“سنة الرب المقبولة/2024”

نطل على العام الجديد، حاملين إليها الكثير من المآسي والإحباطات واليأس والحروب والأوجاع، وقد فقدنا معنى المسيحية التي ننتمي إليها فصار الزمن كله لا يعني سوى تتالي أرقام، يقول المطران بولس يازجي “المسيحية التي ننتمي إليها ليست دين، بل هو السعي والعمل لتحقيق حضارة إنسانية بكمالها، ملكوت الله هو العالم الذي يحيا به الإنسان ملئ حياته، ويحقق فيه أكمل وجه للحضارة البشرية”، إن ملكوت الله ليس مُثل أفلوطونية ولا حياة أخروية في عالم آتٍ بعد الموت، هو الآن وهنا.

تصبح سنة 2024 المطلة علينا سنة الرب المقبولة إن تبنا إلى لله وتبنينا عمله بالعالم وعملنا لخلاصه وعلى بنائه الآن وهنا، فيبدأ ملكوت الله حضوره فينا، عندما نعمل كمسيحين لبناء العدل والرحمة والحريات وحقوق الإنسان والدفاع عن المظلومين في بلادنا، وإعلان الخلاص كحدث تاريخي لا أخروي، يمس حياة الناس اليومية والمجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويدخل إليها قيم إنجيلية.

يقول المطران بولس “الكنيسة هي مصنع الحضارة الإنسانية”، ولكن السؤال، كيف ستكون الكنيسة اليوم مصنع للحضارة الإنسانية في سوريا وفي لبنان والعراق؟ ونعاني نحن المسيحيين من انقسامات رهيبة، بين المسيحية والكنيسة، وبين المسيحيين أنفسهم، وبين الكنيسة والإيمان، وصراع مخيف على السلطة والنفوذ والعروش، ونتبنى من ناحية ثانية برامج عمل سياسية قيصرية تخدم مصالح القوة والأنظمة القائمة.

الانقسام الأول خفي بين المسيحية والكنيسة، وإصلاحه بأن تتلاقى المسيحية والكنيسة من أجل مرحلة جديدة من تاريخ المسيحية في سوريا وفي لبنان، وتكون عظيمة بقدر تواضعها وبذلها لذاتها، هذا الانفصال يعني تماما إننا حكمنا على أنفسنا وبالتالي على الأرثوذكسية بالهجرة الروحية والجغرافية وباكتفاء الرمزي” البطريرك اغناطيوس هزيم.

الانقسام الثاني بين مسيحيي المشرق، للأسف المسيحيون منقسمون على أنفسهم، يقول المعلم”«كُلُّ مَمْلَكَةٍ مُنْقَسِمَةٍ عَلَى ذَاتِهَا تُخْرَبُ، وَكُلُّ مَدِينَةٍ أَوْ بَيْتٍ مُنْقَسِمٍ عَلَى ذَاتِهِ لاَ يَثْبُتُ.” (متى 12: 25)، إن انقسام المسيحين قسّم قوة شهادتنا للمسيح من ناحية وفاعلية وجودنا، ومن ثانية جعلتنا غير فاعلين بهذا المجتمع، لا بل أكثر إن فسد الملح يرمى خارجاً. ألا يجب أن يتلاقى المسيحيين في الشرق من أجل وحدة مصيرهم في سوريا، ووحدة مصيرهم في لبنان، وألا يجب أن يعقدوا مجامع مسيحية مشرقية معاً لمناقشة مصير وجودهم وشعوبهم ومواطنيهم وشركائهم في هذا الأوطان.

أليست هذه مآساتنا اليوم وهذا نتاج عمل أيدينا، لقد طردنا المسيح بأحقادنا وتكبرنا وفريسيتنا لقد شوهنا الإنجيل فهرب المسيح، يقول البطريرك أثيناغوراس “إننا نطرد المسيح من المكان الذي يبذل نفسه فيه بكليتها، أي في الكأس، الكنيسة المنقسمة تمزق سيدها. إننا مرتاحون لأنفسنا نحن الأطهار نمتلك الحقيقة وندين الآخرين، ولكن الحياة والتاريخ في المرصاد يقرعان باب الكنيسة”.

نحن لسنا بحاجة لخطط وأفكار وتشاورات وخلق برامج عمل كنسيّة مسيحية، ما نحتاجه الآن وهنا، إلى الالتقاء معاً، فبرنامج العمل للمسيحين والكنيسة، مُعَد وأعده السيد منذ أن أنطلق إلى كرازته العلنية:

“رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ ، لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ وأُنادي للأَسرى بالحُرِّيَّةِ ولِلعُميانِ عَودَةَ البصَرِ إِلَيهِم وأُفَرِّجَ عنِ الـمَظلومين وأُعلِنَ سَنَةَ رِضاً عِندَ الرَّبّ”(لوقا18:4-19).

لسنا بحاجة إلا أن نتبنى برنامج المعلم ونتخلى عن برامجنا الخاصة والضيقة والأنانية، ونكف عن مواجهة أزمات بلادنا ومشاكلها وهجرة المسيحيين بالوعظ الطوباي، وننادي كما نادي القديس غريغوريس بالاماس في سبيل العدالة الأجتماعية، ونطالب بتحرير الإنسان كالقديس باسيليوس الكبير، ووضع نهج للعمل السياسي كالقديس نكتاريوس، علينا أن نبحث وندافع عن الحرية والعدالة والسلام ونهوض شعوبنا التي أذلت وانتهكت كرامتها من جراء الأستبداد والطغيان، وتحرير المرأة والمساواة، وحقوق المواطنة، والدفاع عن حقوق المسلمين كالمسيحيين والملحدين كالمؤمنين.

يجب أن ندافع عن حق كل إنسان بالحياة، ونطالب بالعدالة والتغيير وتحرير المسجونين وإعادة المخطوفين وبناء نُظم تحمي الإنسان ولا تنتهك كرامته، أن نطالب لأجل الكل، فالمسيح صلب لأجل مطلق إنسان، صلب لأجل البوذي والمسلم والهندوسي والملحد والربوبي والمسيحي، لذلك ما علينا إلا أن نقتدي بالمعلم الذي أراد خلاص الجميع فنعمل على الخلاص الكل.

صرخ ذات مرة البطريرك اغناطيوس هزيم “يجب أن نعترف بأننا تعسفنا وإننا قسونا وإننا جهلنا ولم نهتم بما هو لأخينا فكأن الله لم يكلم سوانا”، نحن بحاجة لنهضة مسيحية في سوريا ولبنان، هذه النهضة لا تهتم بعدد مطلقيها ولا بمقاماتهم، بل خميرتها قامات مسيحية علمانية وكهنوتية، ويكون ولائنا فيها للمسيح حيث يقتضي عملنا برفع هذه الدنيا إليه، عبر مؤسسات ونظم بترجمة عمل الله فعلا خلّاقاً في التاريخ وفي بلادنا، قبل أن نتحول بعد حين إلى علماء أثار ننقب عن الوجود المسيحي في بقايا أوطان، ولا يظل منا سوى بقايا معابد وذكرى وجود.

نحن بحاجة في هذا العام لأن نكون أنبياء التجديد ناظرين إلى المسيح الذي تجسد ليحول الكلمة إلى فعل يخترق التاريخ، وتكون لدينا كنيسة نبوية تتفوه بسلطان المسيح وتخلق عمله بين الناس ولأجل كل الناس، عندئذ تكون سنة 2024 سنة للرب مقبولة.