في مقابلة للبطريرك الراعي في أيلول 2022 قال:” إن لم يعد السوريون إلى سوريا سيفرضون على أنفسهم حرباً ثانية”، يقول الكتاب المقدس “الكلمة لاَ تَرْجعُ فَارِغَةً، وَتَنْجَحُ فِي مَا أَرْسَلْتُ لَهُ” ونجحت الكلمة التي قالها البطريرك للأسف لما خرجت إليه، فتارة نرى هجوم مجموعة على طلاب سوريين وتارة إحراق خيم تأوييهم، أو ترك كلاب تهاجم السوريين أو خطف سوريين ، وحتى السرطان اتهم السوريين بسببه[1].
ويبقيني أحد الأسئلة حائراً هل تكون ضمائر العديد من رجال الدين مرتاحة أمام رؤية قتل السوريين وخطفهم بعد التحريض عليهم؟ والسؤال الأكبر: هل يقبل يسوع سيد الكنيسة التحريض على السوريين من منابر كنيسته؟ يقول برداييف: ” لقد تم التلاعب بالإيمان المسيح ليخدم مملكة القيصر القائمة وليدافع عن الطبقة الحاكمة والأغنياء والسلطة….لقد أخفقت الكنيسة في واجبها وتعهدها”
لا شك أن وجود السوريين في لبنان في بلد يعاني من ضيقات كبيرة اقتصادية وسياسية أمر منهك وخاصة بهذا العدد الكبير، ولكن هذا الوجود ليس هو الوجود السوري في لبنان، هذا لجوء سوريين إلى لبنان هرباً من كل المآسي التي عاشها السوريون في سوريا بعد أحداث ثورة 2011، واللجوء السوري ليس نزوح اقتصادي، وليس بسبب ترف سكن الخيم في براري لبنان، فهل هناك ضرورة لشرح المشروح؟ أم تكفي صور لعديد من السوريين العائدين وما حالهم ومصائرهم؟
واتهام السوري اللاجئ بمآسي لبنان وكأن السوري هو صاحب القرار والقول الفصل هو اتهام ينم عن جهل، لو كان السوريون هؤلاء أصحاب القرار لما رأيتموهم في لبنان، وأن يُرمى على السوري مسؤولية كل الفشل في لبنان، الفشل السياسي والاقتصادي والأمني وكل جريمة ترتكب، يدل على أمرين إما أن يكون المسؤول الديني جاهل لا يفقه أو هو مُضلِل، فلا توجد دراسات حقيقة وصادقة عن واقع السوريين وتأثيرهم السلبي على لبنان بالعكس هناك استفادة ضخمة للبنان بما يسمى اقتصاد اللاجئين، يكفي المنح الدولية التي تأتي باسم السوريين للدولة اللبنانية، وأهمية اليد العاملة السورية.
أتفهم تماماً ألاعيب الساسين “لعبة الحصول على تمويلات”، ولكن لا أفهم أبداً، أن يتحول مسيحيون وقيادات دينية إلى حربة في وجه السوري المظلوم، إن المناطق التي تأذى فيها السوري في لبنان جلّها مناطق مسيحية، يقول دكتور طارق متري بمنشور على منصة إكس” الحملة ضد السوريين ليست عفوية إلا بنسبة قليلة، مهندسوها متعددون ويستثمرون في السياسية صناعة الكراهية، عجزوا وتنصلوا من معالجات مدروسة وقانونية وأخلاقية لقضية اللجوء، ومنها التمييز بين من يواجه خطر إن أعيد قسراً ومن يسلك المعابر ذهاباً وإياباً بلا حرج”.
والسؤال هل هذه أخلاق الإنجيل؟ وأخلاق يسوع؟ هل ننسى أخلاق الله القائل “وَإِذَا نَزَلَ عِنْدَكَ غَرِيبٌ فِي أَرْضِكُمْ فَلاَ تَظْلِمُوهُ.كَالْوَطَنِيِّ مِنْكُمْ يَكُونُ لَكُمُ الْغَرِيبُ النَّازِلُ عِنْدَكُمْ، وَتُحِبُّهُ كَنَفْسِكَ لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ غُرَبَاءَ” (سفر اللاويين 19: 33) وخاصة الموارنة، الذي كانوا في التاريخ مظلومين ومضطهدين يبحثون عن الحرية[2]، وهربوا إلى الجبال والمغوار مختبئين من الاضطهاد وكيف كان اللبنانيون لاجيئين أيام الحرب الأهلية، وقال خريستو المر “نسي اللبنانيون إنهم كانوا لاجئين يوماً” في قبرص أيام الحرب الأهلية وتذمر القبارصة منهم[3].
“وفي ما يتعدى المناقشة التفصيلية لكل مسألة، بلغ التوجس من الآخر السوري المختلف، والمقيم موقتاً في لبنان، مبلغاً خطيراً. والتوجس، وهو في قلب سياسات الهوية، لم يُخلق من عدم. هو صنو الطائفية مهما تبدلت ملامحها منذ أن كانت «بغيضة» يخجل سياسيوها بها. وهو يتغذّى من فكرة الاستثناء، بل التفوق، اللبناني”[4] يقول د.طارق متري، والمثير للسخرية في الوعظة ذاتها تسمع أهمية تجسد المسيح لخلاص الإنسان، وأن المسيح جاء ليرفع من كرامة الإنسان، ثم في جزئها الثاني يكمل الواعظ تهجم على السوريين، كأن المسيح جاء لفئة من الناس أو قومية أو جنسية.
أمام تحميل السوري اللاجئ في لبنان، مسؤولية كل مايحدث والتغاضي عن المذنب الرئيسي، على الكنيسة المارونية ومعها باقي الكنائس أن تدرك ” أن سر الإفخارستيا ليس بشيء إن لم يمتد إلى سر المظلوم ورفع الظلم” فالمسيح ذاته يصلب مع كل من يُضطهد في الطرقات والمخيمات ويخطف ويعذب.
فقول البطريرك الراعي السابق وما تلاه من عشرات العظات التي تحرض على السوريين، وهو توجيه لسلوك أفراد مسيحيين(بدون أل التعريف) بهذا المنحى عند كل حدث ما، فالعنف المستتر بالدين يريح الضمير ويغذيه وحيث يُقام الحق على السلطة الدينية يمكن تبرير أشد الظلم والشر، وللأسف بدل أن يكون المسيحيون ملح الأرض ودعاة قانون ونظام وعدل ويسكبون الحق في السياسة، صاروا يدعون إلى العنف والظلم، وصدق القديس قسطنطين الملك ذات مرة عندما خاف أن يضطهد المسيحييون المنتصرين من كان يضطهدهم سابقاً[5]، وتحقق ما خاف منه، للأسف إن المظلومين عندما يصيرون في السلطة يتحولون لظالمين، وينسوا قول العليّ ” أَجْرُوا حَقًّا وَعَدْلًا، وَأَنْقِذُوا الْمَغْصُوبَ مِنْ يَدِ الظَّالِمِ، وَالْغَرِيبَ لاَ تَضْطَهِدُوا وَلاَ تَظْلِمُوا” (سفر إرميا 22: 3).
إن التاريخ صادق على كل حال ونفهم منه، في كل مرة شارك المسيحيون في الظلم، أعادنا التاريخ مظلومين نذوق من نفس الكأس بأكثر مرارة، أعتقد إن قادم الزمن سيكون صعباً جداً على المسيحيين وخاصة الموارنة وقياداتهم، ليس من باب أنهم مؤمنين بيسوع وسيضطهدون، بل لأننا فشلنا أن نكون صوت الحق والدفاع عن المظلوم كما شاء المسيح، سنصرخ عبثاً ولا من يغيث، سنبحث عن مغارة في جبل ولن نجد، الظلم يهيئ للمسيحين مراكب الهجرة والشتات.
[1] بترا محمد، مقالة أنا سورية ولست سبب كل مشاكل لبنان. موقع درج
[2] أسد رستم،كنيسة انطاكيا مدينة الله العظمى، الجزء الثاني634-1345م، مجموعة الدكتور أسد رستم 21، المكتبة البوليسية، ص 54
[3] As Lebanese Battles Worsen, War Refugees Swamp Cyprus, By Youssef M. Ibrahim, Special To the New York TimesSept. 18, 1989
[4] طارق متري، اللجوء السوري حيال سياسات الهوية والسؤال الأخلاقي، موقع الهدهد العربي.
[5] أسد رستم، كنيسة انطاكيا مدينة الله العظمى، الجزء الأول 34-634م، مجموعة الدكتور أسد رستم 21، المكتبة البوليسية، ص 187