تناقش الورقة شخصية القديس يوحنا السلمي (صاحب كتاب “السلم إلى الله” أو “سُلّم الفضائل”)، مسلطة الضوء على إسهاماته الجوهرية في الفكر الرهباني الأرثوذكسي وتأثيره العميق على الليتورجيا والروحانية المسيحية شرقاً وغرباً.
تتمحور أفكار البحث حول النقاط الرئيسية التالية:
- حياة القديس ونشأته: دخوله الرهبنة في سن مبكرة (السادسة عشرة) بجبل سيناء، وتوحده في برية “الثولا” لقرابة أربعين عاماً، قبل أن يُنتخب رئيساً للرهبان.
- تأثير البرية والخبرة: كيف أسهمت حياة العزلة، والتقشف، والجهاد النسكي في صقل شخصيته وعمق بصيرته في النفس البشرية، مبتعداً عن الغلو ومتبعاً “الطريق الملوكي”.
- كتاب “السلم إلى الله”: اعتباره دستوراً للحياة الرهبانية، وكونه نتاج خبرة معيشية وتأملية وليس مجرد دراسة أكاديمية، متضمناً تدرجاً لتقوية الروح وتصاعدها نحو الله.
- الأثر والانتشار العالمي: ترجمة الكتاب إلى لغات متعددة وتأثيره الواسع في الحركات الروحية والهدوئية والنهضات الرهبانية (في روسيا، ورومانيا، والغرب الأوروبي)، وتكريم الكنيسة الأرثوذكسية له بتخصيص الأحد الرابع من الصوم الكبير لذكراه.
- المفهوم الروحي للصعود: استعراض رؤية المطران بولس يازجي بأن الصعود ليس مكانياً بل مسيرة قلبية وتجدد مستمر للذهن والشركة مع الله.
الكلمات المفتاحية: يوحنا السلمي، السلم إلى الله، الرهبنة السينائية، الفكر الرهباني الأرثوذكسي، الحركات الهدوئية، الأدب المسيحي.
1. المقدمة:
تشكل شخصية يوحنا السلمي إحدى أهم الشخصيات في مسيرة الكنيسة عامة، ونرى أنه يوجه الكنيسة الأرثوذكسية في عمق الليتورجيا؛ فقد سمّت الكنيسة الأرثوذكسية البيزنطية الأحد الرابع من الصوم باسم “أحد يوحنا السلمي”، إذ وجّه بفكره وتعليمه لاهوت الكنيسة نحو العشق الإلهي وصبغ تقليدها كاملاً بصبغته وخبرته.
نتناول في هذه الدراسة بعض جوانب شخصية السلمي وتأثير البرية على تشكيل فكره، وأهمية كتابه “السلم إلى الله”، وتأثيره على العالم المسيحي بكامله.
2. يوحنا السلمي:
ليس معروفاً بالضبط مكان ولادة القديس؛ يرى البعض أنه وُلد بفلسطين في عهد الملك زينون، ويرى البعض الآخر أنه وُلد حوالي 579م، وقد عاش نحو 75 سنة. ويتضح من كتابه “السلم إلى الله” وأسلوبه ومفرداته أنه لم يكن فقيراً في الفكر، بل كان رجلاً مثقفاً قد يكون اكتسب هذا من علمه ما قبل رهبنته أو خلال قراءته ودراسته للكتب في أثناء الرهبنة. اعتنق السيرة الرهبانية في سن السادسة عشرة من عمره، وخضع في حياته للشيخ مرتيريوس أحد شيوخ جبل سيناء. وعندما رقد أبوه الروحي، خرج متوحداً في سن العشرين، وتوحد في برية قاحلة تبعد عن الدير حوالي ثمانية كيلومترات في موضع يُدعى “الثولا”[1]، عاش فيها قرابة أربعين سنة، ثم أقامه الرهبان رئيساً عليهم، ثم ترك الرئاسة بعد مدة غير معروفة وعاد إلى خلوته.
3. شخصيته[2]:
يتضح من كتاباته أنه ذو شخصية مثقفة واسعة الاطلاع والمعرفة بأحوال الناس، وكان صاحب بصيرة متقدة، وامتلك خبرات جزيلة عن الناس، فقد عرف أموراً كثيرة يوردها ويُقيّمها تقييماً شخصياً، وكثيراً ما يخالف الرأي السائد فيقول مثلاً: “أما أنا فأقول…”. ويتضح أنه أيضاً مطلع على أحوال الناس الذين يحيون في العالم وعلى عاداتهم وتقاليدهم، ويدرك النفس البشرية أيّما إدراك. كما يتضح من كتاباته أنه إنسان “الطريق الملوكي”؛ يدرك ضعفات الناس ويرحمهم، ولكنه لا يتنازل عن الجد والصرامة.
4. زمن القديس يوحنا:
إن التيار الرهباني اندفع بقوة في القرون الرابع والخامس والسادس في مصر وفلسطين وآسيا الصغرى، ثم انعطف إلى جبل سيناء ابتداءً من القرنين السادس والسابع… والحقبة التي عاش فيها القديس هي الحقبة التي شهدت ظهور التراث الإسلامي الجديد الذي يعتمد لتكريم الإيمان المسيحي أن بين النصارى رهباناً وأنهم لا يستكبرون[3].
5. تأثير البرية على تشكيل فكره:
خلال هذه الفترة كان يأكل كل الطعام المسموح به في الحياة الرهبانية، واستطاع بهذه الطريقة أن يتغلب على روح الكبرياء والعُجب؛ فقلة الطعام ساعدته على الصوم ومحاربة شهوة البطن، والالتزام بنوعية المسموح به ساعده في تكوين تواضعه الداخلي.
إن عيشه في الغربة الداخلية للبرية جعله قادراً على محاربة الشهوة الجسدية، وهنا لا أعني كبت شهوته، بل جعله يبتعد عن الناس ويلتقي بالله ويحول طاقاته كلها إلى قوة تطلقه نحو الله، وهذا الانقطاع ساعده على محاربة المجد الباطل الذي ينبت بوجود المرء بين الناس.
وكان يكتفي بالنوم بمقدار ما يلزم كي لا يعرّض عقله للأذى، وقبل أن يأوي إلى النوم كان يصلي ويرتب نصوصه. هذه الحياة البرّية كانت بالنسبة إليه المختبر الذي صاغ شخصيته وفكره، وكل ما كتبه فيما بعد — أي كتاب “السلم إلى الله” — ليس سوى عصارة هذه الخبرة ونتاج هذا الأتون الذي خاضه.
“…وروحانيته السينائية المتزنة قد اعتدلت بتأثير باسيليوس الكبير عن طابع العقلانية الإفاغريوسية المتطرفة، وذلك دون أن يتبنى تفضيل القديس باسيليوس لنظام الحياة الرهبانية المشتركة، بل هي تعكس خبرة استقلال كلٍّ من حياة الشركة وحياة التوحد عن الأخرى، مع تكميل الواحدة للأخرى، وذلك بصفاء لا نجده عند كاسيانوس مثلاً؛ هذا فضلاً عن أن السلمي لم يكتفِ بالبحث في بعض نواحي الحياة الروحية، بل تناول وحدد بشكل متكامل ومنتظم كل مراحل الحياة النسكية والصوفية”[4].
6. كتاباته:
الكتاب الأساسي الذي صنفه هو “السلم إلى الله” أو “سلم الفضائل”، ويشكل الدستور للحياة الرهبانية إلى اليوم؛ وقد انتشر في جميع الرهبنات الحالية، الكاثوليكية والأرثوذكسية بتفرعاتهما، وقد كتبه بناءً على طلب الأب يوحنا رئيس دير رايثو (الطور).
هذا الكتاب لم يُكتب ضمن دراسة أكاديمية فكرية، بل هو خبرة شخصية عاشها الكاتب، سواء كانت خبرته الذاتية أم معاينته ومشاهدته لخبرات أقرانه في الرهبنة؛ فالكتاب يتضمن تعاليم، وقصصاً، وإضاءات على سِيَر رهبان آخرين، واستخلاص العِبر والنتائج للأساليب المتنوعة التي اتبعها الرهبان على شتى سلوكياتهم، فيكتب محذراً من مسلك ما، وغابطاً مسلكاً آخر، ومبيّناً نتائج هذا الفعل وذاك.
7. تأثير كتاب السلم:
تُرجم هذا الكتاب إلى اللغة السريانية، ثم إلى العربية، والأرمنية، والسلافية، وأيضاً إلى الرومانية، والصربية، واليونانية، ثم توالت منذ أكثر من قرن الترجمات إلى الإيطالية، والبرتغالية، والإسبانية، والفرنسية، والإنجليزية، والألمانية.
ويظهر تأثيره بوضوح في نشوء وتطور الحركة الهدوئية في التوحد؛ إذ يتناول فيلوثيوس موضوع حفظ القلب مستنداً إلى خبرة يوحنا السلمي ومتعمقاً فيها، ويتخذ القديس سمعان اللاهوتي الحديث منحى جديداً متأثراً بـ”السلم”. وعند ظهور مسألة الهدوئية في القرن الرابع عشر، استند أنصار القديس غريغوريوس بالاماس إلى كتاب السلمي، كما أدخل القديس غريغوريوس السينائي الحركة الهدوئية إلى جبل آثوس، واستند القديس مرقس الأفسسي في تعريفه للاستنارة الإلهية لتحديد مفهوم الغبطة في مجمع فلورنسا في مواجهة اللاتين.
وكان كتاب السلمي من أهم المراجع التي قامت عليها النهضة الرهبانية الروسية في القرن الخامس عشر، فكان ملهم القديس نيلوس سورسكي الرئيسي. ويوضح كتاب “سائح روسي على دروب الرب” انتشار كتاب “السلم إلى الله” في الأوساط الشعبية الروسية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، غير أن هذا الانتشار يزداد اتساعاً في كنيسة رومانيا، حيث نرى آثاره في فن كتابة الأيقونات وفي التراث الشعبي.
أما في الغرب فنرى أثر تيار “السلم” في القرن الرابع عشر ينطلق من البلقان، حيث نُفي بعض الروحانيين الفرنسيسكان وتعرفوا هناك على الكتاب.
لا شك أن أثر الكتاب ومؤلفه في الكنيسة الأرثوذكسية جليّ تماماً؛ فقد تأثرت به الكنيسة، وصَبغ نتاجها وصاغ فكرها، لدرجة أن أحد آحاد الصوم الكبير صار يُدعى باسم “أحد يوحنا السلمي”، وللدارس هنا أن يبدأ قراءة السلمي ودراسته من حيث انتهت مسيرته وسيرته، لا من حيث بدأت حياته.
8. مفهوم السلم إلى الله بحسب المطران بولس يازجي:
مفهوم الصعود عند القديس يوحنا السلمي هو حركة روحية داخلية ينتقل فيها الإنسان من حالة السقوط إلى حالة الشركة مع الله؛ فليس الصعود صعوداً مكانياً، بل مسيرة قلبية يرتقي فيها المؤمن تدريجياً من الأهواء الأرضية والتعلق بالماديات إلى حرية الروح.
وهذا الصعود يتم، بحسب السلمي، عبر التوبة، والجهاد، والصلاة، والصوم، وممارسة الفضائل. فالسلم الذي يتحدث عنه هو طريق تحول: “يُخلع فيه الإنسان العتيق المطبوع بالخطيئة، ويُبنى الإنسان الجديد”؛ لذلك فالصعود يعني تجديداً دائماً للذهن (المطانية)، وتغييراً لاتجاه الحياة من الأدنى إلى الأعلى حيث يصبح الله مركز الوجود.
والصعود حركة مستمرة مدى الحياة، فالتوقف عنه يُعد انحداراً؛ لأن الحياة الروحية لا تعرف الحياد، وغاية الصعود هي تأله الإنسان وتصوّر المسيح فيه، بحيث لا يعود يحيا بحسب الغرائز بل بحسب الروح. وهكذا يغدو الصعود عودة يومية إلى الكرامة الإنسانية الحقيقية وإلى الصورة التي خُلق الإنسان عليها.
9. الخاتمة:
لا يمثل القديس يوحنا في تاريخ الكنيسة شخصية لافتة فحسب، بل هو شخصية مؤثرة استطاعت بالخبرة التي اقتنتها أن تغير الكثير من المفاهيم التقليدية؛ فقد شكّل في الحقيقة حركة تجديدية في تاريخ الكنيسة وفي صلب الحركة الرهبانية. فمعه تغيّر مفهوم العلاقة ذاتها مع الله؛ فلم تعد مجرد ممارسة عبادة تقليدية، بل صارت علاقة عشق روحي ترتقي من ترابية الأرض إلى نور الألوهة. وهذه الحركة التي أطلقها لم تلبث محصورة في سيناء ومغمورة في مغائرها، بل عبرت إلى الكنيسة بأسرها شرقاً وغرباً، ولم تكن الانقسامات التي أصابت الكنيسة عوائق أو حواجز أمامها؛ فكانت خبرته نفحة روحية وحّدت الغاية في شتى التقاليد الرهبانية التي أنعشتها.
المراجع:
- السلم إلى الله، سلسلة آباء الكنيسة، يوحنا السلمي، تعريب رهبنة دير الحرف، لبنان، بدون عام، ص 13.
- بولس يازجي، سفرة الكلمة (عظات في أناجيل الآحاد والأعياد – الجزء الأول)، حلب: تعاونية النور الأرثوذكسية، 2006، ص 80-84.
- فهمي، أثناسيوس جورج، “القديس يوحنا الدرجي: سيرة – تعاليم – أقوال”، مدخل في علم الآبائيات: الباترولوجي، موقع الأنبا تكلا هيمانوت، تاريخ الاطلاع: 4/2/2026، متاح عبر الرابط: [https://st-takla.org/books/fr-athnasius-fahmy/patrology/daragy.html](https://st-takla.org/books/fr-athnasius-fahmy/patrology/daragy.html)
الهوامش:
[1] إن هذا المكان باقٍ إلى اليوم ويبعد عن الدير مسيرة ساعتين، وفيه مغارة مؤلفة من صخرتين كبيرتين من الجرانيت سقطتا من أعالي الجبال والتقتا في الأسفل على هيئة زاوية (كتاب يوحنا السلمي، ص 31).
[2] السلم إلى الله، سلسلة آباء الكنيسة، يوحنا السلمي، تعريب رهبنة دير الحرف، لبنان، بدون عام، ص 13.
[3] المرجع نفسه، ص 87.
[4] المرجع نفسه، ص 14.
[5] المرجع نفسه، ص 14.
[6] بولس يازجي، سفرة الكلمة (عظات في أناجيل الآحاد والأعياد – الجزء الأول)، (حلب: تعاونية النور الأرثوذكسية، 2006)، ص 80-84.