هذا الأحد هو استحضار للمجيء الثاني الرهيب، وهنا لا نتكلم عن المجيء الأخيرπαρουσία، بل الثاني الشخصيἔρχομαι، المجيء الشخصي حيث يأتي للمسيح لكل واحد منا، ولا نعرف متى الموعد ولا المكان وليس بالضرورة بعد الرقاد، فيقول مثلا في سفر الرؤيا “فَاذْكُرْ مِنْ أَيْنَ سَقَطْتَ وَتُبْ، وَاعْمَلِ الأَعْمَالَ الأُولَى، وَإِّلاَّ فَإِنِّي آتِيكَ عَنْ قَرِيبٍ وَأُزَحْزِحُ مَنَارَتَكَ مِنْ مَكَانِهَا، إِنْ لَمْ تَتُبْ.” (رؤيا 2: 5).
والمثير في الدينونة التي يستعرض يسوع منهج الحكم فيها، وهو منهج مفاجئ وغريب، إن الدينونة ليست على ما فعل الإنسان من ذنوب وخطايا، بل على ما لم يفعل من فضائل، يجيب الديان : “الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: بِمَا أَنَّكُمْ لَمْ تَفْعَلُوهُ بِأَحَدِ هَؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي لَمْ تَفْعَلُوا.” (مت 25: 45).
كثيرا ما نظن أن الدينونة وكأن تحاسبنا على كسر الوصايا العشر، وارتكاب الخطايا، مثل الزنى والسرقة والقتل وغيرها، ولكن الدينونة توضح لنا إن مثل هؤلاء ليس لهم وجود في الدينونة، يقول القديس يوحنا ذهبي الفم “لم يقل لهم اذهبوا إلى النار لأنكم زنيتم أو سرقتم أو شهدتم بالزور، بل لأني كنت جائعاً فلم تطعموني” إن الذين وقفوا في الدينونة هم نوعين، نوع لم يعرف ذاته أنه يخدم يسوع، ونوع لم يخدم يسوع بأخوته، وكلا النوعين يعتبرا أبرار، وصالحين ولكن النوع الثاني لم يعرف أين خطيئته، فكانت الدينونة كشف لحقيقة قلبه، أما السراق والقتلى والمغتصبين، فمدانين قبل الدينونة، وأعمالهم تدينهم،يستحضر الإنسان، في المقام الثالث، الدينونة استحضارا حقيقياً وليس من باب التذكر الفكري لما سيحدث ولا رهبةَ، فبعدما اتخذنا القرار في المقام السابق بأن نستعيد كرامتنا الشخصية كأبناء لله ويكون الآب هو مرجعنا، يجب أن نخطو خطوة نحو تحقيق قرارنا، وأول عمل نقوم به بأن ندين أنفسنا، يقول القديس مكاريوس الكبير: «أحكم يا أخي على نفسك، قبل أن يحكموا عليك»، ومن يستطيع أن يدخل إلى أعماقه بالحقيقة ويبدأ بهذه الرحلة الداخلية، يستطيع بعدها أن يجتاز كل تحديات العالم ويسوده
في الأحد الأول عرفنا كيف نزن أنفسنا وكيف نقيمها، بوقوفنا أمام الله، وفي الأحد الثاني تعلمنا أن نأخذ قرار ونواجه أنفسنا نحن، ونقول أخطأنا، واليوم يضع لنا يسوع المعيار الذي على أساسه يجب أن نحاكم أنفسنا: ماذا فعلت أنا لأخي؟ هذا السؤال الذي يؤهلنا تماما لأن ننال الغفران الأحد القادم، وبدون سنبقى أسرى أحد الدينونة وإن وصلنا إلى الفصح.
الموقف اليوم في الدينونة هو تجسيد لإدراك الإنسان لنفسه، أنه أخطأ نحو يسوع، فيحكم على ذاته وفقاً للمعيار الذي وضعه لنا المعلم “ما فعلتموه بأخوتي هؤلاء الصغار فبي فعلتموه”، لذلك موقفنا أن نستحضر نحن الدينونة لنجتازها
يقول الآباء على الإنسان أن يدين نفسه لئلا يدينه الله، أي أن يعترف الابن بخطاياه ويتحمل كل مسؤليتها أنا فعلت، من الملفت في الأحد الماضي مع الابن الضال لم يسمح الأب للابن أن يُكمل جملته التي أراد قولها “اِجْعَلْنِي كَأَحَدِ أَجْرَاكَ.” (لو 15: 19).، بل سار الحوار كالتالي “يَا أَبِي، أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَقُدَّامَكَ، وَلَسْتُ مُسْتَحِقًّا بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْنًا. فَقَالَ الأَبُ لِعَبِيدِهِ: أَخْرِجُوا…” (لو 15: 21)، الله لا يريد شيء منا إنما فقط الموقف بأن نتحمل مسؤولية خطايانا فقط، حتى أنه لا يريد تعويضاً عن ما اقترفناه ولا فدية مقابل ذنوبنا، يريد هذا الموقف الداخلي العميق.
من عرف ذاته في الأحد الأول ثم أخذ قراره بتحمل المسؤولية في الأحد الثاني، اليوم يأخذ موقفاً وجودياً، حيث يحاكم ذاته ويقيمها وفق معيار يسوع، هذا المعيار الذي وضعه الرب ذاته ولا يذكر أي خطيئة تجاهه لم يقل أنكرتموني ولا شتمتوني، بل ركز على الأفعال التي يفعل الإنسان مع أخيه، وعلى أساسها سننال ميراث الله أو غربته أي الجحيم
من الناحية الثانية لا يكفي فقط أن نأخذ قرارا بل يجب أن ننسى أيضا كل خطايا الماضي التي اقترفناه عبر إدانتنا لنفوسنا لئلا تبقى حائط بيننا وبين يسوع، أي أن نعترف ونرمي ماضينا للنسيان، والإدانة تعني أن يتحمل الإنسان مسؤولية خطاياه من ناحية، ويعترف قائلا هذه الخطايا كانت بسببي أنا وليس بسبب القريب، وبالتالي هذا الموقف الذي سيهيئنا للأحد القادم بأن أتصالح مع نفسي وأتقبل أخطائها وخطاياها، ومن جهة ثاني أن أدين نفسي يعني أن أخضعها لي.
وعندئذ يصبح الحضور الثاني للمسيح حضور ليمجدنا، فنسمع صوته”تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ.” (متى 25: 34)، هذا الحضور الثاني هو حضور الآن وهنا، وهو حضور شخصي، لا أعرف متى يأتي يسوع إليَّ، ولكن يمكن أن نميز علامة حضور يسوع عندما نكتسب السلام والفرح الداخلي بطريقة لا يمكن التعبير عنها، وهذه الخبرات يكتسبها الإنسان برحلته مع يسوع.
الموقف الثاني الذي يتخذه الإنسان ليعبر عن صدق موقفه، عندما يغير نظرته نحو الآخر، بأن أنظر لكل إنسان كأنه يسوع نفسه، في وجه يا أخي إنني أرى المسيح، كما تقول أحد الأناشيد، وأن أتوجه بالمحبة الفاعلة نحو القريب، وأبدأ من هذه اللحظة بأن أتحمل المسؤولية لا كخاطئ أخطأ، بل كابن لـ الله، أن يخرج الواحد منا من نفسه، ويبدأ ينظر إلى الخارج إلى الآخر، ويتحمل مسؤولية تجاه الآخر ونصير تماما مثل يسوع، الذي حَمل مسؤولية خطايانا وكأنه هو الذي ارتكبها، هذا الموقف اليوم يأخذنا لنتمسحن بعدما صرنا بنين لله، ثم ستتفجر المحبة في أعماقنا تجاه الآخر كما قال يسوع “”بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي فَعَلْتُمْ.” (متى 25: 40).
وهذه المحبة ليس تحيات ولا مرحبا فقط، بل عمل حقيقي في المجتمع، كل منا حسب طاقته، كما يقول الأب شميمن “كل إنسان منا مسؤول عن دائرة صغيرة في ملكوت الله” وهذا المحبة ليس لشخص مجهول أو فقير عابر، بل لكل شخص يضعه الله في طريقي، فالرحلة التي سنبدأها مع يسوع هي رحلة في وجوه الناس في علاقاتنا معهم، كما يقول الرسول “إِنْ قَالَ أَحَدٌ: «إِنِّي أُحِبُّ اللهَ» وَأَبْغَضَ أَخَاهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ. لأَنَّ مَنْ لاَ يُحِبُّ أَخَاهُ الَّذِي أَبْصَرَهُ، كَيْفَ يَقْدِرُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ الَّذِي لَمْ يُبْصِرْهُ؟” (1 يو 4: 20).
وعلينا منذ اليوم ألا ننشغل كثيرا بالتساءل هل تغيرنا؟ هل صرنا أفضل؟ هل أصبحنا مرضيين ليسوع؟ يجب أن يسعى الإنسان مع يسوع، فالسعي نحو الحب معه يغيرنا في الطريق إليه ويجعلنا أكثر نضجاً وملامسة لقامته، ويسكتشف الإنسان كل تعبيرات العشق الإلهي في هذه الرحلة، التي ستتجلى مع الآخر، وأول عمل سيكون الغفران في الأحد القادم.