة سلامية لعرس وفرح، هم واجهوها بالقتل، هذه المجموعة أكثر الناس حمقا وغباء، لم يكن الملك في حالة حرب معهم، لكنهم عاملوه بمنتهى العداوة، لذلك دمر مدينتهم وقتلهم.
استهانوا لأن هذه الدعوة للعرس دعوة عامة، وليست دعوة خاصة، ليس فيها تقرب من السلطة والنفوذ، بل مشاركة بالفرح، هي دعوة عامة لكثيرين، دعوة لا يجنوا منها فائدة لمراكزهم، برفضهم رآهم الملك غير مستحقين، لأنهم كشفوا عن دواخلهم، لا يهتمون بشأن المَلك، بل بشان المُلك
الملفت بهذا المثل إن الدعوة التي يرويها يسوع دعوة إلى عرس وليس دعوة لمائدة الملك، ليوضح لك، إن المكسب في هذه الدعوة هي الملك نفسه هي يسوع، وليس ما يعطيه الملك، فتصير الدعوة نفسها هي الجائزة.
في القسم الثاني يطلب الملك من عبيده أن يدعو كل من يجدونه في الطرقات، فدعوا كل من صادفوه من أشرار وصالحين، انظروا لم يقل فقراء ومشردين، بل قال أشرار وصالحين، ثم يرى الملك رجل لم يكن يرتدي لباس العرس، فسأله كيف دخلت ولم تردي لباس العرس؟ فسكت، فأمر الملك أن يرمى هذا الإنسان خارجا.
ما الفارق بين هؤلاء الأشرار والصالحين وبين هذا الإنسان، هل وحده غير مستحق بينما باقي الأشرار الذين لم يرميهم خارجاً مستحقين؟ الفارق إن هذا الإنسان جاء إلى العرس بدون استعداد، أما الباقي رأوا دعوة من الملك فقالوا في سرهم: يدعونا الملك إلى عرس ابنه فلنرتدي ونستعد، والاستعداد ليس بنوع الثياب، بل بطريقة الاستعداد، فهو استهتر، ذهب للعرس وكأنه ذاهب للعمل، ولسان حاله يقول: وزيادة على هلملك هتياب.
أما الفارق بين المجموعة الأولى فتلك المجموعة لم تكن مستحقة وهذا الإنسان لم يكن مستعد، إن الأولى استهانت بالدعوة فرفضت، لا فائدة تجنى منها، أما هذا فاستهان بالداعي، ولم يستعد ليكون في عرس الملك فعامله الملك كما عامل الذين قتل عبيده بقسوة.
ونحن في هذا المثل من نشبه، قد نشبه المجموعة الأولى أو القتلى أو هذا الإنسان، قد يقول البعض ماذا نجني إن تقربنا من الله إن صلينا وصمنا وقرأنا في الإنجيل، هل نربح مالاً أو هل نزداد ثراءً ماذا نجني من تفرغنا للصلاة وللعلاقة مع الله ولتلبية دعوته، ، قال لي يوما رجلاً: هاهم غير المسيحيين ينجحون ويربحون بتجارتهم ويصيرون أغنياء، لماذا يجب أن أصلي، ماذا يفيدني هذا الإله؟
قد يجيب على السؤال سؤال آخر: ما الفائدة الذي تجنيها عندما تتزوج من تحب؟ هل تزداد غناً أم تزداد علماً؟ لا بالعكس قد نزداد فقراً ومسؤوليات ومصاريف، مالفائدة من الزواج مِن مَن أحب؟ أن أتزوج من أحب، لذلك نحن نلبي دعوة يسوع لأنها دعوته هو، نريده هو، لا لفائدة نجنيها، بل كثيراً ما أخبرنا يسوع إن من يتبعه سيتألم مثله. ولكن من يقبل دعوة يسوع لا يأخذ منصباً في مُلك، بل يأخذ يسوع نفسه، وهو لا يدعوك لتكون لحضور العرس، بل لتصير أنت العروس لعريس هو يسوع
فلنفكر اليوم هل نقبل دعوة الله، لأن الله يدعونا أم ننتظر فائدة، هل ننتظر من الكنيسة فائدة ومصلحة وثمار مادية؟ لنأتي إليها وننتمي لها، السؤال الذي يحدد حقيقية، هل نقبل دعوة الله، هو أين قلبنا؟ يضعنا هذا المثل أمام مرآة صادقة، لا تجمل وجوهنا، بل تكشف دواخلنا ونوايانا، إن الدعوة الإلهية ليس دعوة لمائدة الـمُلك بل دعوة عرس الملك، والدعوة الإلهية ليست عقداً تجارياً ولا وظيفة ولا منصب، بل هي عرس وعلاقة حب فائقة بين الخالق والمخلوق.
لنفكر هل نقبل الدعوة؟