الأحد الأول من الصوم هو أحد الأرثوذكسية، وإن كان هنا المعنى السائد إنه أحد انتصار الأرثوذكسية استقامة الإيمان ورفع الأيقونات، لكنه حتما لا يعني ابدا انتصار بالمعنى الذي نعرفه، الأحد الأول من الصوم، هو أحد اللقاء بيسوع، حيث يصرخ التلميذ “«قَدْ وَجَدْنَا مَسِيَّا»” (يو 1: 41)، وجدنا المسيا لا تعني وجدنا شخصاً، بل وجدنا “الحدث”، وجدنا غاية الإنسانية، التي تجوع وتعطش لمن يروي لها ذاك العطش الأبدي العطش إلى الألوهة، التي هي بالنسبة لنا نسمة الحياة، يقول القديس اغسطين “خلقتنا لك يا رب وقلبنا لن يرتاح حتى يستقر فيك”.
الأحد الأول هو أن نجد الرب في بداية رحلتنا، لنستمر معه، أن نجد ما نتوق إليه في العمق، إن لم نجد الرب فكيف نبحر في عوالمنا الجديد، إن لم نجد الرب سنخوض رحلة مع أهداف وغايات أخرى، و نحن نسعى كبشر إلى غايات كثيرة في دنيانا (مال وراحة ورفاهية وجنس وسلطة وألوهة)، الإنسان يعطش إلى الألوهة هذا البحث الدائم لم يأتي من فراغ، فكل منا يبحث عن ما يروي عطشه، ولكن وإن نلناها بالمال والسلطة والجنس، نظل بالعمق عطشى، فكل ما نناله نسعد به ثم نمل منه، لأننا عطشى إلى الفيض العميق، ولأن الإنسان إن لم يشبع، لا يحاول البحث عن وجه الله، يلهث أكثر وراء المال والسلطة والجنس وغيرها، ويظل كمن يشرب من ماء مالح، يعطش ويشرب ولا يرتوي، الإنسان تائه بدون وجه الله.
ولا يتحقق فيه اليقين إلا في رؤية الله، لذلك سترتفع اليوم أيقونة المعلم أولاً، لتوضح لنا أنه هو غايتنا “وجدنا المسيا” هو “وَجَدْتُ مَنْ تُحِبُّهُ نَفْسِي” (نش 3: 4)، وجدت عطشنا الأبدي، وما سنراه اليوم، أي وجوه القديسين في الأيقونات، هو التجلي الأخير لنا، رفع الأيقونات ليس انتصار سياسي في وجه محاربة الأيقونات، بل إعلان إن هؤلاء الذين نظروا وجه يسوع، صاروا هم وجه الله المطل علينا، يقول المطران بولس يازجي “المسيح، هو من نسعى إليه، ومن نشتهي أن نراه. هذا هو الموقف المسيحيّ للحياة. وحين ارتفعت صورة المسيح وصور قديسيه عالياً في المجمع السابع (842 م.)، ارتفع معها هذا الهدف واضحاً. والأيقونات المرفوعة في المنازل والكنائس… ما هي إلاَّ إعلان هذا الهدف والتزامه.”
لذلك السؤال في هذا الأحد بعد أن عرفنا أن يسوع هنا، وصار قريب منا، نسأله “«رَبِّي، أَيْنَ تَمْكُثُ؟»” (يو 1: 38). هذا السؤال لنرتحل مع يسوع، ونسمعه يقول “«تَعَالَ وَانْظُرَ»” (يو 1: 39)، اليوم تبدأ هذه الرحلة مع كل إنسان منا، رحلة نسلم فيها أنفسنا له، بدون نقاش، نتبعه بدون تفكير بالآتي.
والسؤال الذي سيطرحه كيف سنخوض هذه الرحلة مع يسوع، ونحن لا نراه، هذه الرحلة مع يسوع، ستبدأ فيك، أنت، في داخلك ستشكف يسوع، ويرشدك إليه، المخدع الداخلي والمخدع الخارجي هما مفتاحا هذا الطريق، المخدع الداخلي القلب، والمخدع الخارجي الخلوة حيث يختلي الإنسان بذاته، ويلاقي هناك الله بسكينته الداخلية.
يحتاج كل واحد منا لأن يبحر مع يسوع في الهدوء والصلاة وقراءة الإنجيل، هذه الثلاث هي أسس رحلة مع الرب، بالإنجيل نسير معه كالرسل نتعرف عليه نلتقي فيه، نرى كيف يخاطب الناس كيف يحاجج الفريسين والكتبة، كيف يدافع عن المظلومين، نراه كيف ينسحب تارة من مواجهة الفرييسين ومرة أخرى يظل ويواجههم، الإنجيل هنا هو حيث سنوجد، أي الساحة التي نكون فيها مع الرب.
وبالصلاة نتحد فيه ونخاطبه، الصلاة هنا ليست أدعية ودعاء وطلبات، بل هي اللحظات التي سنخاطب فيها يسوع، كحبيب نجري خلفه، كما يقول نشيد الأنشاد : ” أَجَابَ حَبِيبِي وَقَالَ لِي: «قُومِي يَا حَبِيبَتِي، يَا جَمِيلَتِي وَتَعَالَيْ، لأَنَّ الشِّتَاءَ قَدْ مَضَى، وَالْمَطَرَ مَرَّ وَزَالَ…، أَرِينِي وَجْهَكِ، أَسْمِعِينِي صَوْتَكِ، لأَنَّ صَوْتَكِ لَطِيفٌ وَوَجْهَكِ جَمِيلٌ ..ارْجِعْ يَا حَبِيبِي” الصلاة ليست فقط طلب، بل هي مناجاة من تحبه النفس، مناداته بكل لحظة، تعال أيها الرب يسوع، تعال يا من تحبه نفسي، وخذني فنرتقي.
اليوم هو أول أحد رحلتنا مع المعلم، هو الأحد الذي نطلب فيه يسوع وحده، نطلبه ونسأله أين تمكث لنأتي ونمكث معك، أبدأوا اليوم أول خطوة مع المعلم، لاقوه كما هو ليكشف لكم ذاته، لنصير له تلاميذ، ومن ثم نتحد بنا في الأسبوع العظيم
أتي أحد الأرثوذكسية بأول الأسبوع بعد الدينونة وكأن الكلام السري لنا تذكر أن الدينونة حسب الأعمال والارثوذكسية لن تشفع بك فالله كما أنه قادر أن يقيم من الحجارة أبناء لابراهيم فهو قادر أن يقيم من هؤلاء الحجارة أخوة ومؤمنين ليسوع، ووضع أحد الدينونة في خارج مسيرة الصوم الكبير أي في خارج الحرم الفصحي يحمل معناه فيه أن الاستقامة الإيمانية ليس معبر للدينونة بل المحبة الفاعلة هي معيار استقامة الإيمان لا العكس ترجمها بلغة بسيطة لوعظة ولاتعدل شي فيها