- مقدمة:
إن الكلام عن تحرير فلسطين بالكامل، هو حلم يرواد بعض النائمين في أروقة الروايات العربية، فالتاريخ ليس رواية ولا هو قصة في نهايتها ينتصر الخير ويموت الشرير ويعم الفرح والسلام (بالضرورة) كون الخير خيراً، أو لأن القضية التي نناصرها ذات مصدر شرعي، لأن التاريخ لا تصنعه المعجزات والحقوق، بل يتكون عبر أحداث لها سياقها وأسبابها وتتبلور عبر أفعال بشرية تراكمية وتكوّنها المصالح والأهواء والجهل والمعرفة والأخلاقيات والقوى المتعددة الأوجه، الثقافية والعسكرية والاقتصادية والسياسية، والأنظمة السياسية الحاكمة وتوجهاتها، وحتى الفشل بقرائته يكونه.
- الخير لا ينتصر لكونه خيراً:
أما المنطق القائل بأن الخير والمظلوم سينتصران كونها خير بذاتهما، أو لأن صاحب حق منتصر لحقه، هذا منطق لا يصح في سياق التاريخ البشري إنما في عالم الملكوت، يقول غوستاف لوبون “ليست بالحقائق وحدها يعيش الناس وتجري حركة التاريخ”، فليست حجج المظلوم وحقه من يقرر حركة التاريخ، حجج المظلوم وحقه يقرر سياق الدينونة وليس التاريخ، يقول شارل مالك “أن التاريخ تقرره الأعمال الحاسمة لا الحجج القانونية”، تقرره صدق أدواته وقوته ومصدر دعمه وغاياته، والأمانة للقضية.
- تحريرها كان ممكن:
إن تحرير فلسطين كان ممكن كله في لحظات تاريخية سابقة، عندما كان مصيرنا بيدنا، ولم يستفد أسلافنا منها وفشلوا عن قصد أو بدون قصد بقراءة المستقبل، وبالتالي فشلوا من الاستفادة من حاضرهم، الذي بلور حاضرنا كما هو الآن، يقول شارل مالك “الصهيونيين أدركوا ما سها عن بال العالم العربي: أن التاريخ تقرره الأعمال الحاسمة لا الحجج القانونية وأن قيام دولتهم أو تلاشيها يعتمد على قوتهم لإنجاز الأمر المفعول لا على مقدرتهم على المماحكات الشرعية، وإن الوسائل الإذاعية والمفاوضات السياسية كلها لا قيمة على الإطلاق في تقرير شكل التاريخ إلا إذا استندت على قوة حاسمة تنفذ إرادتها، وإن التوزان السياسي والصراع العالمي هما في النهاية توزان قوى واقعية لا صراع حجج”[1].
- إسرائيل اليوم:
إسرائيل اليوم في الشرق دولة ذات سيادة وقانون ومعترف فيها من 165 دولة، وهي عضو دائم في الأمم المتحدة، فلم يعد هناك مجال لإزالتها ولا العودة بالتاريخ إلى 1947، يقول شارل مالك بعد عام واحد من إعلان دولة إسرائيل: “لا يستطيع العالم العربي الآن أن يكب اليهود في البحر”[2] ، إذا كان هذا الحال في عام 1949م، فكيف الحال إذاً اليوم؟ وخاصة إن اسرائيل ليس دولة استعمار كلاسيكي.
من الجيد أن يقارن الإنسان بالتالي: إن إمكانية إزالة دولة مثل دولة الخلافة الإسلامية(داعش) كان أمر ممكن وبسهولة وقابل للتحقيق، لأن رغم إعلان داعش ذاتها كدولة، لكن لم يعترف بها أحد وليس ذات سيادة ولا تحمل مؤهلات الاعتراف بها كدولة، وقامت على أراضي دول ذات سيادة(سوريا والعراق)، بينما فلسطين ذاتها لم يعترف بها إلى اليوم كدولة.
- القضية أداة:
أما فرص تحرير فلسطين وبناء دولة فلسطينية على كامل الأرض أضاعها العرب بشكل كامل، واليوم تحريرها كلها غير ممكن، بل يجعل لوجود حامل الشعار ولمصالحه وجوداً ممكناً، ومعيار صدق حركة مقاومة مسلحة أو غير مسلحة، تصارع الإحتلال ليس كونها تصارعه بل بصدق أهدافها التي تناسب القضية.
أما تحريرها والصلاة في القدس: شعارات فارغة أو فشل جديد بقراءة الحاضر و إن هناك من يريد أن يمتطي القضية الفلسطينية وشعبها، لتحقيق مصالح سياسية خاصة، واستخدامها للصراع بين المحاور ولتثبيت شرعية أنظمة ووجودات قائمة، لأن القضية الفلسطينة كثيراً ما تحولت لأداة لمساومة الغرب بقيادة الولايات المتحدة، يقول عزمي بشارة “كان الجميع يعرف أن مايسمى قيادة محور الممانعة في حينه، متمثلة عربياً بالنظام السوري، كان منخرطاً رسمياُ في جولات مفاوضات سلام مع إسرائيل، وكان آخرها تجري في تلك الأيام عبر اسطنبول، ولم تكن القضية الفلسطينية على جدول أعمال التفاوض بل الانسحاب من الجولان”[3]. واليوم تستعمل كأداة لمساومة إسرائيل ذاتها(راجع مقال البروفيسور نجيب جورج عوض:نحو قراءة مأساة غزّة بعقلٍ بارد).
- معيار صدق أيا مقاومة:
لاتكفي محاربة الاحتلال لتصير حركة ما حركة مقاومة مشروعة، قد يكون هذا الصراع لأجل مصالح خاصة، ومعيار صدقها ومشروعيتها هو صدق أهدافها ومشروعية الأهداف التي تسعى لها والتي تتفق مع أهداف المظلوم ذاتها، وأيضا الأدوات التي تعمل من خلالها، يقول نيتشه “عندما تحارب بنفس أسلحة عدوك تصير مثله”، إن غياب أهداف القضية الفلسطينية (والتي هي: قيام دولة فلسطينية على حدود67 والمطالبة بحقوق الشعب الفلسطيني المدنية والدولية وحقه بالحياة وتقرير مصيره بنفسه) عن خطابات حركات المقاومة المسلحة، يعني تماماً إن المصالح التي يتم الصراع لأجلها مختلفة كلياً عن مصالح الشعب الفلسطيني، والصراع ليس لأجل قضيته. فمنذ بدء الصراع وقد غاب عن كل الخطاب السياسي لحركات المقاومة من حـ.ـزب اللـ.ـه وحمـ.ـاس وباقي المحور المطالبة بقيام دولة فلسطينية على حدود67 وبحقوق الشعب الفلسطيني المدنية والدولة وحقه بالحياة وتقرير مصيره بنفسه، لأن القضية كلها ليست سوى أداة.
والذين يعلنون المقاومة لتحرير القدس ليسوا إلا حاملي شعارات مستفيدين من كونها أخر قضية تحرير ما زالت مفتوحة، ومداعبين المشاعر الشعوب العربية التي تتوق للكرامة ولم تنلها، بل تعرضت للانتهاكات كثيرة عبر نكسات ونكبات وانكسارات وهزائم، وما حدث في 7 تشرين الأول، قد اثبت فعلياً إن تحريرها كلها غير ممكن، ومن ينتظر حرباً شاملة معتقداً إن تحريرها سيتم وسيرمى اليهود في البحر، وسيدخل العرب من كل حدب وصوب ليصلّوا في القدس، هو كاتب يتخيل التاريخ يسير وفق سيناريو يكتبه، وجُلَّ ما سيحدث دمار وألاف الضحايا من أطفال ونساء،، وستنتهي الحرب “بجلوس الطرفين الإسرائيلي والإيراني على الطاولة لبناء تفاهمات وتقاسمات أدوار ومسؤوليات”،[4] على دماء شعوبنا.
- الخاتمة
كل هذا الكلام لا يعني أن نأخذ موقف الحياد الإيجابي ولا السلبي من كل ما يحدث لأن قضية فلسطين قضية عربية وتمس هويتنا كمسيحيين ومسلمين، وتمسنا كقضية إنسانية تحرير شعب مظلوم، وتمسنا في صميم رسالتنا المسيحية كقضية لاهوتية كمسيحيين لتحرير المظلومين من أشكال الخطيئة والشر، وإلا نكون قد خنا قيم المسيح وأعلنا فشلنا عن تجسيد سر الخلاص، ولا يعني أن نقبل وجود إسرائيل كما هي تريد وأن نخضع لها، بل بألا نقبل بعدم وجود دولة فلسطينة لشعب فلسطيني على أراضيه، ولأننا كشعوب كالشعب الفلسطيني الذي استيقظ وجد ذاته أمام القنابل والصواريخ في 7 أكتوبر/تشرين الأول، لنسأل ولو أخلاقياً وفكرياً ولو فقط في أعماقنا، أين هي قضية الشعب الفلسطيني في هذا الصراع؟ بعدما دفع منذ 7أكتوبر/تشرين الأول 39550 شهيد وأكثر من 90ألف مصاب ماعدا الدمار والجوع والأمراض، والتي سيُدفع ثمنه من دماء شعوبنا في سوريا ولبنان إن تدحرج الصراع إلى حرب إقليمية طاحنة، ولماذا تغيب عن خطاباتكم أهداف ومصلحة هذا الشعب؟ يجب أن نسأل ونُسائل ما هي أهداف هذه الصراع إن غابت مطالب وحقوق شعب يموت باسم قضيته؟
المراجع:
[1] شارل مالك، اسرائيل أميركا والعرب(تنبؤات من نصف قرن) “تقرير في الوضع الحالي 5آب1949، مقدمة غسان تويني، طبعة ثالثة، دار النهار، بيروت، اذار 2003.صـ 13
[2] شارل مالك، المرجع السابق، صـ20.
[3]عزمي بشارة، مستقبل القضية الفلسطينية ومآلاتها في ظل الوضع الراهن، المؤاتمر الخامس للدراسات التاريخية: شبعون عانما على نكبة فلسطين، الذاكرة والتاريخ 12-14أيار/مايو2018، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسيات، صـ 6-7: الرابط: https://2u.pw/UAZ61BzU
[4] جورج نجيب عوض، مقالة نحو قراءة مأساة غزّة بعقلٍ بارد، موقع الناس نيوز، تاريخ 1نوفمبر2023، الرابط: https://2u.pw/Cu0Udiio