يشكل سفر الرؤيا، السفر الأكثر غرابة بالنسبة لغير العارفين، ويجذب اهتمام القرّاء في أوقات الكوارث والحروب، محاولين قراءة المستقبل فيه، فمن يقرأ سفر الرؤيا على أنه للمستقبل، لم يفهم قول يسوع أثناء محاكمته “« مِنَ الآنَ تُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ جَالِسًا عَنْ يَمِينِ الْقُوَّةِ، وَآتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ».” (مت 26: 64)، لا شك يتكلم سفر الرؤيا عن مجيء المسيح ولكن المجيء الأول الذي صار، وقد تم كل ماكتبه على الصليب أولاً، وتم ثانياً أيام اضطهاد المسيحيين التي عاشها الرسول يوحنا كاتب السفر.
قبل أن أوضح هذه النقطة سأوضح نقطة هامة كيف يقرأ الرسول يوحنا التاريخ؟ بالعودة للحوار بين رؤساء الكهنة يقول حنّان “وَلاَ تُفَكِّرُونَ أَنَّهُ خَيْرٌ لَنَا أَنْ يَمُوتَ إِنْسَانٌ وَاحِدٌ عَنِ الشَّعْبِ وَلاَ تَهْلِكَ الأُمَّةُ كُلُّهَا!»” (يو 11: 50)، موت يسوع كان بالنسبة لليهود خلاص سياسي من خطر الرومان، ثم يكمل يوحنا “تَنَبَّأَ أَنَّ يَسُوعَ مُزْمِعٌ أَنْ يَمُوتَ عَنِ الأُمَّةِ، وَلَيْسَ عَنِ الأُمَّةِ فَقَطْ، بَلْ لِيَجْمَعَ أَبْنَاءَ اللهِ الْمُتَفَرِّقِينَ إِلَى وَاحِدٍ.” (يو 11: 51)، بينما تكلم حنان واقع سياسي، قرأ يوحنا الحدث قراءة لاهوتية سيحققها يسوع، وهكذا كتب سفر الرؤيا، يقرأ ما يحدث مع المسيحيين قراءة لاهوتية وأن المسيح هو سيد التاريخ ويوجهه إلى نهايته
سفر الرؤيا كشف للعهد القديم
سفر الرؤيا هي الإنجيل ذاته لكن بلغة أخرى، هي إعادة ترجمة لكل معطياته يعمل سفر الرؤيا على توضيح أن كل الرؤى التي رآها الأنبياء مثل دانيال تحققت بيسوع، يوحنا يكشف هُوية ابن الانسان التي ظهرت العهد القديم، أنه هو يسوع، ويوضح وأن مملكة الله التي وعد بها شعبه قد تحققت بأورشليم الجديدة التي هي الكنيسة، وتحقيق ووعد الله “وَأَنْتُمْ تَكُونُونَ لِي مَمْلَكَةَ كَهَنَةٍ وَأُمَّةً مُقَدَّسَةً”(خر 19: 6) يعلن سفر الرؤيا التحقيق”وَجَعَلْتَنَا لإِلهِنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً”(رؤ 5: 10).
سفر الرؤيا إعلان أن الله يقود التاريخ
والأمر الثاني يعلن السفر الرؤيا أن الله سيد التاريخ ويقوده إلى غايته، فكما انتصر المسيح عبر آلامه هكذا سينتصر المؤمنين في الاضطهاد، فيدمج الرسول يوحنا بطريقة فذّة صراع يسوع وانتصاره على الشيطان بصراع المؤمنين مع الوحش القيصر نيرون، ويجعل من صراعهم مع القيصر اشتراك مع صراع المسيح ذاته، وانتصار المسيح هو انتصار المؤمنين
سفر الرؤيا لا يتكلم عن المجيء الثاني
ولا يتكلم أبدا عن المجيء الثاني ولا المسيح الدجال، فكلمة المجيء παρουσία والتي تعني المجيء الثاني لا ترد أبداً في سفر الرؤيا، ترد كلمة ἔρχομαι وتعني جاء ولا تستعمل بمعنى المجيء الثاني، ولا ترد مطلقاً كلمة لا المسيح الدجال ولا المسيح الكذاب في سفر الرؤيا.
صور سفر الرؤيا من العهد القديم
الصور الواردة في سفر الرؤيا مأخوذة بالكلية من العهد القديم، هذه الرؤية تعيد تجميع كل الصورة المتناثرة عند أنبياء العهد القديم،/ وكل الأحداث مثل ضربات السبع على فرعون، وتضعها في سياق تحقيقها وضمن تسلسل جديد لتكشف من خلاله هُوية يسوع، يوحنا اللاهوتي عبر الرؤيا يقرأ التاريخ قراءة لاهوتية تحققت على الصليب، ويقرأ تاريخ الاضطهاد كانتصار المسيح وهذا تحقق عندما تحولت المسيحية إلى ديانية شرعية وكف الاضطهاد، فأشرق على المسيحيين أرض جديدة وسماء جديدة
يذكر دانيال كنتُ أَنظر في رُؤيايَ لَيلاً فإِذا بِمِثلِ آبنِ إِنسان آتٍ على غَمامِ السَّماء”(دا13:7)، ابن الإنسان في العهد القديم كان مجهول لا أحد يعرف هويته، فيأتي يوحنا ليكشف هويته “هُوَذَا يَأْتِي مَعَ السَّحَابِ، وَسَتَنْظُرُهُ كُلُّ عَيْنٍ، وَالَّذِينَ طَعَنُوهُ، وَيَنُوحُ عَلَيْهِ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ” (رؤ 1: 7) و” كائن يشبه ابن الإنسان”(رؤ13:1). وأيضا نقرأ في إنجيل متى ” مِنَ الآنَ تُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ جَالِسًا عَنْ يَمِينِ الْقُوَّةِ، وَآتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ».” (مت 26: 64).
وفي حزقيال مثلا “وَفَوْقَ الْمُقَبَّبِ الَّذِي عَلَى رُؤُوسِهَا شِبْهُ عَرْشٍ كَمَنْظَرِ حَجَرِ الْعَقِيقِ الأَزْرَقِ، وَعَلَى شِبْهِ الْعَرْشِ شِبْهٌ كَمَنْظَرِ إِنْسَانٍ عَلَيْهِ مِنْ فَوْقُ (حز26:1) ويقول في سفر الرؤيا وَفِي وَسْطِ السَّبْعِ الْمَنَايِرِ شِبْهُ ابْنِ إِنْسَانٍ (رؤ 12:1).
سفر الرؤيا الوجه الخفي لإنجيل يوحنا
“ثُمَّ سَكَبَ الْمَلاَكُ السَّابعُ جَامَهُ عَلَى الْهَوَاءِ، فَخَرَجَ صَوْتٌ عَظِيمٌ مِنْ هَيْكَلِ السَّمَاءِ مِنَ الْعَرْشِ قَائِلًا: «قَدْ تَمَّ!»” (رؤ 16: 17). وهذا تماما ما حدث على الصليب “فَلَمَّا أَخَذَ يَسُوعُ الْخَلَّ قَالَ: « قَدْ تَمَّ ». وَنَكَّسَ رَأْسَهُ وَأَسْلَمَ الرُّوحَ.” (يو 19: 30). وبينما في إنجيل يوحنا يصمت تماماً عن ما حدث عندما أسلم الروح بعكس باقي الأناجيل التي تصف زلزلة يصف سفر الرؤيا فيقول “وَنَظَرْتُ لَمَّا فَتَحَ الْخَتْمَ السَّادِسَ، وَإِذَا زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ حَدَثَتْ، وَالشَّمْسُ صَارَتْ سَوْدَاءَ كَمِسْحٍ مِنْ شَعْرٍ، وَالْقَمَرُ صَارَ كَالدَّمِ،” (رؤ 6: 12)، وهذا كله حدث يوم صلب المسيح، ونكرره تماما في تراتيل الجناز.
سفر الرؤيا مصدر للصور في تراتيل الأسبوع العظيم
فمثلاً “ها قد غَلَبَ الأَسَدُ مِن سِبطِ يَهوذا”(5:5) نراها في التراتيل “لنشاهد البارز من يهوذا راقداً ونهتف نحوه نبويا جثمت ونمت كأسد”، وأيضاً “لَن يَكونَ لَيلٌ بَعدَ الآن”(5:22) فنرتلها “في نهار ملكك الذي لا يغرب أبدا”.
أما الألف سنة التي يتم الحديث عنها في سفر الرؤيا فهي الزمن الأخير الذي بدأنا نعيشه منذ صلب المسيح وهذا معروف في لاهوتنا، ويؤكد يوحنا اللاهوتي “أَنَّنا في الزَّمَنِ الأَخِيرَةُ.” (1 يو 2: 18).
النهاية
بالنهاية صلب المسيح وقيامته هي المفتاح الضائع لفهم سفر الرؤيا، سفر الرؤيا يقرأ الزمن كله قراءة لاهوتية من سفر التكوين إلى الصلب، ويوضح أن كتاب التاريخ المختوم بسبع أختام(رؤ2:5) قد فتحه يسوع على الصليب، وأن أورشليم الجديدة التي وعد الله شعبها بها، قد صارت حاضرة، ولا يكتفي بذلك الرسول يوحنا بل يعلمنا كيف نقرأ التاريخ قراءة لاهوتية لنفهم بأكثر دقة كيف يعمل الله فيه، وكيف يربط المسيح ذاته بالمضطهدين ويحارب عنهم ويقود التاريخ، حان الوقت لنخلص سفر الرؤيا من تفسيرات البدع والشيع مثل المجيئيون والادفتست وشهود يهوا والألفيين والمونيّون التي علقت فيه ونقرأه على ضوء قيامة المسيح، فيتحول من لغز إلى كشف، ونصرخ مع يوحنا تعال أيها الرب يسوع
مراجع
الأشمندريت إيليا طعمة، دراسات كتابية في سفر الرؤيا 38، دار المشرق، بيروت
الشماس انطون ابراهيم، دراسة في سفر الرؤيا، منشورات دير سيدة البشارة، الدراسات اللاهوتية والثقافية-حلب 2011.
سفر الرؤيا بين الأمس واليوم، محاضرات نسقها وقدم له الخوري بولس فغالي، دراسات بيبيلية -15-، الرابطة الكتابية