الخوف من التطور التكنولوجي اليوم ليس سوى صدى متجدد للخوف البشري مع كل قفزة تكنولوجية كبرى، والتاريخ يثبت أن كل قفزة تكنولوجية تبدو مدمرة في بدايتها، وتتحول لاحقاً إلى فرص ومجالات عمل جديدة كلياً، لم تخطر على بال إنسان سابقاً.
في الثورة الصناعية كان الخوف هائل لأن الآلة استبدلت الجهد العضلي البشري وقوته، حيث خرجت جماعة متشددة تدعى باللوديين وهم جماعة من العمال الإنجليز هاجمت مصانع النسيج في بريطانيا ما بين 1811م و 1816م، كانوا يعتقدون أن إدخال معدات نسيج حديثة في أوائل القرن التاسع عشر، قد أوجد البطالة وخفضت مستوى معيشة عمال النسيج، ولكن النتيجة للثورة الصناعية، خلق فرص عمل هائلة ومجالات جديدة: هندسة، صيانة، وخدمات، ورفعت من المستوى المعيشي والمال.
بمثال أكثر بساطة: دخول الجرار للعمل الزراعي لم يأخذ مكان الفلاح، بل طور الفلاح قدراته ومواهبه، واستعمله وزاد انتاجه واختصر وقته، ووحده المزارع الذي لم يتعلم استعمال الجرار خسر، الجرار لم يلغى الزراعة بل ألغى طريقة العمل القديمة، ورغم أن هذا المثل بسيط ولكنه يشكل القاعدة التي يتحرك من خلالها التاريخ،.
أعرف من جانب أخر إن هذا المثال يظل قاصراً إذا قلنا إن التطور التكنولوجي اليوم، يمتلك ميزتين، الأولى السرعة، والثانية نوعية الاستبدال.
في النقطة الأولى، الخوف الحقيقي هو في السرعة، أن التكنولوجيا اليوم تطور بسرعة بينما التطور الصناعي في الماضي، كان يتحرك ببطيء نسبي، فتأقلم الانسان معها ببطء، لكن التطور اليوم يتحرك بسرعة عالية، فتتطلب منا تتطور وتكيف سريعين جداً، ولكن ما ننساه هنا وسط حالة الهلع إن التكنولوجيا لا تتطور بذاتها، بل الإنسان هو الذي يطورها كل يوم وكل ساعة، باحثاً عن ابتكارات جديدة وحلول لمشاكله، وسعيه المستمر لتوسيع حدود الممكن، فالتطور التكنولوجي يحدث لأن الإنسان في تطور مستمر لقدراته ومواهبه وإبداعه، ومع كل تطور يتطور الإنسان، فعندما ظهرت الطباعة والكتب تغيرت ذاكرة البشر وطريقة معالجتهم للمعلومة والمعرفة، ومع الانترنيت تطورت مهارت البحث، فالأداة لا تسبق البشر، بل تغير طريقة رؤيتهم للواقع، فالإنسان كلما تطور أداته لا يجلس بدون عمل، بل يرفع سقف الطموح، الإنسان رغم السرعة التكنولوجيا فهو الذي يركب وراء المقود. فإن توقف الإنسان عن الإبداع توقفت التكنولوجيا عن التطور، إذا السرعة لا تخيف إلا من لا يستطيع أن يتأقلم معها ويطور سرعته.
اعرف إن البعض يرى إن الذكاء الصناعي يطور نفسه، ولكنه رغم ذلك الذكاء الصناعي لا يطور نفسه بطريقة خلاقة إبداعية كالبشر، بل يطور كتحسين رياضي مستمر، أي يبحث عن الطريقة المثلى لتحقيق الهدف الذي حدده الإنسان مسبقا، بينما الإنسان لا يبحث عن أفضل طريقة، بل يملك القدرة على تغيير القواعد ذاتها، وابتكار أهداف لم تكن موجودة مسبقاً، وصحيح أن الذكاء الصناعي قد ينتج حلول مبهرة للإنسان، ولكن هذه الحلول ناتجة عن سرعة المعالجة الهائلة والمعقدة، بينما الإبداع البشري، مرتبط بالقصد بالمعنى بالحياة، فإنسان يبدع نتيجة لتجربة حية، بينما الذكاء الصناعي لا يعرف ماذا ينتج، ولا يفهم معناه، فهو مسجون ضمن الصندوق، تطوير الذكاء الصناعي لنفسه هو تطوير كمي ورياضي، بينما تطور الإنسان هو تطور “كيفي ووجودي” يستطيع إعادة تشكيل الصندوق وتوسيع مداه بلا حدود.
النقطة الثانية هي نوع الاستبدال الذي يقوم به الذكاء الصناعي اليوم، فهو لا يستبدل الجهد العضلي للإنسان، كما يفعل الجرار، بل يأخذ مكان مهاراته العقلية والذهنية، ولكن رغم ذلك هنا لن يستبدل الذكاء الصناعي الإنسان، بل سيستُّبدل الإنسان بإنسان آخر يعرف استعمال الذكاء الصناعي، كما يستبدَّل فلاح بفلاح آخر يعرف كيف يستعمل الجرار. التكنولوجيا ليست نهاية العمل، بل هي نهاية الطرق القديمة في أداء العمل.
أما ناحية إن الذكاء الصناعي استبدل مواهب الإنسان وعقله، وفي وسط هذا الخوف، ننسى إن مهما تطور الذكاء لن تستطيع أن تحل مكان الإنسان، فالإنسان كائن مبدع (خلّاق) بينما الذكاء الصناعي مهما كان معقد وقوي وضخم، يظل مسجون ومحكوم بالبيانات التي تدرب عليها، فهو يعيد تركيب وتحليل واستنتاج من هذه المعلومات التي يمتلكها، ويدور ضمن فضاء الاحتمالات الرياضية، حدوده ما أودع فيه الإنسان من معرفة.
الإنسان وحده من يمتلك” القدرة على السؤال”، هذه الشرارة التي تتجاوز حدود العالم نفسه، فهو يمتلك القدرة على خلق المعنى من العدم، هذه القدرة على الخلق هي ما تمييز الإنسان حتى عن الذكاء الصناعي، هذا سر الإنسانية الذي لا يمكن اختزاله أو استبداله، فهو يمتلك القدرة على الشعور والتجربة الحية، والتحليق خارج حدود المنطق، قادر على التعبير والحب ومواجهة المعاناة.
سر الوجود البشري يكمن في كونه خلاقاً بطبيعته، لديه قدرة فريدة تتجاوز كل الخورازميات، وتصنع معنى وتكسر القواعد لتخلق عوالم جديدة لم تكن موجودة سابقاً، تبقى السيادة لتلك القدرة البشرية الحرة، مهما تطورت التكنولوجيا، لكن لا شك إن التكنولوجيا ستخرج من التاريخ من لايعرف قيادة الجرار.