خطيئة الأرثوذكس اليوم إنهم مازالوا عالقين في حلم استعادة أمجاد بيزنطية القديمة، فمنذ سقوط الإمبراطورية وأمجادها الى اليوم، يكسرهم حلمهم المجنون، لذلك ترى ضعف الإدارات الكنسية بأنهم ينصاعون للدولة وللسلطة أكانت قيصرية أو جمهورية أو غيرها، ولا ينفك الأرثوذكسيون الحالمون أن يستندوا على أية نبوءات لتزكية أمالهم بالعودة للمجد الزائل، مجد الأرثوكسية العتيق، الذي يروه فقط بالسلطان والمدينة العظيمة، و وجه القيصر الأرثوذكسي هو مقر المجد، وجغرافية القيصر هي الملكوت المفقود. أيا كان هذا القيصر لو كان مسخاً.
لكن هل يعلم الحالمون بالمجد الزائل انما يجعلون من موت المسيح على الصليب ليس سوى تحول ملك روما من الوثنية الى المسيحية، ونقل السلطة من يد الكهان للكهان، ومن يد القيصر الوثني الذي نصب نفسه الها إلى يد القيصر الذي نصبه الإله كما عبر أحد المفكرين، فهناك يبخر الكهان قبل الحرب وهنا يكرس الكهان السلاح من دبابات وطيارات بماء مقدس.
إذا أردنا أن نقارن بين العهدين للامبراطورية العهد الوثني والعهد المسيحي، وعدنا بالتاريخ إلى ما قبل السيد ، فنرى أن الامبراطور في بادئ الامر رُفع إلى مرتبة الالهة، ففي أفسس بُني معبد يحمل هذه الكتابة: “إلى آلهة رومة وإلى يوليوس الإلهي”، ومع تبدل الجمهورية إلى امبراطورية صار للسلطة الحكومية طابع إلهي، والامبراطور لا يطلب عبادة مطلقة بل مجرد اعتراف شامل من الجميع بسلطته الإلهية مع كل ما يرافق هذا الأمر من تعسف ديني وخضوع(1) ومنها جاء مصطلح الحبر الأعظم.
والذي جعل الامبراطور ذو صفة كهنوتية واسعة أيام الدولة البيزنطية يقول الأستاذ تروتسكي: فكانت نظرية بلسمون بطريرك انطاكيا “نظرية المسحة” (هذه النظرية التي تقول ان بواسطتها ينال الامبراطور كل حقوق السلطة الاكليريكية العليا) التي لا تكفل للامبراطور البيزنطي فقط نِعَم المعمودية بل تمنحه خدمة تنصيب الأساقفة وبالتالي يصبح الامبراطور ذا صفة كهنوتية أولى – الحبر الأعظم- يحق له أن يعين ويحاكم البطاركة ويزيل ابرشيات، وكانت نظريته هذه ليست سوى تسلط الملك على الكنيسة(2) وهذه النظرية كانت تساير ميول الاباطرة وشهواتهم وكان يرجع اليها المشترعون البيزنطيون، واعطوها صبغة شبه عقائدية وعليها استند البطاركة برسائلهم إلى الامراء الروس، فكتب البطريرك انطونيوس الرابع إلى الدوق الكبير باسيل ديمتيري افيتش 1393يقول” الامبراطور القديس يشغل منصبا ساميا في الكنيسة وهو ليس كسائر الامراء…لأنه سيد العالم اجمع ” وبعد سقوط الإمبراطورية البيزنطية أصبحت هذه النظرية نظريمة بلسمون مطبقة في الإمبراطورية الروسية، وكانت المجامع الروسية تعتبر القيصر مسيح الرب(3). وإذا قارنا ما فعل مجمع الشيوخ ليوليوس قيصر، أليس هو ذاته ما فعلته الإدارة الكنيسة للامبراطور وجعلته سيد العالم؟، وساهمت في تكوين الدولة بنموذج مونوفيزيقية أوطيخا، تمجيد الدولة.
لكي لا يفوتنا فنظرية المسحة إنما اخترعت نتيجة شهوة بلسمون أن ينتقل بطركا من أنطاكيا إلى القسطنطينة ولكن في النهاية، نقل الامبراطور بطريرك اورشليم إليها، ثم كثيرا ما كانت شهوة ذوي النفوذ في التاريخ مقياس للحقيقة ومازالت للأسف، ، بذلك نفهم فكر برداييف التالي” فقد تم التلاعب بالايمان المسيحي ليخدم مملكة القيصر القائمة وليدافع عن الطبقة الحاكمة والأغنياء والسلطة، وقبل للفقراء والمهمشين أن يقبلوا آلامهم وشقائهم فهو نصيبهم في الحياة وأن يخطعوا بوداعة لكل شر اجتماعي، …..منذ زمن الامبراطور قسطنطين لم تتخطى مملكة قيصر كما كان يفترض بها ان تفعل لقد أخفقت الكنيسة في واجبها وتعهدها”(4)
هذا من ناحية ومن ناحية اخرى كان القياصرة يرون في الكنيسة يد جديدة يبسطون سلطانهم من خلالها، فالامبراطور البيزنطي الذي لم يستطيع ان يبسط نفوذه على الإمبراطورية الروسية بجيشه انما بسطها من خلال الإدارة الكنيسية عندما طلب البطريرك انطونيوس الرابع من الامير الروسي ان يعترف بسيادة الامبراطور البيزنطي كونه سيد العالم، وهذا ما نراها اليوم في افريقيا، فروسيا التي لم تستطع بسط نفوذها سياسيا في افريقيا تبسطه من خلال الإدارة الكنسية، بحيث يصير للكنيسة الروسية أبرشيات فيها ويصير للدولة من خلالها موطئ قدم.
إن ضرر الذي الحقته الإدارة الكنيسة بالكنيسة بسبب محاولاتها التوفيق بين الدولة والكنيسة يفوق بكثرة ما استفادت من ارتباطها فيها، فصار ازدهار الكنيسة مرتبطاً ارتباط تاما بنقاء الحكام واستقامتهم الايمانية فهم إن استقاموا استقامت معهم الكنيسة وإن هرطقوا تبلبلت (راجع تاريخ أسد رستم، حرب الإيقونات وغيرها) وفي روسيا كان بطرس الأكبر متأثرا بالفكر البروتستانتني وكانت الكنيسة خاضعة له.
ومثال جديد معاصر: في حرب روسيا وأوكرانيا وخلال لقاء البابا فرنسيس مع البطريرك كيريل في 15اذار الحالي على منصة زوم الذي استمر مدة 40 دقيقة، عشرون منها يبرر فيها البطريرك كيريل الحرب على أوكرانيا فقال البابا لمحاوره نحنا لسنا خادمين لدولة ينبغي ألا نستخدم لغة السياسة انما لغة الرب يسوع، وصارح البطريرك بقول:( لا يجب ان تتحول إلى خادم للهيكل عند بوتين) وللأسف اليوم الكنيسة بالنسبة للدولة ليست سوى وجه جديد للشيوعية تحكم من خلاله
لقد دفعت المسيحية ثمنا باهظا وبذلت دما وحاربت ضد عبادة الامبراطور لكي لا تأكل من خبزه، ألكي تعود اليوم نتترجى خبز مائدة القيصر الأرثوذكسي؟ هذا القيصر الموعود لن يحرر العبيد انما يتيح لهم عبودية فخمة لأنه على دينهم (نحن عبيد ملك من قبيلتنا) ولن يفكك قيودهم إنما يجملها باسم المسيح، فلا نخطأ عندما نوازي بين من يطالب بخليفة ومن يطالب بقيصر هما وجهان مختلفان لعملة واحدة وهي سطوة القبيلة، ونحن لم نصبح أحرار بعد. يقول البطريرك اغناطيوس الحكيم (الرابع هزيم) أجسر أن أقول إننا في كثير من الأحيان ننجرف في العالم ونخون ربنا ونجعل من سواه ربا لنا، المسيحية ليست جيشا ولا سلاحا وليست أمجادا كما يفهمها الناس(6)
علينا ان نقتل اليوم فكرة القيصر الأرثوذكسي وأن يذهب كل أثر ورجاء بعودة المجد الأرضي وأن نعترف إننا أخطأنا لوجه يسوع عندما كان الامبراطور وكيلا الهيا، لكي يعود الارثوذكسيون إلى حب يسوع الختن المصلوب ويبُشرون باسمه، لتعود إلى البرية الأولى، ارثوذكسيون همهم الأوحد بناء وطن شريعته رفع الانسان لا بناء مملكة تفرض شرع الله، يجب أن يتحرر الأساقفة فيها من سطوة المجد العالمي، من التاج والعكاز والصاكوص الامبراطوري، من ثوب الملك ومن عرشه، يجب أن نكف عن البحث عن جغرافية الامبراطور. ليس هذا وحسب بل يجب أن يزال اسم الامبراطور إلى الابد ونعلن أن كل انسان مسيحي تعمد يصير هو مسيحا للرب، لا بل أكثر يجب أن نعتذر من كل الشعوب التي استبعدوا باسم الامبراطور الأرثوذكسي. لقد تغيير التاريخ ولم تعد بيزنطة موجودة وعلينا ان نكون واقعيين لئلا نعزل من الوجود يقول البطريرك الحكيم(7).
ويبقى السؤال العالق هل تستطيع الادارات الكنسية اليوم الخوض في غمار تحرير الكنيسة من مجد الامبراطور وسطوته وتبيكون الامبراطور، التي انتقلت بطريقة ما إلى الأساقفة فصاروا منهم القيصر جديد ومنهم الحبر العظيم، هل تستطيع الكنيسة التخلي عن فكرة انها وريثة الإمبراطورية البيزنطية، هل تقبل خلع مجد الامبراطور والعودة إلى صورة الختن يسوع؟
المراجع:
1.الارشمندريت إيليا طعمه، دراسات كتابية في سفر الرؤيا، سلسلة دراسات في الكتاب المقدس، در المشرق، ص27.
2. جورج خضر/س.ترويتسكي، الكنيسة والدولة، سلسلة تعرف إلى كنيستك جزء3، منشورات النور، 1982، ص23.
3. المرجع السابق. ص24.
4.لاهوت التحرير الأرثوذكسي(النموذج الروسي)، الاب سامي حلاق اليسوعي، دراسات لاهوتية، دار المشرق، لبنان، بيروت، طبعة أولى 2017
5. اغناطيوس الرابع، بطريرك انطاكيا وسائر المشرق، نفحات انطاكية، صفحة33
6. أسد رستم، تاريخ مدينة انطاكية العظمى جزء اول.
7. اغناطيوس الرابع، بطريرك انطاكيا وسائر المشرق، نفحات انطاكية، صفحة212.