اللغة القبطية والعامية المصرية(ورقة بحثية مقدمة لدبلوم التراث العربي المسيحي)

تتناقش هذه الورقة البحثية “اللغة القبطية والعامية المصرية” طبيعة التلاقح اللغوي والتاريخي بين اللغة القبطية (المرحلة الأخيرة للغة المصرية القديمة) واللغة العربية العامية المصرية.

وتركز الورقة على عدة محاور رئيسية لإثبات حضور القبطية في لسان المصريين اليوم، وهي:

الخلاصة اللغوية: استنتاج أن العامية المصرية تحمل في بنيتها وقواعدها ومفرداتها روح اللغة القبطية، لدرجة أن المصري “يتكلم القبطية عربياً ويفهم العربية قبطياً”.

تعريف اللغة القبطية: توضيح كونها المحطة الأخيرة لتطور اللغة المصرية القديمة، وانتقالها للاستخدام الطقسي واليومي قبل انحسارها العام لصالح العربية بعد الفتح الإسلامي.

استخدام قواعد النحو القبطية في العامية: رصد التأثيرات النحوية والتركيبية التي انتقلت من المصرية القديمة إلى اللهجة العامية، مثل طريقة النفي (تركيبة ما + فعل + تش)، وعدم التفريق بين المذكر والمؤنث في بعض الأسماء والأدوات (مثل دي، دا، دولا)، وترتيب الجملة أحياناً.

الألفاظ والمفردات ذات الأصل القبطي: تقديم أمثلة على مئات الكلمات العامية المستخدمة في الحياة اليومية التي تعود لأصول قبطية (مثل: طوبة، بنورة، نونو، تمساح، بالإضافة إلى كلمات وعبارات مثل “هوس” و”مهيص”).

الكلمات المفتاحية: اللغة القبطية، العامية المصرية، اللغات السامية والحميرية، التلاقح اللغوي، القواعد النحوية، الألفاظ العامية، الأصول التاريخية، الهوية اللغوية، الفتح الإسلامي في مصر.

المقدمة

          إن تلاقح اللغتين القبطية والعربية العامية المصرية هي أمر طبيعي، و استعارة الجديد من القديم، هو ركن أساسي من أركان تطور كل لغة أيا كانت هذه اللغة أو تلك، ولا شك إن المصرية العامية الحديثة تحمل الكثير من الكلمات والقواعد القبطية، سنعمل في هذه الدراسة القصيرة على تعريف اللغة القبطية وعرض مجموعة من القواعد والكلمات القبطية التي دخلت واستقرت في العامية المصرية اليوم، بدون أن تأثر على نشأة لغة جديدة أخرى، وبدون أن نعتبر إن أحداهما شقيقة الأخرى أو بنتها، لأن كل لغة أتت من مصدر مختلف عن الأخرى

اللغة القبطية

  يعرف  الدكتور علي  اللغة القبطية [1]

“هي اللغة المصرية القديمة في آخر مراحلها، أو بالتحديد هي آخر دور للهجة المصرية العامية في اللغة المصرية القديمة التي تكلم بها سكان وادي النيل منذ آلاف السنين، ويبدو من تتبع آثار اللهجة أنها صارت لغة معترف بها ومستعملة في الحياة الدينية كما في الحياة العامة أوائل القرن الثالث بعد ميلاد المسيح عليه السلام واستمر استعمالها حتى القرن السابع عشر حيث اندثرت من الاستعمال العام وصارت قاصرة على الطقوس الدينية في الكنائس بسبب غلبة اللغة العربية التي جائت مع الفتح الإسلامي”.

استخدام قواعد النحو القبطية في اللهجة العامية

إن المرحلة التي دخلت فيها العربية إلى مصر، وبدأت تصبح لغة رسمية في البلاد جعلت الناس تعمل على دمج بين اللغتين، وانتجت حتما لغة مفهومة بدون أن تخلق لغة ثالثة بالمعنى الحرفي فيرى عصام ستاتي: “أن المصريين استطاعو أن يخلطوا بين اللغة العربية والقبطية “اللغة المصرية في آخر أطوارها” ليخرجوا لغة جديدة تجمع بين قواعد اللغة القبطية وبعض ألفاظها وبين العربية ونطقها وألفاظها”[2]

          ويورد العديد من أمثلة فالمصري لا يفرق بين المؤنث والمذكر بالجمع، وهو ما يوازي اللغة المصرية القديمة، فالمصرية العامية تعرف: دي ودا ودولا وهو ما يوافق اللغة المصرية القديمة، ويوضح أيضا بأن ما عرفش في العامية المصرية عندما يريد شخص ما أن ينفي يضع الفعل بين حرفي ما وتش لتصبح تركيبة الجملة ما +فعل+تش مثل” ما أكلتش، ما شربتش، وهذه الطريقة تناسب تماما وتتوافق مع تركيبة النفي في اللغطة المصرية القديمة[3].

وترتيب الكلمات قواعديا كثيرا ما تتبع اللغة القبطية :(فاعل+ فعل+مفعول به)، على عكس القواعد العربية الفصحى :(فعل +فاعل+مفعول).

استخدام مفردات قبطية

تؤكد كثير من الدراسات اللغوية أن مئات من الكلمات العامية المصرية هي ذات أصل قبطي، وبعضها يعود إلى مراحل أقدم، وهذه الكلمات لا تقتصر على مجال واحد بل تشمل المجال الزراعي، والأطعمة والمشاعر وحتى السباب والشتائم كثيرة، هذه الكلمات التي تتردد على ألسنة المصريين ويظنها البعض عامية عربية مصري لها أصول قبطية واضحة مثل:

اللفظ القبطي أصلها القبطي معناها الكلمة بالعامية
توبه τωΒε حجر صغير طوبة
بنوري ΠεΝοΥΡι وعاء فخاري بنورة
تشوشه σωσε سعال كح
نونو Νογνογ طفل رضيع نونو
تمساح τεΜςαζ حيوان برمائي تمساح

وهناك عبارات كثيرة  مستعملة في اللغة العامية:

هوس[4]: هوس اسكتي مش عاوز اسمع ولا كلمة، وكلمة هوس قبطية ζωςبمعنى يغلق ويقفل، والمقصود اقفل فمك، ومن الكلمة جائت هويس وهو عبارة عن ألواحد حديدية تقفل على مأخذ المياه.

مهيص[5]: الواد دا مايص ويحب يهميص، وكلمة مهيص هي كلمة قبطية Μεζιως مهيوص، بمعنى مملوء سرعة، وهي مركبة من Μεζ مه بمعنى مملوء، و   ιωςبمعنى سرعة وعجل، فيكون معنى العبارة مملوء بالسرعة أو بحب النط، وكما نقول بالعامية بيحب اللعب ومش بتاع شغل، ومن الكلمة اشتقت كلمات أخرى مهيصة ومهياص بمعنى بحب المهيصة.

  الخاتمة

لا يمكن للإنسان المعاصر اليوم فهم اللغة العامية المصرية ( وأقصد هنا فهم الجذور والمصادر) بدون إدراك التطور التاريخي للغة في مصر وصولا إلى اللغة القبطية، ثم يجتهد ليفهم تلك المرحلة الزمنية التي تلقحت العربية العامية بالقبطية، فاللغة القبطية اختفت بالفعل ولكن لم تختفي بالقوة، فما زالت حاضرة بقوة في الكلمات والقواعد والنطق في العربية، ومن الملفت بذلك إن المصري اليوم يتكلم القبطية عربيا، ويفهم العربية قبطيا، وهذا يعد أحد أندر الظواهر بين الشعوب، وهذا ما يحتاج إلى دراسات معمقة أكثر لفهم وإدراك إحدى أجمل الخصائص حيث تستطيع أن تجمع بلهجة واحدة لغتين معاً.

المراجع


[1] علي فهمي خشيم، القبطية العربية”دراسة مقارنة بين لغتين قريبتين شقيقتين”.(القاهرة، الحضارة العربية، 2003)، صـ 14

[2] لهذا الأسباب نحن نتحدث اللغة القبطية، موقع باب مصر26/5/2016، تم الاطلاع عليه بتاريخ 28/6/2025، متاح على http://www.babmsr.com

[3] المرجع السابق.

[4] سامح مقار أصل الألفاظ العامية من اللغة المصرية القديمة( القاهرة، الهيئة المصرية العامة، 2004)، 197

[5] المرجع السابق،196