جواب يسوع معضلة
أَجَابَ يَسُوعُ: «لاَ هَذَا أَخْطَأَ وَلَا أَبَوَاهُ، لكِنْ لِتَظْهَرَ أَعْمَالُ اللهِ فِيهِ.” (يو 9: 3).
ليست المعضلة في مشكلة الألم بحد ذاتها، رغم أنه الفاجعة الكبرى، والتحدي الكبير الذي يواجه الإنسان، وخاصة عندما يصاب به أو يرى قريباً له متألم، المعضلة التي اراها، هي في جواب المسيح نفسه، إن المرض لتظهر أعمال الله فيه، وهي ذات العبارة التي قالها في معجزة لعازر، فَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ، قَالَ: «هَذَا الْمَرَضُ لَيْسَ لِلْمَوْتِ، بَلْ لأَجْلِ مَجْدِ اللهِ، لِيَتَمَجَّدَ ابْنُ اللهِ بِهِ».” (يو 11: 4).
أولا: عندما نواجه الألم نبحث عن جواب يريحنا، قبل أن يريح المتألم ذاته، إن الإنسان كثيراً ما يبحث عن جواب يريحه ليرتاح من المواجهة، فنقول هذا لحكمة الله، أو هكذا اراد الله، هكذا جواب يريحنا أكثر مما يقدم حلاً حقيقياً، وهكذا عندما رأى التلاميذ الأعمى، وجدوا أنفسهم أمام معضلة لاهوتية تحتاج إلى حل، فسألوا من أخطأ هذا أم أبواه؟ وينبثق سؤالهم من الخلفية اليهودية التي ترى إن النتيجة الألم مرتبطة بذنب ارتكبه الشخص أو بذنب أبويه، أي ورث عنهم الخطيئة فأصيب بجزائها، أو اقترف الخطيئة في حياة سابقة وفق اعتقاد التقمص.
ثم ماقاله يسوع لم يكن جواب على السؤل بل بالحقيقة كان كسر لهذا الربط فقال ” لا هذا أخطأ ولا أبواه” كان جواب يسوع ثورة على فهم التقليدي للمرض، ويقطع الرباط بين الخطيئة والألم، يقول ليس هناك رابط بين الخطيئة والألم، الألم هو حالة منعزلة عن الخطيئة، وليسا مرتبطين بالضرورة، وهنا يجعلنا مرتاحين إلى أن المتألم ليس خاطىء، ولا ينال جزاء أعماله، ويوضح أن المرض ليس شراً ولا هو نتيجة الأثم.
لكن ستكون المعضلة هنا في ماقاله يسوع ” لتظهر أعمال الله فيه” ليتمجد الله، هنا تكمن الإشكالية، جوابه يجعلنا نوجه أنظارنا من الألم إلى الله ذاته، فيصير مجد الله هو سبب الألم، هذه العبارة هي معضلة أكبر من الألم ذاته، كنا نرى الألم نتيجة الخطيئة، صرنا نرى الألم بسبب مجد الله، كنا نحتاج لجواب يريحنا من الألم، صرنا نرى الله يرسل لنا الألم لأجله.
هي العبارة تجعلنا نفهم وكأن هناك خطة متعمدة من الله لتعرضه للمرض، ثم ستأتي لحظة العرض الإلهي، لتظهر قوة الله وقدرته على شفاء الألم، وتفوقه مقارنة بالإنسان، وضعفه وعجزه، وفيصير الألم مسرحية معدة مسبقة لله ليظهر ذاته عظيماً في العالم، وبهذا التفسير، يصير مرض هذا الإنسان مقصود، فلم يرى كل حياته لمجرد غرض واحد وهو شفائه في هذا اليوم، بقوة الله ليتمجد ليظهر ذاته.
هذا ما يأخذنا أحيانا لاعتقاد أن الله خلقنا لنعبده أو لنمجده، وكأنه يريد الإنسان ليظهر مجده وعظمته، ويصير الإنسان هنا كأداة إلهية، ويفقد شخصيته متحولاً لآداة لا قيمة لها إلا بقدر وجودها ضمن الخطة السابقة وبقدر تعرضها للألم.
قبل أن نوضح ماذا كان يقصد يسوع، يجب أن ندرك أن المرض في العالم ليس من الله بل هو من طبيعية هذا الكون، هو نتيجة طبيعية لما يحدث في الكون من تغيرات، وينتج عن المرض الألم، ولكن نحن لا نرى المرض ألما إلا بقدر ما يهدد حياة الإنسان ويؤلمه، بينما الكون يراه مجرد تفاعل حيوي وكيميائي يسير وفق قوانين الفيزياء والبيولوجيا التي لا تحابي أحد، ولنأخذ مثال بسيط، الزلزال هو حدث طبيعي ضمن تركيبة الأرض، يحدث الزلزال نتيجة تحرك صفائح الأرضية لتستقر، ولكن يصير الزلزال كارثة وألما، عندما يقود إلى وجود ضحايا بشرية، بينما بحالته الطبيعية هو حدث ضمن قوانين الكون، وكذلك المرض البشري.
من هنا جواب يسوع لتظهر أعمال الله فيه، لا يفسر سبب العمى، بل دعوة من يسوع للعمل في هذا المشهد وهذا ما يؤكده كلامه مباشرة بعدها “يَنْبَغِي أَنْ أَعْمَلَ أَعْمَالَ الَّذِي أَرْسَلَنِي مَا دَامَ نَهَارٌ”(يو 9: 4).
العبارة التي نرددها المجد لله عندما نرى إنسان متالم ولكن يحتفظ بسلامه ولم يكسره المرض، فإذا رأينا إنسانا مصاب بالسرطان مثلا ولكن في كل دقيقة مستمر في صلاته وعمله وحياته بدون أن يسقط في اليأس، نقول المجد لله لما لدى هذا الإنسان من قوة واحتمال، بينما نقول، عندما نرى مريض وقع في اليأس ومحبط وينهار، الله يعينه ويساعده.
هاتين العبارتين كردات فعل بسيطة هي بالحقيقة العتبة التي نفهم منها ماذا يعني لتظهر أعمال الله فيه أو لمجد الله، فليس المرض سبب لمجد الله، بل الانتصار على المرض هو اللحظة التي تتجلى فيها أعمال الله في الإنسان، وأعمال لا لتظهر بمخطط مسبق لله، بل برغبة الإنسان، أن يصير هو مجد الله، بمعجزة شفاء البرص العشرة، شفى يسوع عشرة، ولكن ظهر عمل الله بواحد منهم، بذلك الشخص الذي عاد وشكر يسوع، ولما شفى يسوع الجندي الذي قطع بطرس اذنه، لم يتمجد به الله، لقد ظهرت قدرته نعم، ولكن لم يظهر مجده، مجد الله غير مرتبط بشفاء المرض بذاته بل برغبة الإنسان بالانتصار عليه، ويصير جزء من المجد الإلهي، فشفاء لا يزيد شيئاً على مجد الله، بل يُدخل الإنسان إلى مجد الله، ويتحول المرض من حدث طبيعي ضمن قوانين الكون، إلى فرصة لمشاركة الله بنعمته.
أما الانتصار ليس بالضرورة شفاء جسدي، قد يبقى الإنسان مريضا ويموت، ولكن تتبلور إرادته أكثر وتتجدد الروح والكيان الداخلي، الانتصار يأخذ اشكال عدة، فاللص اليمين لم ينتصر وينجو من الموت على الصليب بل، كانت انتصاره بتحويل لحظة الألم للحظة مشاركة بالمجد الإلهي.
يقول القديس إيريناوس “مجد الله هو الإنسان الحي”
المجد الإلهي ليس “أنانية إلهية” تطلب المديح، بل هي “الإنسان ذاته” وأعمال الله هي معراج الإنسان للارتقاء إلى الكمال، المجد الإلهي ليس رغبة بالظهور، بل هي تحرير الإنسان، أن يتم الله عمله في الإنسان، ويصير الإنسان هو بطل الرواية الإلهية؛ فالله لا “يستعرض” قدرته على حسابنا، بل “يسكب” ذاته فينا لنصبح نحن مجده، ولا يحتاج لألمنا ليظهر عظمته، بل يتدخل في هذا العالم الساقط ليساعد الإنسان على تحقيق الانتصار الأخير، ويخلصه.
إن إعلان المجد الإلهي مرتبط بنا وبرغبتنا أن ننتصر على المرض والألم والوجع، وهذا الانتصار ليس فقط فينا، بل أن نصير كالمسيح، نعمل على تعزية المرضى والمتألمين، وزيارتهم والعمل لرفع الألم عنهم، إعلان مجد لا يعني أن نرفع اسمه ونعلي رايات وأيقونات وصلبان وشعارات باسمه، القصة كلها بأن نشارك عمله، الله يعمل ونحن نعمل، وكأن جوهر الحقيقة يختصر بصلاة طفل ليسوع فقال له، يا يسوع أنت اليوم تعبت كتير، أنت بكرا ارتاح وأنا رح اشتغل عنك، هذه البساطة هي عمق الرسالة المسيحية، أن نتحمل مسؤوليتنا كشركاء لله في هذا العالم، يقول بولس الرسول فَإِنَّنَا نَحْنُ عَامِلاَنِ مَعَ اللهِ” (1 كو 3: 9).