إن هذا المصطلح غريب على إذن المؤمن، لأنه معتاد أن يسمع عن الهرطقة بصورتها الفكرية، ولكن أن تكون الهرطقة إدارية، فتحتاج لتمعن وقراءة تجسد العقائد سلوكيا، إن العقائد ليس عبارة عن مصطلحات فكرية بحتة لا تمس الواقع البشري، فماذا ينتفع الإنسان من كون المسيح طبيعتين أو طبيعية واحد كنموذج أوطيخا مثلا، أو الله ثالوث أو رابوع، العقائد إن لم تصبح حياة لا معنى لها أبدا سوى للجدل الفكري.
أهمية تحديد العقائد ينبع من ضرورتها التجسيدية في حياة الإنسان أي تتحول من نموذج بحياة الله وعلاقته فينا إلى نموذج في حياتنا بين بعضنا، والخلاص مرتبط بتجسيد نماذج العقائد لا في حفظها ورقيا ولا فكريا، الآباء الرسوليون يخصّون عبارة عقيدة بالممارسة (Practice) أكثر منها بالنظريّة (Theory). لأنهم كانوا يعيشون الإيمان أو العقيدة بشكل عملي تطبيقي، وإلا نصبح مثل دول الشرق الأوسط حيث دستورها يقر بحرية التعبير وكرامة الإنسان والسجون مليئة بالمفكرين وذوي الرأي، فيصير دستورها شيء وسلوكها شيء أخر.
يخطأ من يظن كما يقول المطران بولس يازجي أن “(الإدارة) في الكنيسة ليست شأن (عقائدي)! لا بل هي الشأن الأول عقائدياً”…(الإدارة) ليست منفصلة عن الإيمان، الإدارة طريقة (الوجود) أي طريقة عيش الإيمان”(1) بمعنى المسيحي يجب أن يتمتع بالإيمان المستقيم(أرثوذكسية) وسلوك مستقيم(أرثوبراكسية)، ويرد في مقدمة كتاب أنطاكيا والقانون عن الأب أفاناسياف “إذ به يعلمنا لاهوت ويذيب الحقوق فيه، لذلك ما كان يستعمل كثيرا كلمة قانون، ما كنا نتبين الاستقلالية مادته(الحقوق) عن العقيدة” (2).
ويقول عالم اللاهوت إدوار سخليبس عن الارثوبراكسيس: لقد أصبح بائنا ان الفكر عامل جوهري للفعل، لكن منذ قرون كرست الكنيسة لصياغة حقائق الوحي الالهين وفي الوقت نفسه لم تعمل من أجل عالم أفضل، وبعبارة أخرى، فقد كرست الكنيسة اهتمامها الأرثوذكسية تاركة الاورثوبراكسيس لغير أعضائها، لغير المؤمنين”(3)
إن نموذج عقيدة الله هي ثالوث وهناك تمايز بين الأقانيم ولكل منهم دور أقنومي، وعقيدتي المسيح طبيعتين ومشيئتين بدون امتزاج أو اختلاط أو انتقاص، وغيرها ومن هذه العقائد، يجب أن تتجسد نماذجها بسلوك الكنيسة، أي تبنى إدارة الكنيسة وكل شؤون حياتها وعملها وتنظيمها على نماذج العقائد الإلهية والمرتبطة بخلاص الإنسان، لا يكفي أن نعتقد أن الله ثالوث، “الوفاء للدعوة المسيحية سيقاس بالضرورة بالأرثوبراكسية(المحبة الفعال) اكثر منه بالأرثوذكسية(النظرية)”
يجب أن تنظم الكنيسة علاقتها الداخلية حسب نموذج العلاقة الداخلية بين أقانيم الثالوث، وبعلاقتها الخارجية مع الدولة يجب أن تكون كنموذج علاقة الله الخارجية بالإنسان من خلال طبيعتي المسيح.
سأقدم مثالين
الأول: نموذج بناء الكنيسة هو نموذج الثالوث الأقدس، فالعلاقة الداخلية بين الاسقف والكاهن والشماس، والعلاقة بين المجمع والأسقف والشعب، والمجمع المتربوليت البطريرك، فهي ترتبط بذلك النموذج، الاسقف كما يقول الاباء إن المطران صورة الآب، والكاهن صورة المسيح، والشماس الروح القدس، وبناء عليه لا وجود لتراتبية سلطوية بل تساوي مطلق بينهم لكل منهم له دور في جسد المسيح الكنيسة، بينما لو أخذنا النموذج العالمي المطران هو الملك والكاهن هو وزير والشماس هو جندي تصبح الكنيسة نموذج عالمي من هذا العالم ولا ينطبق عليها قول يسوع “لستم من العالم”
الثاني: علاقة الكنيسة بالدولة كعلاقة الطبيعة الإلهية والطبيعة البشرية في أقنوم الابن، الطبيعة الإلهية هي طبيعة ليست من العالم ولكنها (دخلت) في العالم، والطبيعة البشرية من العالم وترابيته، والذي يوحدهما أقنوم الابن، وكذلك طبيعة الكنيسة “ليست من العالم ولكنها في العالم، وطبيعة الدولة من العالم والفكر البشري، يوحدهما الإنسان، بدون اختلاط أو امتزاج أو انتقاص، علاقة الكنيسة بالدولة البيزنطية مبني على نموذج هرطقة أوطيخة (النسر ذو رأسين)، ونموذج علاقة الكنيسة الكاثوليكية بالدولة في الغرب، نموذج علاقة نسطوريوس.
كما أن الطبيعة الإلهية دخلت لتخلص الطبيعة البشرية وتقدسها وتطهرها من خلال شخص المسيح، كذلك تعمل الكنيسة على رفع من شأن الدولة من خلال تقديس شخص الإنسان “لينمو في القامة والحكمة” وصبغه بالقيم الإنجيلية والملكوتية لسكبها في الدولة ورفع من شأنها وبناء نموذج وطن سليم وعادل وديمقراطي حر.
مثال المسيح الآتي من أجل خلاص كل إنسان آتي إلى العالم هل الكنيسة تعمل من أجل خلاص الجميع مواطن وجودها أما تكونت على أساس قومي طائفي تعمل من أجل أفرادها وأعضائها، الخطيئة والفداء، والخلاص حدث اجتماعي والتحرير واقعي
يقول البطريرك أثيناغوراس “خافت الكنائس من الإنجيل” 206 إن فشل السلطة الكنسية ينبع من أتباع نماذج مختلفة عن ما سلكه يسوع في علاقته مع العالم، ووضعت مبادئ لعملها من مبادئ أهل العالم ومبتعدة بشكل كبير عن المبادئ الإنجيلية وقيمه، فيمكن أن نطرح ألف سؤال عن انعكاس الإيمان بالسلوك، وتجسيد الإيمان القويم في سلوك القويم، بقاء الكنيسة فكر مجرد غير قابل للتطبيق يجعلها وجود إزاء وجود إيديولوجيات مختلفة، وبالتالي كما يقول البطريرك هزيم “حكمنا على انفسنا وبالتالي على الارثوذكسية بالهجرة الروحية والجغرافية وبالاكتفاء بالوجود الرمزي” كتاب نفحات انطاكية، ص6
هل طبقت الكنيسة إعلان يسوع “روح الرب على لأنه مسحني لأبشر الفقراء وارسلني لأعلن للمأسورين تخلية سبيلهم وللعميان عودة البصر إليهم، والفرج عن المظلومين”(لو18:4) كيف طبق هذا الإعلان خلال أزمة سوريا؟ ما هي المحددات التي وضعتها السلطة الكنيسة من أجل أن تعطي ما لقيصر لقيصر وما لله لله، وكيف عملت على حماية (ما لله) أي الإنسان في الشرق الأوسط مثلاً.
كيف طبقت الكنيسة مفهوم القيامة والظفر على الموت في الواقع هل حاربته أشكال الموت والخطيئة والفساد الاجتماعي والعمل على بناء نظم اجتماعية أكثر عدلا
ما علاقة الكنيسة بالحياة العامة ودورها تجاه صرخة المتالمين، ملائمة الخطاب مع الواقع المعاش واقترحوا أشكال نظام اجتماعي اقتصادي سياسي يكون أشد عدالة، والدفاع عن حقوق المقهورين، هل التحريري اليسوعي تحرير من جحيم في عالم آخر، هل التحرير من الخطيئة هو تحرير أدبي أم تعمل لتحرير الشعوب من عبوديات
كيف تعاملت السلطة الكنيسة في تطبيق مفهوم تنوع مواهب جسد المسيح؟ كيف تعاملت السلطة الكنسية بإدارة الكنيسة هل اتبعت نموذج المشيئتين أم مشيئة السلطة ابتلعت مشيئة الشعب؟ هل سلك المطارنة بنموذج المسيح اتيت لأَخدُم لا لأُخدَم.
المراجع
- المطران بولس يازجي، برج وجسد الجزء الأول، منشورات دير البشارة حلب،197
- جورج توفيق غندور، كتاب أنطاكيا والقانون، مدخل إلى القوانين الأنطاكية وتطبيقها في القرن العشرين، تعاونية النور الأرثوذكسية، مطبعة الينبوع، 2009، ص14
- جوستافو جوتييرث الدومنيكاني، لاهوت التحرير (التاريخ والسياسة والخلاص)، ترجمة جان رزق الله والأب جون جبرائيل الدومنيكاني، سلسلة اللاهوت المسيحي 2، دار الأكويني، طبعة أولى 2016،ص81