“ها كل شيء قد مضى”

أكتب إليك يا أبي علنا وجهارا، ها إن الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، قد مضى العتيق الذي لم تصنعه ولم نصنعه، ولكن كل ما صنعته سيتجلى، لا أحد يصنع آلامه ويطلبها، هل صنع المسيح آلامه؟ ألم يقل يا أبتِ أبعد عني هذه الكأس، هل نعاود سؤال القديس نكتاريوس وما ذنبي ليفعلوا بي كل هذا؟ سنلقى جواب يسوع ذاته: وأنا ما ذنبي ليصلبوني؟ ذنب المسيح أنه أحب، واعتقد أن محبته ستشفي الجميع، ولكنها عجزت، حتى وهو معلمنا جميعا قد فشل بعدة أماكن وخاصة في وطنه.

أذكر من كل ما حدث تلك الموجة الجارفة، ولكنها ليست إلا شعبويّة تسير مع التيار تصرخ تارة هوشعنا وتارة اصلبه، من يعوّل على الشعبويّة ستغرّقه يوما، إن المسيح لم يعول على الشعبويّة، لذلك لم يظهر للشامتين ولم ينزل عن الصليب، لم يهتم أن يكشف قوته إنما حقيقته، لذلك بعدما قام ظهر بالخفية لقلة من الأشخاص، وليس الآن مهم ما حدث، المهم ما تجلى من الحدث، هو أنك أكثر معنىً، أنك قد عبرت، هذا يعني أنك تجليت وكفانا نحن ما تجلى فيك، وقد تم السر بصمت.

ما يهمني فقط اليوم، ما لن يكتبه التاريخ، وكيف يكتبه إن لم نحكيه، ما قد حفر على القلوب وتجسد في الحياة، وهي خبرتي معك، منذ أكثر من عشر سنين، عرفتك أبا فأطعتك كما قال الأدب المسيحي، أتذكر كيف كنت أبدأ صباح كل يوم بالاتصال بك لأقول ها أنا أصلي، وكنت أصلي “يا إله أبي”، قد ارتبطتُ من خلالك بالمعلم(يسوع) في ذلك الوقت، كنت تقف بيني وبين المسيح، ولم يكن سوى وقت قليل فتوثبت إلى الأسقفية، فكنت أسقفا لنا، وسيداً لأجلنا، لم تكن السيادة معك كالمعهودة بل كانت خدمة، وبقيت أبا لا بل أكثر صرت أخا، تجسد فيك قول المعمدان “يَنْبَغِي أَنَّ ذلِكَ يَزِيدُ وَأَنِّي أَنَا أَنْقُصُ.” فلم يعد بيني وبين المسيح أحد صار أبي بجانبي بعدما كان أمامي، كنت أطل على يسوع من خلال وجهك، إلى أن توارى وجهك كلياً وأشرق وجه يسوع لي، وأظهرت أن الله الآب هو الأب الحقيقي، وتواريتَ، فصرتُ أصرخ “يا إلهي”.

إن الأب مع بنيه يربيهم ليحلقوا، ومتى طاروا أطلقهم ليحلقوا في فضاء الله، عندئذ يطيرون معا ويحلقون كأخوة معاً، نحن أخوة أبينا، نقلتنا من أبوتك لأبوة الله الآب، فالطاعة الأبوية تنتفي عندما يصير الابن أباً وتنتهي، ليصغي لصوت الله بدون وسيط، جعلت من كل واحد فينا أباً جديداً، ببساطة كنت أباً صادقاً آميناً، آميناً على نفوسنا وأهدافنا وحياتنا، وكنت صادقاً حتى المنتهى، عرفتك أباَ وخبرتك آخاً للآب السماوي.

أخاف أن أتكلم أكثر وافتخر بما فيك فيلحقني قول القديس يوحنا السلمي، فكفاني أن اذكر تلك الخبرة معك، فلا يهمني من الأشياء العتيقة التي مضت الآن شيئا، فالتاريخ شاهد عليها كلها وعلى تفاصيلها، والتاريخ لا يحابي وجه إنسان، إنه كالله لا يهاب أحداً، ألم يدوّن التاريخ لنا أحداث منذ ألفي عام بتفاصيلها،نقرأها في تاريخ الكنيسة، وللمطارنة في التاريخ نصيب كبير، لا بل يروي لنا التاريخ حتى عن الحوار بين سقراط وزوجته أنتيبي قبل موته، فلا خوف على التفاصيل من أن تضيع إذ “لا خفي إلا ويعلن” كما قال الرب يسوع، سندع التاريخ ينصف الماضي وعملك، فإن أنصفتك أنا يقال هذا ابنه، ونستودع الباقي في ذاكرة الله، أما الجديد القادم سيدونه أيضا، وهو صنع أيدينا.

نحن أخوة إيليا وبنوه.