الحياة المسيحية، هي أن يحيا الإنسان في ملكوت السماوات، وتبدأ هذه الحياة بخطوات، حيث يعلمنا يسوع اليوم، كيف ندخل لهذا العالم الجديد، يعلمنا من خلال نقاشه مع الغني، كيف نصبح كاملين، كيف نصير مثله.
دار النقاش بين يسوع والغني حول خطوات الصلاح، الوصية، والمال، والتلمذة، الوصية التي يذكرهم يسوع أي الوصايا العشر، كثيراً ماتقف عائق بيننا وبين ملكوت السماوات، لأن كثر يعتقدون إن تطبيق الوصية، يجعل من الإنسان صالح، وأنها كافية لكي نكون أبرار في عيني الله، لكن كما يقول بولس الرسول “بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ كُلُّ ذِي جَسَدٍ لَا يَتَبَرَّرُ أَمَامَهُ”(رو20:3)، ويأخذنا إنجيل الدينونة لنفهم أن الوصية لا تخلصنا، فيسوع لم يكافئ الذين لم يقتلوا ولم يسرقوا، ولم يزنوا، ولم يقل للأبرار هلموا إلى ملكوت أبي لأنكم لم تقتلو ولم تسرقوا، بل كان معيار الدينونة في مكان آخر، وهنا لا أدخل بالدينونة ومعيارها، بل لأذكر أن الوصية ليست معياراً للخلاص.
بما أن معيار الدينونة لم يكن حفظ الوصايا، فنفهم اليوم لماذا لم يكتف يسوع بالسؤال عنها، بل مد الوصية إليه، وأعادها إلى دورها الأساسي والأصلي الذي وجدت، لأجله، وهذا ما يجعلنا نسأل، ما هي الوصية إذاً؟ أي ما هي الوصايا العشر؟ الوصية هي الأداة التي تجعلنا نعرف ما هو الشر، ما هي الخطيئة، لكنها ليست معياراً للبر، لا معياراً للصلاح، كما يقول بولس الرسول “لأَنَّ بِالنَّامُوسِ مَعْرِفَةَ الْخَطِيَّةِ.”(رو20:3)، فالوصية أو الناموس هو الأداة لمعرفة أن القتل والسرقة والحسد والزنى وغيره شرور وخطايا، ولاتخبرنا الوصية بالمقابل ما هي البر، تماما كالقوانين، يقول لك القانون إن السرعة مخالفة تعاقب عليها، والقتل جريمة تعاقب عليه، والسرقة كذلك، ولكن هذا القانون لا يجعلك مواطن صالح، ولا يخبرنا كيف يمكن أن تكون مواطن صالح، ولا معنى أن تكون مواطن صالح، فقط يحميك أن تكون مواطن سيء، كذلك الوصية تجنب الإنسان أن يكون شريراً، ولكن لا تصنع منه إنسان صالح، هي فقط تمنع إنسان من أن يخطئ، ولكن لن يصير بها إنسان باراً، أي الوصية كالقانون تطبيقها يتيح للإنسان إخراج شهادة لا حكم عليه، فقط.
الوصية هي الخطوة الأولى التي تساعد الإنسان برحلته نحو الكمال، هي الأساس الذي أبني عليه مسيرتي، وأعلن من خلالها أود أن أكون إنسانا صالحاً، وليدخل إلى عالم جديد، عالم يسوع الذي يجعل الإنسان باراً وصالحاً.
الخطوة الثانية التي طلبها يسوع من الشاب، بع كل ما مالك ووزعه على الفقراء، لا يعني طلب يسوع أن يصير الإنسان فقيرا وشحاداً، فلو إن الفقر يدخل الملكوت، فالله ليس عادل، لذلك طلب يسوع ليس مرتبط بالمال، بل مرتبط بما له، أي أن يتخلى، عن ماله وليس عن ماله، وهنا يأتي المفتاح الحقيقي لاتباع يسوع، هل الإنسان مستعد أن يتخلى عن ما له ويتبع يسوع؟ وصية يسوع هي التخلي، عن ما يتعلق به قلب الإنسان، ولو كانت إبرة أو قلم أو حجرة، يحاول يسوع هنا أن يحرر هذا الشاب مما يقيد قلبه، فالتلاميذ مثل بطرس ويوحنا عندما قال يسوع لهم اتركا كل شيء واتبعاني، لم يتركوا مالاً بل تخلوا وتركوا شباك مخزقة وقوارب مهترئة، تخلو عن ما كان بالنسبة لهم محور حياتهم وعملهم، ومصدر عيشهم، فالشباك والقارب بالنسبة للصياد مصدر حياة ومصدر آمان، بدونهم لا يأكل ولا يشرب، لكن التلاميذ نقلوا مركز قلوبهم من القوارب إلى يسوع، غيروا مصدر حياتهم.
أما هذا الغني فلم يستطع أن يحرر قلبه، من ماله، كان يرى المال بالنسبة له آماناً، لذلك مضى حزيناً، مضى متألماً كيف يتخلى المال عن مصدر حياة وأمانه ويعطيه للفقراء، توزيع للفقراء ليس فقط عمل خير، بل كان امتحان، تخلى عن مصدر حياتك واعطه ليكون مصدراً، لغيرك، هذا الطلب بالنسبة للشاب كان امتحان يختبر فيه نفسه، هل تقبل أن تعطي مصدر حياتك لآخرين ليحيو، هل تقبل أن تجعل من ما لك ما لهم، لكنه مضى حزيناً، وهذا كان جواب، لا يمكن أن أتبعك.
أما اتباع يسوع، هي الطريق للكمال، قال له يسوع إن أردت أن تصير كاملاً، تخلى وتعال اتبعني، الكمال مرتبط بأن نتبع يسوع، حيث يمضي، إلى القيامة. فالكمال ليس بالفقر وليس بأن يكون الإنسان أندبوري، فلو كان كذلك لكان كل مشردي الأرضي كاملين، وكل أغنيائها حطب لجهنم، لكن التخلي عن المال يعني أن اتحرر من كل شيء، ولا أكون عبداً لشيء. المال أو أي شيء آخر هو أداة استعملها، وليست مصدر أمان مطلق وهوية، السؤال بالنسبة لي هنا، ما هو الشيء الذي إن ضاع مني، أشعر بحزن واترك المسيح؟ مال، موبايل، لابتوب، مركز، حبيب، أين هو أماني؟
تعال اتبعني هذا اللحظة التي فيها تبدأ في حقيقة مرحلة دخول الإنسان لملكوت الله، هي اللحظة الحقيقة التي يبدأ في الإنسان بأن يكون كاملاً، هي اللحظة التي ينطلق فيها الإنسان، لأن يجعل من ذاته مصدراً لحياة الآخرين، لا يكفي أن لا تقتل بل يجب أن تهب حياةً للناس، لا يكفي أن لا تسرق بل يجب أن تساعد الآخرين، لا يجب فقط أن لا تزني، بل أن تحمي حق الآخرين بالحياة. هكذا قال يسوع بالدينونة، كنت مريضا فزرتموني، وجوعانا فأطعمتوني، اتباع يسوع أن نحيا تلاميذ له ونصير مثله فاعلين في العالم، نستطيع أن نغير هذا العالم ونسكب فيه خيراً وصلاحاً .
” في النهاية، لا يعود السؤال الموجه لكل واحد منا اليوم هو: “ما هي الوصايا التي حفظتها؟“، بل: “ما هو الشيء الذي يشكل بالنسبة لي مصدر أمان، وأرفض أن أتخلى عنه لكي أتبع يسوع؟“.
فالصلاح الحقيقي ليس مجرد حفظ وصية أو الحصول على شهادة براءة، بل هو ذلك التخلي الشجاع الذي يعقبه اتباع حقيقي لمعلمنا. هذه المسيرة ليست حدثاً عابراً، بل هي حياة كاملة تبدأ الآن، ومن هذه اللحظة بالذات؛ حين نتحرر من مخاوفنا وأماننا الزائف، لنصير حقاً تلاميذ للمحبة، ونجعل من وجودنا مصدراً لحياة الآخرين وبهجتهم، عندئذ نصير كاملين.