“الحَسن ما حسّنه الرّجال!!”
1. المقدمة
إن إشكالية سيامة المرأة لم تكن إشكالية عقائدية ولا هي لاهوتية بل هي إشكالية فكرية، فبينما توضع ذخائر قديسين(شهيدات/وشهداء) لتكريس مائدة الكنيسة لتقام الذبيحة الإلهية عليه، تُمنع سيامتها بالمراتب الإكليريكية، فكل ما يقال عن موانع ليس سوى تبريرات دينية فقط من أجل تبرير إقصائها، لا فقط عن الكهنوت بل عن الخدمة الكنسية ككل، وهذا يمكن استنتاجه بسهولة من متابعة الفكر والعمل المؤسساتي الكنسي، فقد قال القدّيس غريغوريوس اللاهوتيّ بأنّ “الرجال هم المشرّعون لقوانين ضدّ المرأة”، فحيث بدأت المرأة بعدما جديد المسيح الطبيعة البشرية بخدمة الشموسية ورسمت بوضع يد الأسقف كالشماس، بدأت تتوالى القوانين والتشريعات لإبعادها إلى أن وصلنا إلى إقصائها عن الدخول الكنيسة بالكلية خلال فترة الحيض[1].
2. البداية والتغير
ماينساه الكثيرون إن خدمة الأسقف لم تنشأ كما هي اليوم ، بل نشأت كبذور وهي خدمة موائد ثم تطورت على مدى قرون إلى أن أخذت شكلها الحالي وهذه الثالثة بعد الأنبياء والمعلمين، وبينما أُنشأت رتبة الكاهن الغير مذكورة في الإنجيل ولم يسمح به بالبداية بتكريس القرابين ثم تطورت مع رتبة الأسقف، كانت شموسية المرأة تُقصى ولم يسمح لها بالتطور الكامل، وأقصي المتزوج عن الأسقفية بعكس ما طلب بولس الرسول، وكاد يُقصى عن الكهنوت عندما ارتأوا “أن لا يرسم أساقفة وكهنة وشمامسة إلا الذين انفصلوا عن زوجاتهم”، لولا معارضة الشيخ بوفونطيوس[2]، فإذا كان الحال مع المتزوج هكذا فكيف مع المرأة؟ وخاصة مع تأثير الفكر اليهودي بالحياة والعبادة المسيحية[3] .
يقول مثلاً يعقوب الرهاوي “وكان لها الحق أيضاً أن تأخذ الأسرار من الكوّة في حال عدم وجود أي كاهن أو شماس وأن تعطيها للنساء والأطفال. وفي حال كان هناك إمرأة بالغة مستعدّة للعماد كانت (الشماسة) ترشمها بالميرون مثلما كانت تمسح بمسحة المرضى المريضات من (النساء)”[4]، وكانت الشماسة تسام بوضع يد الأسقف[5] وتبخر المذبح وتمسح النساء بالمعمودية ولا ننسى أن المعمودية كان جزء من الليتورجيا(القداس) أنذاك، والبعض يؤكد أنها نالت درجة القسوسية (χειροτονια) وليس فقط χειροθεία)) )[6]، ولكن بدل أن تتطور الخدمة كسائر الخدم الأخرى بدأت عملية الإقصاء، وخاصة مع بداية اختيار الأساقفة من الرهبان في القرن الثالث، وتحطمت وحدة المهمة المسيحية وبدأ يقع الفصل غير الطبيعي بين الرهبان ونخبة المهتدين وعامة الناس بمن فيهم الإكليروس[7]
3. تأثير الفكر في الإقصاء
نشأ فكر قاسياً أنذاك تجاه المرأة، فيقول ترتليانوس مثلا “المرأة هي بوابة الجحيم”[8]، ويقول القديس إكليمنضس الإسكندري : لو تأملت المرأة في طبيعتها لشعرت بالفضيحة” وكثيرا ما وصفت بالأدب الرهباني بأنها “الشيطان”[9] بينما وصفتها التعاليم الرسولية (التي تذكر سيامتها) “لتكن عندكم الشماسة مثل الروح القدس”[10]، الفارق هنا رهيب، ويرى الأدب الرهباني “أن عفةٌ ومحادثةٌ مع امرأةٍ، كلبؤةٍ وخروفٍ في بيتٍ واحدٍ”[11] ، ويوصي القديس انطونيوس “ولا تقترب إليك امرأةٌ ولا تَدَعها تدخلُ عندك”، والسؤال الذي طرحه المتروبوليت سابا إسبر في مقالته إلى أين؟ “ما هو التأثير السيكولوجي لوجود الجنسين سويّاً حول المائدة المقدّسة؟ [12] هو السؤال الذي طرحه الأساقفة ذو خلفية رهبانية، وكان جوابه :(إقصاء المرأة)، ولكن أسأل بذات منطق التفكير: ما هو التأثير السيكولوجي لوجود الجنسين(أسقف/كاهن أعزب مع إمرأة) سويا في الاعتراف بمفردهما؟ وألا يعني هذا إننا بحاجة ماسة وضرورية لإمرأة في المراتب الإكليريكية تهتم بالنساء والاعتراف؟
وهذا يوصلنا للنتيجة إن عدم سيامة المرأة بسبب طريقة التفكير وليس من باب عقائدي ولا لاهوتي، وهذا قد يفسر ما تقوله Valerie Karras[13] “استمرت خدمة الشماسة موجودة على الأقل في العاصمة وفي بعض المجتمعات الرهبانية النسائية” وغياب الخدمة في مناطق أخرى بسبب الفكر الذي سيطر، ثم أقصيت تدريجياً عبر قوانين أخرى مثلاً في مجمع اللاذقية، “لا مجال كي يكون هناك شيخات ورئيسات في الكنيسة”. ثم يقول برسيفال كلام بغاية الأهمية “المجمع الثاني في أورانج(في قانونيه 17و18) “أَمر بوجوب الامتناع عن سيامة أي امراة في المستقبل بسبب الضعف البشري”[14]، (ماقاله بريسفال مفتاح مهم جداً للفهم.
ثم وصلنا في القرن التاسع إلى القانون التالي للقديس ديونيسيوس ” لا يمنع(فقط) للنساء في حيضهن أن يتقدمن إلى المائدة المقدسة ويتناولن جسد المسيح المقدس ودمه الكريم، بل لا يجوز أن يدخلن إلى الكنيسة، أما واجب تقديم الصلوات فيقمن به في مكان آخر(غير الكنيسة)” ويعلق بلسامون فيقول كان السؤال هل يجوز أن تمنع النساء المسيحيات عن دخول الكنيسة عملاً بشريعة موسى …؟ فجاء الجواب كما في القانون”[15]، وهذا الفكر السائد إلى يومنا هذا
هذا مخالف تماماً للعهد الجديد مع يسوع، فبعدما حرر المسيح المرأة بدمه على الصليب عدنا وقيدناها، وبينما كانت تُسام بوضع يد الأسقف وتبخر المذبح، أخرجناها خارج الكنيسة، وكأن كل مفاعيل قيامة المسيح أُبطلت مع الزمن، لقد تبدل الفكر المسيحي ودخلته شوائب دينية متأثراً بالأديان المحيطة،يقول المطران بولس يازجي “تبدلت الظروف التاريخية بعد القرن الخامس وزادت المجتمع البطريركي حضوراً وخاصة بعد ظهور الإسلام”[16]، فبدل أن نساهم بتحرير المرأة غَرِقنا بتأثير الديانات الأخرى.
4. بعض الحجج في تبرير الإقصاء
يؤكد الإشمندريت غريغوريوس اسطفان، الدكتور بالعقيدة إقصاء المرأة، فيقول: “أقصيت المرأة عن الكهنوت لكنها لم تقصى عن الخدمة الكنسية” ثم يبرز سببين فيقول التالي: الأول: “لا يتفق سيامة المرأة ككاهن مع التقليد المقدس كله، فيما فيه تعليم الكتاب المقدس” والسبب الثاني الذي يذكره في كتابه “يعتبر سيامة المرأة تشكل انحراف لاهوتي عبر معاكسته لما سمته القوانين الرسولية”[17]، إذا افترضنا جدلاً صحة هذا الكلام؟” لماذا تم إقصاء المرأة عن الشموسية في الكنيسة؟ هل وجود الشماسات تخالف الإنجيل والتعاليم الرسولية التي حددت كيف تُسام الشماسة؟ ألا يشكل انتخاب الأساقفة غير متزوجين من الرهبان انحراف لاهوتي عبر معاكسته الكتاب المقدس: بما يأمر بولس الرسول”فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الأُسْقُفُ بِلاَ لَوْمٍ، بَعْلَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ” (1 تي 3: 2)، واختيار المسيح من بين تلاميذه متزوجين مثل بطرس؟
يختصر “كتاب نعم أولا لكهنوت المرأة” كل تاريخ الفكر الذكوري تجاه المرأة، فينظر لها بعيون المجتمع لا بعيون المسيح ولا عبر فكره، فيقول “المرأة في العصر الشهواني القائم اليوم، هي مجرد جسد يجذب الأنظار، ويدعو الناظرين إليه، ومن خلاله، إلى الاستهلاك. لقد أصبحت المرأة سلعة في سوق الشهوة..، وبالتالي أصبحت شيئاً في مجتمع اليوم، دون أن تدري. لقد أصبحت النافذة التي يطل منها العالم على الجنس، لا بل أصبحت هي إطار الجنس والمجسدة للفعل الجنسي”[18]، وأسأل مع من تجسد الفعل الجنسي أليس مع الرجل؟ .. ثم يقول “هناك مقهورية المرأة وواقعها وامكانياتها التي لا تسمح لها بالمطالبة بكهنوتها” وبنفس منطق كلامه، هناك ظُلم وشذوذ جنسي واغتصاب يقوم به الرجل واستغلال للمرأة والسلطة وانتهاك حقوق الإنسان، والانشقاقات في الكنيسة سببها الرجل، لا تسمح له بالبقاء في الكهنوت، هل يستقيم هذا المنطق؟ ومن ناحية ثانية هذا الكلام في الحقيقة هو إدانة لنا كجماعة يسوع بكل معنى الكلمة، لأن هذا يعني أن المؤسسة الكنسية لم تخلص المرأة بل ساهمت في إقصائها، وإبقائها في مظلوميتها، بل وساهمت بقوة في إعادتها إلى قيود العهد القديم بدل أن تحررها وتعطيها الكرامة التي وهبها إياه يسوع بدمه الكريم وفاض بروحه عليها كما على الرجل.
الخاتمة
لم يكن اختفاء دور المرأة اختفاء عرضياً ولم يكن بسبب عقائدي أو لاهوتي، بل بسبب وجود فكر انتشر وساد في الكنيسة ومازال إلى يومنا هذا، ويجيب عدنان طرابلسي عن السبب الحقيقي فيقول مثلا “بعد ٢٠٠٠ عام من المسيح لا يستحسن الرجال الأرثوذكس كهنوت النساء، ولا يستحسن الأرثوذكس تنقل المرأة كالرجل، واسترجالها[19]” يصدق كلامه لأنه للأسف الحَسن ما حَسّنه الرجال والقبح ما قبّحه الرجال لا ما حسّنه وقبّحه المسيح، الموضوع كله استحسان ورغبة، لا عقيدة ولاهوت.
حتى دور العلمانيين ككل أُقصى عن الإدارة الكنسية والمجمعية، ولم يسمح لخدمة شموسية المرأة بالتطور كسائر الرتب، وعدم الرغبة في دخول المرأة اليوم إلى المؤسسة الكنسية عبر الشموسية، لأن الرجال فيها مرتاحين إلى وضع المؤسسة الدينية بهذا الشكل وإلى وضعهم فيها، فدخول المرأة يعني تبدلات جوهرية في الرعاية والعمل والتفكير والمنطق، ودخول لشريك حقيقي في العمل الكنسي وفكر أنثوي جديد، سيدب الحياة حتما في جسم هذه المؤسسة الميتة.
المراجع:
[1]مقالة الأب لعازر عبود، طهارة المرأة والرجل تساؤلات أمام الخدمة الكهنوتية، الرابط https://2u.pw/lNnmouRR
[2]سقراتيس سكولاستيكوس، التاريخ الكنسي، تعريب الدكتور الأب/بولا ساويرس، سلسلة المؤرخون الكنسيون الأوائل(2)، ص93
[3] المطران بولس يازجي، عنصرة العصرنة بلسمة العصر الجريح، حلب-2008، ص221
[4] الربان فادي عبد الأحد، المرأة الشماسة في الكنيسة السريانية الأرثوذكسية ـ دراسة تاريخية دائرة الدراسات السريانية، الرابط https://2u.pw/Ffj2uOn3
[5] القوانين الرسولية، تعريب الأب جورج نصور، أقدم النصوص المسيحية، سلسلة النصوص الليتورجية(6)، الكسليك2006، صـ 397
[6] مقال: FEMALE DIACONATE IN THE ORIENTAL CHURCHES IN THE PAST AND TODAY By Christine Chaillot, https://2u.pw/0YselIQO
[7] الأب جورج فلورفسكي، الكتاب المقدس والكنيسة والتقليد(وجهة نظر أرثوذكسية)، نقله إلى العربية الأب ميشيل نجم، منشورات النور، صـ 88
[8] Women’s Gifts and the Diaconate ,by Carrie Frederick Frost /March 6, 2018, https://2u.pw/nFGjWsRk
[9] بستان الرهبان عن آباء الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مكتبة مارمينا، الطبعة الثانية، 1956، صـ 285
[10] القوانين الرسولية، تعريب الأب جورج نصور، أقدم النصوص المسيحية، سلسلة النصوص الليتورجية(6)، الكسليك2006، صـ 79.
[11] بستان الرهبان، المرجع السابق، ص303
[12] المتربوليت سابا اسبر، مقالة إلى أين؟ منشورة على صفحته الشخصية بتاريخ 14/5/2024، الرابط https://2u.pw/EAmGlv5D
[13] Female Deacons in the Byzantine Church (endnote) by Valerie A. Karras, link https://2u.pw/ADyJTbHF
[14] مجموعة الشرع الكنسي أو قوانين الكنيسة المسيحية الجامعة، جمع وترجمة وتنسيق الأرشمندريت حنانيا كساب، منشورات النور، 1998، ص 94.
[15] الشرع الكنسي، المرجع السابق، ص874
[16]المطران بولس يازجي، عنصرة العصرنة بلسمة العصر الجريح، حلب2008، ص221.
[17] الراهب غريغوريوس اسطفان، سر الكهنوت سر تقديس الكاهن والكنيسة والعالم، دير مار مخائيل نهر بسكنتا، 2012، ص301
[18] الأب منيف الحمصي، كتاب نعم أو لاء لكهنوت المرأة، موقع أورثوذكس أون لاين، https://2u.pw/r7SGG8He
[19] عدنان طرابلسي، كتاب سألتني فأجبتك، مجموعة من المؤلفين، مطبعة دكاش، عمشيت، الطبعة الرابعة، 2010، صـ 250