إلى أخوتي بالإيمان، المسيحيين جميعاً
منذ أكثر من عقد بدأت الثورة على الظلم، واليوم جاء هذا الانتصار, في يوم الثامن من كانون الأول الذي صار منارة عظيمة لملايين السوريين الذين ظلموا وقيدوا وعذبوا واحترقوا في نار الظلم الأسدي، وليكون فجراً لإنهاء الليل المظلم الذي أَسرنا، و ظفراً على الاضطهاد بالحديد والنار تجاه المطالبين بالحرية والكرامة، والاضطهاد البارد تجاه الموالين والطوائف الدينية بأجمعها بالتخويف والترهيب.
لم يكن الرئيس المخلوع حامي للأقليات بل احتمى بالأقليات، بكل الأقليات، وحولها لأدوات لبسط سلطانه وجعلها وقوداً لبقائه وحماية كرسيه.
نحن في هذه البلاد قبل الأنظمة السياسية، وعِشنا مع المسلمين منذ أربعة عشرة قرناً عشنا معهم كما يقول المثل الشعبي على الحلوة والمرة، ولا نريدُ من أحد أن يحمينا من شركائنا في الوطن، بل نحتمي بهم وهم بنا، فها هي روسيا حاضرة أمام أعيننا، والتي تشدق الكثيرون بأنها هنا لحماية المسيحيين لكنها في النهاية تركت أهل محردة والسقيلبية ووادي النصارى وباقي المسيحيين لمصيرهم.
وأكرر ما قاله فارس بيك الخوري عندما أخبره الجنرال غورو إن فرنسا هنا لحماية المسيحيين من المسلمين، فقال ﺄﻧﺎ ﻛﻤﺴﻴﺤﻲ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻨﺒﺮ ﺃﺷﻬﺪ ﺃﻥ ﻻ ﺇﻟﻪ ﺇﻻ ﺍﻟﻠﻪ، فارس بيك الخوري المسيحي الذي كان رئيس حكومة سوريا واستلم أيضا منصب وزير الأوقاف الإسلامية “قال الشيخ عبد الحميد الطباع وهو نائب دمشق في المجلس النيابي: نحن في الكتلة الإسلامية نقدر جهود دولة الرئيس فارس بك الخوري وجهاده الطويل في سبيل حريتنا واستقلالنا، وإننا نؤمن فارس بك الخوري على أوقافنا بقدر ما نؤمّن أنفسنا”.
وكما يقول البطريرك اغناطيوس هزيم توحد مصير المسيحيين الشرقيين والمسلمين منذ الحملات الصليبية على بلادنا، وحاربنا معاً وبنينا سوياً الحضارة العربية، وحاربنا الاحتلال العثماني معاً، واليوم يتوحد مصيرنا أيضاً بإسقاط النظامي القمعي، وفي بناء سوريا الجديدة.
لن اذكر كل المعارضين المسيحيين الذين ذاقو جحيمه وأعمالهم مي سكاف وأبونا باولو وجورج وروجيه وطوني، سأكتفي بذكر ماقاله البطريرك اغناطيوس هزيم برسالة للمعارض ميشيل كيلو عندما سجنه حافظ” أخبري الأستاذ أنه ليس وحده في السجن، فنحن جميعاً سنبقى سجناء إلى أن ننال حريتنا”، وكيف رفض البطريرك اغناطيوس بطريرك العرب طلب حافظ الأسد برسالة ضد الأخوان المسلمين، فقال له لن تجد في كنيستنا من يقبل أن يرسل لك مثل هذه الرسالة، ليس لأننا مع الأخوان بل لأن إرسالها سيلغى ميثاق العيش المشترك بيننا وبين المسلمين القائم منذ ألف وخمسمئة سنة لن تصلك هذه الرسالة لو علقت مشانقنا.
أما الخوف الحاضر هو خوف طبيعي وكلُنا لدينا مخاوف، هذا الخوف لايبدده أي تطمينات من أي قوة دولية أو محلية، بل أمر واحد ألا نبقى على الحياد يقول يسوع “”هكَذَا لأَنَّكَ فَاتِرٌ، وَلَسْتَ بَارِدًا وَلاَ حَارًّا، أَنَا مُزْمِعٌ أَنْ أَتَقَيَّأَكَ مِنْ فَمِي.”، فالحقوق لا تأخذ بالترجي، يجب ألا نظل متفرجين ونستجدي حقوقنا، كما تفعل بعض القيادات الدينية، وأن نتغنى بالتعايش المشترك الذي هو أدنى مستويات الحياة، فالتعايش هو للمَزَارع، وإننا نريد وطن لا مزرعة، نحن نريدها حريةً كاملة ومواطنةً كاملة ونريد حقوقاً كاملة وسنقدم واجباتِنا كاملة، نريد وطن العدالة.
وأقولها بصريح العبارة لا تنتظروا القيادات الكنيسة لتتكلم، ولا تنتظروا رجال الدين، إذا كنا نريدها دولة مدنية على الكل أن يتكلم ولا يدع الصوت لرجال الدين فقط، نحن الكنيسة وليس فقط رجال الدين، ونريد أن يتعامل معنا كمواطنين في دولة لا كرعية لملك وزعيم، اعملوا فهذه البلاد لنا جميعا، لا نريد أن يكون صوتُنا مرهون بأي قيادة دينية كانت، لأننا نريدها دولة فيها فصل بين المؤسسة الدينية والسياسية، لانريد دولة يصيغ دستورها رجال الدين من أي دين انتموا.
اليوم أحداث مصيرية ومن ليس على قدر مسؤولية فليستقل، وارفضوا كل خطاب ديني يتكلم عن اقليات وأكثرية، فالأقلية مصطلح سياسي استعمل لتبرير تدخل الدول الاستعمارية في بلادنا، يقول البطريرك اغناطيوس هزيم “في مجال النوعية ليست هناك أقلية ولا توجد أكثرية فالحقيقة والصحيح والأصالة والجدية يمكن أن تأتي كلها من شخص واحد” وفي سوريا لا توجد أقلية وأكثرية كلنا سوريون مواطنون لوطن واحد، وعلينا ألا نطالب بحقوق الطوائف بل بالحقوق الفردية لكل إنسان، لا نريد حقوق فقط للطوائف نريد نظام عادل يمنح المؤمن حقوقه كما يمنح الغير مؤمن حقوقه.
هلموا للعمل السياسي والحقوقي والاجتماعي والفكري والاقتصادي ولإنشاء منظمات حقوق الإنسان، وحقوق الطفل والمرأة والأحوال الشخصية، ومنظمات حرية دين ومعتقد لكل سوري ومنظمات تدافع عن المظلومين والمقهورين، وتكوين ملتقى شبابي ونسائي وخلق مؤتمرات عامة ومنتديات ثقافية وسياسية، علينا العمل على تشكيل منظمات المجتمع المدني والانخراط بالمنظمات الموجودة التي أسسها الذين ثاروا على هذا النظام، علينا ألا نبقى على الحياد، بل الانخراط بالعمل مع شركائنا في الوطن، والتطوع في الشرطة والجيش، على المثقفين الصامتين في زمن الأسد حان أوانكم لتتكلموا.
أرجوكم ألا نغرق بالتفكير باللباس وشجرة الميلاد أو هل سنصلي أولن نصلي، صلوا وارفعوا الأشجار واحتفلوا ولا تنتظروا لنخبر فلان ونأخذ إذن فلان، هذه البلاد بلادنا ونحن لسنا ضيوف فيها، ولكن إياكم أن تكتفوا بفرحرفع شجرة الميلاد أو بالاحتفال بالعيد، هذه كلها تعبيرات عن الحرية ولكن ليست الحرية الكاملة، هذه أحد الأمور المهمة ولكن ليست الأهم، يجب أن نعمل لتكون الحريةُ الفردية منصوصاً عليها في الدستور ومحمية بموجب القانون ومؤسسات الدولة، وهذا لا يتم بدون أن ننخرط بالعمل السياسي، يحب أن نقوم بالنضال السياسي المؤدي إلى الديمقراطية والطريق طويل، ولن يسلكه أحد عنا، باشروا بتأسيس أحزاب والانخراط بأخرى، يجب أن نُطلق ورش عمل لا فقط لتوزيع المساعدات، بل لبناء الفكر والعمل السياسي باتجاه الديمقراطية والدولة المدنية.
أما الخوف من الاسلاموفوبيا فيقول المطران إيليا طعمه
اشتهر هذا المصطلح في القرن الماضي ومعناه الخوف من الإسلام. وقد تجدد هذا الخوف وتمدد مع ظهور جبهة النصرة وداعش، خاصة مع إعلان دولة الخلافة في العراق. وبسبب كل ما سبق، ثمة خلط اليوم ما بين التطرف والالتزام الديني. لا افهم تحديدا لماذا الانزعاج من الحجاب أو اللحى مثلا او غيرها من المظاهر الإسلامية ( والتي لا يجمع عليها جميع المسلمين). الالتزام الديني يجب أن يكون مدعاة للطمأنينة وليس العكس. الأمر الاكيد هو أن لا يحاول أحد فرض أي من مظاهر التدين على الآخرين لانه تعدي على الحرية الفردية. من بين المسلمين من هو ملتزم وعلماني وليبرالي واشتراكي ومتطرف. والأمر كذلك بين المسيحيين وكل المكونات الأخرى.
لا يجب أن نخاف من المظاهر الدينية الإسلامية، فالثقافة الإسلامية جزء من هُوية بلادنا وجزء من حضارتنا كما المسيحية تماما، فكما نريد أن نعبر عن إيماننا وثقافتنا، للأخرين نفس الحق وبتساوي معهم.
ومن هو خائف من التشدد والأحزاب المتشددة الدينية والإسلامية فليعمل على إنشاء أحزاب ليبرالية وغيرها، من يصمت ويظل خائف ويستجدي حقوقه سيخرج بالنهاية بلا حقوق، ويتبدد الخوف من وصول أحزاب أو أصوات متشددة للسلطة، بإنشاء أحزاب تنادي بقيم الديمقراطية والمواطنة والحريات الفردية، ولا يجب أن تكون تلك الأصوات والأحزاب المتشددة وحدها في العمل السياسي، ومن ناحية ثانية بتأسيس دستور مدني، والاتفاق على القيم العليا لدولة وعلى شكل الدولة وتحييد الدولة عن الدين أمام المواطن، فلا يهم عندئذ من يصل إلى السلطة هل متشدد أم ليبرالي أم اشتراكي، ومن ناحية ثانية الأحزاب والأصوات المتشددة موجودة في كل مكان من دول العالم، وهذا تنوع وغنى، ولكن المهم ألا تكون هي الصوت الوحيد، هناك أناسا اختارت التشدد واناسا اختارت الحرية بأشكالها الأخرى، إذا أردنا أن نكون أحرار لا يمكن أن نفرض على الأخرين شكل حياتهم وافكارهم، ولا نقبل أن يفرض علينا أحد شكل حياتنا ،من أراد أن يكون متشدد فهو حر ومن أراد أن يكون معتدل فهو حر.
أما المظاهر مثل علم هناك أو شعار هناك، لا يجب أن تثير الهلع والخوف، ويجب أن ندرك إننا نحن في فترة انتقالية وسنرى الكثير ونسمع الكثيرة، لا يهم إذا رفع علم أو شعار هناك وهناك، يجب أن نركز على الهدف، فالطريق طويل، ملك بريطانيا يحمل لقب “حامي العقيدة” و”رأس كنيسة إنجلترا” ولكن الدستور البريطاني يضمن حقوق الكل بالتساوي المطلق، فالكل لهم حقوق متساوية مسلمين ومسيحيين وبوذيين وهندوسيين وملحديين ولا دينيين وغيرهم، لكل سوري الحق في أن يختار شكل حياته.
ثم أياكم العمل والتقوقع الطائفي والمذهبي، بل يجب أن تصرخوا ألف مرة أنا سوري وسأعمل لبناء سورية لكل السوريين، يقول بطرس البستاني إني لخدمة هذا الوطن ولا أقبل أن أكون غريبا فيه، فانضموا لكل الأحزاب السياسية والمنظمات المدنية، اعملوا مع كل سوري من السنة والدروز والعلويين والشيعة والملحدين واللادينيين مع كل أطياف هذا المجتمع.
وأتوجه أيضا إلى المسيحيين في بلاد التهجير والاغتراب، علينا أن نعمل معا بتشكيل منظمات في الخارج أيضا للمساهمة داخليا فغدا ستفتح السفارات من جديد و سيبدأ العمل على دستور للبلاد وانتخابات يجب أن يكون لنا صوت قوي يساهم في بناء سورية الديمقراطية، وقد امتلك الكثيرون الخبرة الكافية لفهم معنى أن تكون الدولة دولة للإنسان، ومعنى القانون والحريات واحترام حقوق الإنسان وكرامته، علينا أن نبادر الآن وهنا للعمل، فنشوة الانتصار للبعض أوالخوف من التغيير للبعض الآخر قد انتهت وحان وقت البناء.
على كل المسيحيين جميعا والقريبين من مراكز صنع الفكر في الغرب أن يشرحوا ويقولوا إن النظام المدني والدستور المدني وحده قادر على حماية لا المسيحيين فقط بل حماية سوريا، وأيضا الدول المحيطة بها، نحن لسنا بحاجةٍ لنظام ما ليحمي المسيحيين أو يحمي أي مكون آخر، نحن بحاجة لدولة عادلة، يجب أن نعمل لتحقيق العدالة التي هي وحدها غاية كل العمل السياسي.
في النهاية لا أقول لكم اطمأنّوا فالطمأنينة الشديدة مدعاة للقلق،وايضاً لا تخافوا فالخوف يقتل المستقبل، وأذكركم إن بناء الدولة لا يتم بين ليلة وضحاها ولن تصير سوريا دولة تضاهي باقي الدول بمجرد تغير النظام وإسقاطه، بناء الدولة، يحتاج لسنين طويلة، يجب أن نعمل نحن لنعطي أبنائنا وطنا الكرامة والسيادة والحرية والديمقراطية.
يا فرحي سوريا حرة، المسيح قام.