خدَعتَني يا ربُّ

“خدَعتَني يا ربُّ فاَنخدَعتُ”(إرمياء 20: 7)، منذ أن تراءى صوتك فيَّ وقلت اتبعني، فبعت ساعاتي وأيامي وحرقت بقايا أزماني، وثوبي الذي اشتريته بأدمعي بِعتُه ليخف ثقل بدني وأجري كغزال، وأُحلّق في أسماءِك، ولم يبقى مني إلا ذاتي، لكنك بعتني، وعارياً تركتني أستر عورتي بظلي، وأحمل ذاتي على أكتافي، ورحت أجري كمن يحمل الكفن فوق الأكف ولا يدري على أي مذبح ينتهي.

جرحتني لما أطل وجهك البهيّ متجسداً بين الحروف في وريقات الكتاب الذي استحال مرآتي، فتركت عريي وخلعت كالثوب ظلي، ولما كدتُ أقتربُ لأغمرَ صوتَكَ، تلاشى صوتُكَ، وزهدَتَني، آهٍ، ليتَني أَغمرُ صوتَك فأكتفي.

وحملت ذاتي على كتفي ورحت أبحث عنك في الزمان والمكان، في الطول والعرض، وفي العلو، لعلك تُشفقُ، فما أشفقتَ عليَّ، كما على الكسيح حنيت، وبحثت عنك بالطول كزكا فما رنوتَ بعينيكَ لفوق الجميزة، ولا دعوتني إليك لتدخل داري، فتحت بابي بالعرض وفرشت مائدتي بالطول، لأنَّك قلت ها أنذا أقرع فمن يفتح أتعشى معه، فدخل برد ورعد وريح ونار وأفسدوا عشائي، وأنت مازلت تقرع وليس لي باب إلا باب أوصده الزمان، وخلعته فما دخلتَ ولا أنا أكلتُ وتبعثر العشاء كأوراق تلطمها الريح، وما زلت أسمع يدك تحنو على بابي وتقرع، على أيِّ باب يا رب تقرع؟ فلم يعد في بيتي أبواب، صرتُ بِلا باب وصوتك يرّنُّ كأنه الوهم لا أعلم، أم تذكرني حان الوقت أن أقرع أنا؟

خرجت أحمل ذاتي أتبع صوتك الذي أَعرفه، وتبعتك حتى أعماق أعماقي إلى ظلماتي إلى غماميَّ العميق إلى هوة لا قرار لها، وهناك تركتني وأضعتني، وتلاشى في الظلمات ظلي، فكيف أستر يا رب عورتي؟ ألا تشفق عليَّ كآدم المختبئ منك في الفردوس الذي سترتَ عورته بأوراق التوراة؟ آهٍ، ليتني كآدم أختبئ فتتبعني، ذاك الذي رفضَكَ وآكل من العشقِ المُحرم تبعت تطلبه، أما أنا الذي تبعتُك تَهرب مني، أتثقل ذاتك عليَّ لتهلب فيَّ العشق أكثر؟

لقد صرتُ يا يسوع وحدي لاظل لي ولا ذاتَ فيَّ، وتهت في متاهات نورِك المظلم وأنا عاريّ.

وهناك، ضاعت ذاتي بأعماقي وتاهت مني، وصار أناي فارغاً خربة خالية وفيَّ ظلمةٌ، وترف الريح فوق مائي. هل أبحث عنك؟ أم أبحث عن ذاتي التي ضاعت؟

تاه كُليِّ مني، وتلاشى بعضي، وتبعثرت أجزائي التي جمعتها، وصرت العدم، وأنت ما زلت تجري اسمع صوتك الجذّاب يشدني، لكن، يا رب أنهكني التعب.

ما بالك يا رب، تبعتك في الزمان، وكلما أكاد أمسك هّدب ثوبك تختفي، وأبحث عنك في المكان وكلما اقترب منك، لا ألاقي منك إلا السَّرابّ العظيم، ولما عانقته تلاشى فأعانق نفسي، وفي النهاية اقتربت منك، ولم تهرب، فلاقيتك معلقاً على عود مصلوباً عادم النسمة، أتيتك تحييني فمن يحييك ويحييني؟ ولما لمست الصليب أزهر بكفي.

استنفذتني يا ألله فما بقى مني إلا أناي وقليل من صورتك التي فيَّ خَلقت، فذاتي هربت مني، وأجزائي ذابت وبعضي أذرته الريح التي فيَّ رفَّت، استنفذتني يا ألله فأفنيتني، أفنيتني لما أحببتني.

أرحني وأفني مني ما بقي، أفنِ ألفي ولامي وعيني وزائي ورائي واترك قلبي، فأنت فيَّ القلب كله.

يارب قرَّبني إليك، وزدني من وصالك لعلّنيّ إن دنوتُ منك قربتني، وإن اقتربت إليك سكنتني، واصير كمريم ألدك كما ولدتني.