وهم حتمية انتصار المظلوم “حين لا يملك الحق قوة ذاتية للانتصار”

يحيا الكثير من الناس وخاصة في منطقتنا العربية بوهم “حتمية انتصار المظلوم”، مقتنعين بخطاب عاطفي وديني غريب، روج لفكرة أن الظالم مهزوم حتما والمظلوم سينتصر لا محالة ، هذا التخدير الفكري جعل أصحاب الحق يتكئون على عدالة قضيتهم الأخلاقية والظروف كبديل عن التخطيط والعمل المؤسساتي المنظم، ولكن التاريخ والحياة توجه لنا في كل حدث صفعة أقوى من الثانية، وتتركنا نتجرع كأس المر بصمت، وتثبت أن المظلوم لن يستعيد حقه، لكونه مظلوم أو يمتلك الحق، الحق المجرّد لا يملك قوة ذاتية لإنقاذ نفسه، فالحق يُنقَّذ، بل إن العمل المنظم والذكي يسحق الحق المشتت وغير المنظم.” فالتاريخ تقرره الأعمال الحاسمة لا الحجج القانونية”(شارل مالك، كتاب أميركا واسرائيل والعرب، ص13)

إن أخذنا القضية الفلسطينية كنموذج لأكبر قضية ظلم كبرى مازالت مفتوحة بلا إنصاف، قضية شعب يمتلك أرض تعرض لاحتــلال اســتعماري ثم تعرض مباشرة لاحتــلال إحلالي، وإلى اليوم هذا الشعب لم يتم الاعتراف بدولته، ولم يعترف بحقه في أرضه، وفي كل عام تقل المساحة الجغرافية الفلــسطينيــة التي يحيا عليها هذا الشعب، لصالح مساحة دولة اسرائيل، لكن الصراع لم يكن صراع من امتلك الأرض أولاً، بل قضية من أمتلك أدوات العصر، ورغم أن هذا المشروع كان مدعوم من قوة عظمى، لكن لم يكن مشروعاً حتمياً، أي لم يكن قدراً كونياً ناجزاً أو نتيجة مقررة سلفاً، بل كانت حتمية مشروطة  كما نبه شارل مالك مبكراً” سيأتي العهد اليهــودي حتماً إذا ظل العالم العربي على تأخره وتفككه الحاضرين”( نفس المرجع، ص12)

من هنا نرى فداحة الكثير من الأخطاء التي ارتكبت للدفاع عن قضية محقة، بينما في المقابل نجح الظالم بالدفاع عن ذاته في كل المجالات، تمكنت الحركة الصهيونية خلق قضية ليهود العالم، قضية مشتركة وهي إيجاد دولة تجمعهم، ثم عملوا على أخذ وعد من الدولة العظمى بإقامة دولتهم، وفهموا المسار المؤسساتي الحديث الذي يستطيعون من خلاله الدفاع عن قضيتهم التي خلقوها، فعملوا قبل 1948 في بناء شبكات دبلوماسية ومالية ومؤسسات منظمة كوكالة اليهودية، التي عملت داخل مراكز القرار الأميركي والبريطاني، وقال شارل مالك شاهداً ” وزن العرب في أميركا لا شيء مقارنة باليهود”، بينما افتقر الفلسطينيون في تلك المرحلة وفي كل مرحلة إلى قيادة مركزية موحدة ومؤسسات حديثة قادرة على مواجهة هذا النفوذ الدولي، واعتمدوا على أنظمة عربية تعاني من تبعية خارجية وصراع على السلطة.

قد واجهت الساحة الفلسطينية انقسام وصراع داخلي حاد ومستمر، بداية من الخلافات الفصائلية ونهاية بالانقسام الجغرافي والسياسي الحاد بين القيادات السياسية المحلية، بين الضفة والقطاع، هذا الانقسام اضعف الموقف الفلسطيني، وغيب مرجعية موحدة، ووفر للاطراف الدولية حجة غياب الشريك الواضح للسلام، فبرعت إسرائيل  باستغلال الفرص المختلفة بالوسائل المناسبة لها، فجعلت من بقائها وتفوقها مصلحة حيوية للمنظومة الغربية عسكرياً واستخباراتياً وتكنولوجياً، بينما تم تصدر الحالة الفلسطينية فترات طويلة كعبء إنساني ومصدر قلق أمني، فتحول النقاش من حق تقرير المصير إلى قضية إدارة أزمة وإغاثة لاجئين.

استطاعت إسرائيل أن تبني لذاتها تاريخ ومنظومة دولة ديمقراطية حديثة تصير ند وشريك للمجتمع الدولي، فخاطبت العقل الغربي والشرقي(الاتحاد السوفيتي) بلغته وأسلوبه ومفاهميه: الديمقراطية، التقدم، حق الدفاع عن النفس في وجه محيط شديد العداء، مستفيدة من خطابات عربية ارتجالية روجت لشعارت من طراز ” رمي اليهود في البحر” ، بالمقابل، عانى الخطاب الفلسطيني فجوة كبيرة مع الغرب، وطغت على الخطاب الفلسطيني شعارات أيديولوجية، وارتبطت الذاكرة الغربية بمحطات العمل المسلح، التي استغلتها الدعاية الإسرائيلية، لربط القضية باتهامات التطرف بدلا من اعتبارها قضية تحرر وطني وحقوق الإنسان.

وفهموا من اللحظة الأولى إن تثبيت الكيان على الأرض الاعتراف بدولتهم هو جوهر البقاء، ويوجز أيضا شارل مالك “ذلك أن الصـهيـونيين أدركوا ماسها عن بال العالم العربي:… إن قيام دولتهم أو تلاشيها يتوقف على قوتهم لإنجاز الأمر المفعول لا على مقدرتهم على المماحكات الشرعية، وإن الوسائل الإذاعية والمفاوضات السياسية كلها لا قيمة لها على الإطلاق في تقرير شكل التاريخ، إلا إذا استندت إلى قوة حاسمة تنفذ إرادتها، وإن التوازن السياسي والصراع الدولي هما في النهاية توازن قوى واقعية لا صراع حجج”(نفس المرجع، ص 13)

إن نجاح الحركة الصهيونية في إنشاء دولة إسرائيل، وفشل الفلسطينيون والعرب لم يكن معياراً لعدالة طرف وبطلان آخر، بل نتاج قدرة طرف على امتلاك أدوات التأثير، فاستطاعت الحركة الصهيونية بأن تستعمل الطرق والأدوات الفاعلة والمؤثرة في العالم وتخاطب العالم باللغة التي يفهمها، “لقد برهن الصهــيـونيون للرأي العام العالمي أنهم جديرون بالبقاء كشعب، ومؤهلون لأن يقيموا دولتهم في صميم العالم العربي(نفس المرجع، ص39)، فمن الملفت إن أميركا لم تدعم اليهود في إقامة دولتهم قبل أن ترى قدرتهم عن إثبات أنفسهم وقدرتهم على تحقيق مشروعهم،أنفانف واستطاعوا أن يحققوا مشروعهم، بينما العرب فشلوا، وبالمقابل تحولت قضيتهم من قضية محقة إلى قضية عبء على المجتمع الدولي.

إن عدالة قضية ليست شرط كافي لانتصارها، فبدون لغة وأدوات صحيحة ومؤسسات قوية تحمي القضية، واستراتيجية باردة تقرأ الواقع بشكل صحيح لا كما تتمناه، يتحول الحق إلى مرثاة، وتتحول المظلومية إلى هزيمة أبدية.